جامعة المصطفى العالمية، هي مشروع الحداثة والعصرنة البديل عن الحوزة، الذي يقوم عليه النظام في الجمهورية الإسلامية، ويهدف إلى تقويض الحوزة العلمية وتعطيل المرجعية الشيعية، وفي الأقل الأدنى، إخضاعها لسلطة الدولة، وإنهاء استقلاليتها التاريخية الممتدة نحو ألف عام ونيف… وعندما تنهض هذه الجامعة بتكريم علَم وشخصية مثل العلامة السيد جعفر مرتضى العاملي، فهي ـ في الحقيقة ـ تعمد لما يزكيها هي، وتسعى لما يغير النظرة إليها، وتحتال لما يورثها بعض الشأن ويكسبها القيمة والاعتبار في أوساط علماء المذهب، وفي نفوس عامة المؤمنين الموالين.

أما السيد جعفر فقيمته وفضله أقرَّ به وسجَّله قمم الهرم العلمي للشيعة في هذا العصر، مراجع الطائفة وأساطينها، وفحول المذهب، وأفذاذ رجالاته، كالميرزا التبريزي والشيخ بهجت قدس سرهما، والشيخ الوحيد الخراساني والسيد صادق الروحاني دام ظلهما، وغير هؤلاء من العظماء، الذين لا أريد أن أحملهم عبئاً وأخلع عليهم شرفاً تحفظوا على المجاهرة به، وتوقفوا عن إعلانه، لمصالح ارتأوها وأمور قدَّروها… وقد سجَّله قبل أولئك وهؤلاء: الحقُّ جل وعلا، وكرامٌ كاتبين، وصحيفة أعمال، ونطقت به قيم الشرف والغيرة والإخلاص والنزاهة، مقابل الانحطاط والزيف والدجل، والاتجار بالدين تارة، والاستئكال بالمذهب أخرى، وبالقومية والعروبة ثالثة، وبالوطنية رابعة، وبالحداثة والتنوير والتطوير، ونبذ الماضي ومكافحة التراث و”تقليد الأموات”، وكل العار الذي جمعه الغرض الذي رماه السيد جعفر مرتضى وهو يدافع عن سيدة نساء العالمين، ويذود عن حمى العقيدة والدين.

إن النقطة الأهم في أداء السيد جعفر والمفخرة الأبرز في سيرته هي ما عمد إليه من المجاهرة في مواجهته الباطل، والشجاعة في تصديه للضلال، ثم التضحية التي حرمها ولم يوفق لها جملة من زملائه وأقرانه.. فالدنيا بذُرى مغرياتها وقمم زينتها: الرئاسة والسلطة، المال والشهرة، والقوة والمكنة.. كلها كانت مبذولة للسيد جعفر، في متناوله وطوع إشارته وتحت تصرفه، وقد جاءته من أوسع الأبواب وأسهلها، طيّعة ممتثلة، بل منقادة متوسلة، فهو ابن الثورة المدلل في قم وطهران والأقرب إلى حزب الله في لبنان، الذي يفتقر ـ من جانبه ـ وجهاً علمائياً في رتبة السيد ودرجته، وكل المطلوب منه أن يُبهِم في ردوده على الضال المضل، ويتجنب التحديد والتعيين وكل ما يسمح بتطبيق شخص فضل الله على معالم الضلال ومواقع الانحراف التي كشفها السيد وهاجمها، ما ينتهي إلى التموضع وخلق جبهات واصطفافات لا يطيقها الحزب (وآخر التمنيات و”الأبواب”، بل الضغوط والإرهاب، كان المشاركة في تشييع جنازته!)، فأبى الكريم الشريف، وأعرض النزيه العفيف. أصر أن لا ينخدع بتسويلات الشيطان، ولا يخدع هو الناس بسكوته وإغماضه، ولا يسمح بحمل خطابه على وجوه، وتمسَّك بالتصريح والتحديد والتشخيص، ما ينفي الريب ويقطع الشك، ويضع النقاط على الحروف، فأتم الحجة على الساحة كلها، وأسقط المسؤولية عن نفسه، ولن يتحجج بعدها أحد بجهله بما كان يدور، ولن يعتذر أحد عن اصطفافه مع الضلال وتموضعه ضد الزهراء عليها السلام وصريح العقيدة الإمامية بخفاء الحقيقة والتباس الأمر عليه.

شخصياً، لست على وفاق مع السيد جعفر مرتضى، بل أنا على خلاف معه في بعض آرائه ومواقفه، العلمية والسياسية (لا اجتهاداً مني وتنظيراً، بل تبعاً للأعلم)، ولكنني لا أملك إلا الاعجاب بهذا الطود الأشم، وتعظيم هذه القامة الشامخة، وإكبار الشجاعة والنزاهة، فأنحني لأُقبل يداً سطرت “مأساة الزهراء” و”خلفيات المأساة” و”كربلاء فوق الشبهات” و”الشهادة الثالثة” و”ظلامة أبي طالب” وغيرها من الأعمال الخالدة التي سدَّت فرَجاً في المكتبة الشيعية، وملأت فراغات، وأثرت الحقل، كـ “الصحيح من سيرة النبي” و”سيرة أميرالمؤمنين”، وجعلت صاحبها مرجعاً مأموناً (من حيث العدالة والتخصص)، لا يمكن لأي باحث في الشأن الشيعي أو دراسة حول الشيعة وعقائدهم وقضاياهم في هذا العصر، أن تتجاوزه وتتجاهله. 

من هنا علينا أن نفهم الضجة التي افتعلتها جماعة الضال المضل على تكريم العلامة العاملي، ونعي خلفية الهستيريا التي وقعت فيها فئة محدودة محصورة متقوقعة على صعيد أعداد الأتباع والمقلدين (فهم في الكويت كلها مثلاً لا يتجاوزون العشرين عدّاً ونقداً!)، وكذا الحضور والامتداد الاجتماعي، ولكنها فاعلة ومؤثرة على صعيد الإعلام والنفوذ في الحكومات والارتباط بمواقع السلطة ودوائر صنع القرار.

هناك خلاف ونزاع، وصراع ونزال، داخل المدرسة الحداثوية نفسها، وهو يحتدم بين تيارين:

تيار متدين (عقائدياً وسلوكياً) يعيش المسؤولية ويمارسها بإيمان وإخلاص، لا يريد أن يصدق أنه أداة في المشروع الحداثوي الكبير (الإصلاحي، الشريعتي، العصراني، سمه ما شئت)، وهو يُبقي على أفكاره الشيعية ويحافظ على معتقداته الأصيلة في نطاقه الشخصي، ويسعى ـ بحذر ـ لتوسيع هذا النطاق فيشمل أهله وعياله وأصحابه، وحيثما تمكن واستطاع. وإن كان عمدة هذا التيار هم القاعدة والكوادر المتوسطة والشباب، لكن القيادة والكوادر العليا لا تخلو منهم. وقد توسع هذا التيار وتمدد بشكل كبير حتى اكتسح الساحة خلال السنوات الأربع الأخيرة، منذ تعرض الشيعة للحرب المذهبية، ودخول حزب الله وعموم الحركات الموالية للجمهورية الصراع ضد الوهابية والتكفيرية، وخوضها المعارك من منطلقات عقائدية ولائية.

إن هذا التيار يلتمس خطاباً ويبحث عن تنظير ويتحرى مادة فكرية تأمن خلفية عقائدية وغطاءً شرعياً لحركته، بما يحقق تطلعات ساحته الخاصة (المحازبين) وحاضنته العامة (كافة الشيعة)، التي نحت في هذه الفترة نحو التدين والالتزام، وتقلص تأثير الفكر السياسي والشعارات الحداثوية فيها وعليها، لصالح القيم والمعارف الدينية الأصيلة، ولا سيما الولائية… هناك مجاهدون مرابطون في الثغور، وشهداء يسقطون كل يوم في الجبهات، يحتاجون إلى خطاب يسكِّن هواجسهم ويبدد قلقهم، وغطاء ينفي الشكوك والريب من نفوسهم، ويربط على قلوبهم بأن شعار الدفاع عن العتبات المقدسة، و”نفديك يا زينب”، وما إلى ذلك، ليس تكتيكاً سياسياً وتكسّباً أدار البوصلة وغيَّر مؤشرها تجاه أعداء آل محمد، بعد أن كانت نحو إسرائيل حصراً وحكراً، بل حقائق من صميم العقيدة وصحيحها، وثابت المذهب وجوهره.

نعم، هناك من يتفهم مقتضيات الدفاع المتقدم المسبق، ويعيش بالوجدان أن العدو قادم إلى عقر دارنا إذا لم نبرز له في مواقعه، وننفر إليه ونغزوه قبل أن يغزونا، ولكن هؤلاء، والآخرين الأقل وعياً، الذين لا يقرأون الحدث بهذه الاستراتيجية، بحاجة إلى نفحة روحية وأجواء أخلاقية ومظلة شرعية من صميم المذهب وأصيل الفكر الإمامي الشيعي، البعيد عن التقاطيات شريعتي، وضلالات ربائب مدرسته الذين كانوا حتى الأمس القريب يساوون بين الموالي والناصبي ما دام يقاتل إسرائيل، فيعظمون الرنتيسي وياسين ومشعل وهنية، وإذا بسفاح هؤلاء ولقطائهم يفجرون أنفسهم ويستهدفون الأبرياء العزّل في الضاحية الجنوبية!

من هنا انعطف السيد نصرالله مؤخراً، وهو الذي يشعر بعبئ المسؤولية ويدرك ثقل التبعات، وتنقض ظهره جسامة الخطب ووحشة الطريق، وقدّم لعناصره ورجال حزبه وللساحة الشيعية عموماً، آية الله العظمى الشيخ بهجت قدس سره كمرشد روحي للحزب وموجِّه عقائدي له شخصياً (وقد فعل ذلك بأثر رجعي!)، ما زرع في نفوس المجاهدين وأهليهم، ولا سيما ذوي الشهداء، الثقة والطمئنينة، وأورثهم راحة كبيرة، فهم تحت مظلة فقيه لا يطال جامعيته للشرائط شك، عالم أصيل من صميم البيت الشيعي، منزّه عن انحرافات وضلالات تجعلهم ـ في واقعهم ـ في جبهة بعيدة عن أئمتهم، وتلحقهم بمنكري الفضائل والمشككين في المصائب والمفرطين بالعقائد، وما يجمعه عنوان “خصماء آل محمد” والعياذ بالله. فالشيعي على استعداد للبذل والعطاء إذا كان في سبيل الحسين والزهراء وزينب وأبي الفضل العباس، لأنه يعشق هؤلاء ويهيم في حبهم وولائهم، ثم هم سلام الله عليهم كفلاء بالوفاء له ومجازاته في قبره ومعاده، وهذا ما لا يوليه لغيرهم (كائناً من كان)، ولا يرجو أن يتلقاه من سواهم شفاعة، وغرفاً في الجنة، ومقامات ورضواناً!

من يعيش الساحة ويواكبها يشعر بهذه الحالة ويلمس هذه الحقيقة، حقيقة تغير الناس وانجذابهم للدين من باب الولاء لأهل البيت، ابتداءً من احتشادهم في مجالس عزاء سيد الشهداء واستعدادهم للبذل في سبيلها، وانتهاء بساحات الجهاد وتقديم فلذات أكبادهم قرابين على مذبح الولاء والدفاع عن مقدسات أهل البيت. ولعلها من فعل وبركات ثقافة زيارة الأربعين المليونية التي أذهلت العدو، فكيف بالصديق؟ وسرها الذي سرى في الأمة وعم جميع أبناء الطائفة.. اللهم إلا من ران على قلوبهم وختم الله على سمعهم وأبصارهم فهم لا يفقهون ولا يدركون.

ويقابل هذا التيار الجارف، حفنة من المتاجرين بالدين، المستأكلين بالمذهب، اللاهثين وراء الثراء والشهرة، لا تعنيهم إلا مصالحهم الشخصية في جمع الأموال وتضخيم حساباتهم في البنوك! والشيعي لا يطيق ولن يسمح أن يستشهد ابنه في سبيل هؤلاء الأوغاد، ولا يريد أن يستثمر حركته الحثالات، ويتاجر بجهده الطغام، ويتسلق على تضحياته اللئام.

تيار من السياسيين والمعممين، لو كانوا يتمتعون بأقل درجات الإحساس بالمسؤولية، ويملكون أدنى مراتب الكرامة والرجولة، لغيَّبوا أنفسهم عن الساحة واختفوا إلى حيث لا عودة، وأقدموا على الانتحار وأسدال الستار على هذا العار. ذلك بعد أداء مثل الحضيض، على يد ما قدم فضل الله للأمة من تلاميذ: الجعفري والمالكي وهذا اللفيف! ولكنها العاهرة التي تحاضر في العفة، والراقصة التي تعظ فتنهى عن التبرج، وتزجر على هتك الحجاب! وإذا كانت المأساة والفاجعة في العراق تأخذ الصورة الواضحة في الفساد المالي والانهيار السياسي، فهي في بقية الأقاليم تأخذ طريقها لتبلغ هذه النهايات، وعما قريب سيدوي بوق فضيحتهم، ويضرب النفير العام لاستئصال شأفتهم.

في هذا السياق تأتي حربهم على السيد جعفر مرتضى.. العالم المتزن الوقور، والمحقق الموضوعي العادل، والحر الذي كان في بداية فتنة فضل الله من المدافعين عنه! حتى بان له ضلاله بالدليل وانكشفت شيطنته بالحس، فانقلب عليه، ومال أولاً إلى نصحه، ثم إلى أمره بالمعروف ونهيه عن منكره، فمواجهته والتصدي له. وكل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، فلن تجد في جميع مؤلفاته، ولا سيما التي تصدى فيها لهذا الضليل لفظة سب وشتم واحدة، ناهيك بإسفاف وبذاءة، ما هي إلا مناقشات علمية واستدلالات واحتجاجات شرعية… لكنها طغمة لا تعرف العلم، وعصابة لا تطيق الحوار، وشركة تجارية لا تتحمل الرأي الآخر وتحسبه منافسة. ثم سكر المال والسلطة، وقد اجتمع إليه الفزع من زوالها، وطغى عليه الخوف من انكشاف واقعهم الفاسد، وكل ما يشكل مقدمات سقوط العرش ومصادرة الأموال وطي الفرش!

وبعد، فلن يفهم أحد وجه الجمع بين شعارات الوعي الإسلامي والحركية والتقدمية والجهاد والمقاومة، والتطلع إلى رمز حي متفاعل مع معطيات الزمان والمكان، التي تبجح بها المعمم الضليل حياته كلها وتنطع، وبين إصرار أتباعه على عبادة رمة بالية في قبر! واللهث وراء حفظ صنم حطمته معاول المرجعية العليا، وحرقته ونسفته في اليمِّ نسفاً… إلا إذا عرف واقع تلك الشعارات وحقيقتها، وأنها لم تكن إلا السبيل إلى “مجد” حققه كرجل أعمال، وتجارة ومال، ضارب واستثمر حتى كوَّن إمبراطورية مالية تبدأ بالعقارات والأسهم، ولا تنتهي بالأسواق المركزية ومحطات الوقود والمطاعم والفنادق والأنشطة السياحية والخدمات الطبية، وفهِمَ هلع حاشيةٍ ورثته، ورعب عصابةٍ لاذت به، قامت معه نافجة أحضانها من كبر وغطرسة، متردية بين نثيلها ومعتلفها، ومضت تخضم مال الله خضم الإبل نبته الربيع! حتى أتخمت بالأرصدة المليونية، وأُبشمت من ريع المبرات، ما وَسَم الجباه منهم بميسم العار، ولطخها بخزي لا ترحضه البحار، ولكن ما الحيلة في أسقاط أوباش، محدثي نعمة صاروا في موقع المنح والإنعام، من خزائن ملؤوها بالنهب والاختلاس، بعد عهود التسوُّل والاستجداء؟!

إن الأزمة ليست في تكريم سيد جعفر مرتضى أو بخسه حقه، إنها في سؤال يصك سمع كل ذي دين ووجدان: هل ذهب الشهداء في إيران، ويذهبون في كل ساعة في العراق وسوريا ولبنان، في سبيل هذا الفكر اللقيط، ومن أجل تعظيم هذا الضلِّيل الخبيث؟! ولا المعركة في نباح ياسر عودة ونفاق أبي زكريا وكل أجير مرتزق، ولا في ملئ شوارع الضاحية بلافتات و”بانرات” صور الهالك، يعثر بها المشاة فيركلونها، وتشمئز منها نفوسهم فيبصقون عليها.. ولكنها في ميدان العلم والاحتجاج الذي مرَّغ فيه السيد جعفر مرتضى أنوفهم بالتراب، وجبهة أخرى مرجأة مؤجلة، يتحرق الموالون في انتظارها، ولا يسعنا إلا أن نتمثل قول الرصافي:

فيا علج أقصر عن نهيقك أنه، أضلَّ كإضلال الخوار من العِجْل.

أنزِّه عنك السيف في قتلك الذي، تحتَّم لكن يا مخنَّث بالنعل.

Posted in

التعليقات