ليست عقدة كولن باول وبول بريمر وقادة القوات الأمريكية في العراق، الذين تهالكوا على مجرد لقاء يجمعهم بالمرجع الأعلى السيد السيستاني دام ظله، فلم يعودوا إلا بخفَّي حنين، حتى رحلوا عن العراق بحسرتهم، ومضوا يجرون ذيول خيبتهم. ولا هي عقدة أحمد الكبيسي الذي ما انفك يهاجم الوهابية ويتنكر للأموية، ويستميت في خلق صورة تنأى به عن التطرف والتعصب والغلو، ويسعى جاهداً في صنع قالب ورسم إطار يظهره خياراً أخيراً للأقلية السنية في العراق، عندما تفشل محاولاتهم العودة إلى الحكم، وتحبط مساعي فرض الأحلام بقوة السلاح، حين يخيب الإرهاب وييأس التفجير. وهو يوظف ـ في هذا السبيل ـ ما وَسعه، ويستخدم ما أمكنه، غير موفِّر مديح علاوي والثناء على الخالصي وتزكية مقتدى، بأمل اجتذاب بعض شرائح الشيعة، وتسويق شخصه، دون أن يبذل شيئاً من “رأس المال” حذر الإفلاس أمام جمهوره وقاعدته! ولكنه ـ مع هذا كله ـ ما إن يصل إلى السيد السيستاني حتى تراه تشنَّج وتلوى، وهاج وماج، ووقع في ما يخرجه عن وقاره ويفقده اتزانه، ويذهله عن خطته ومشروعه، فيهدم ويخرب بيده كل ما بناه!

ليست هي عُقدة هؤلاء فحسب… ولكنها عقدة طائفة أخرى، من داخل البيت الشيعي، أو المحسوبين عليه.

تيار قوَّض السيستاني مشروعه، وحطَّم آماله، حين سدَّ الفراغ الذي خلقه حزب البعث، وملأ الشغور الذي تظافرت على صُنعه أربعة عقود من القتل والتنكيل والاضطهاد والتهجير، ما خلَّف ساحة تفتقد أوليات معرفة الدين والتزام الشرع، وكان القوم يحسبون أن حضورهم سيشكل البديل، وآليتهم المنظمة المموَّلة، هي الأقدر على ملئ الفراغ واستثماره.

فبعد غلبة خطاب الحركية والثورية في الساحة الشيعية، والمعطيات العملية الوجدانية التي يستشعرها كل مؤمن جراء القهر الذي عاناه، والظلم الذي نزل به، مما رفد مقولات السياسيين ودعَمها، إلى جانب ما زرعوه في الأذهان ودسوه في العقول، من “رجعية” مرجعية النجف، وأن حوزتها “حوزة حيض ونفاس”، ومكررات التراث.. كانوا يحسبون أنهم سيكونون الملجأ الوحيد في الساحة، والخيار الأثير لدى العامة والخاصة. وإذا بالسيد الجليل، يتقدم بوقار العلم والتقى، ويمضي بخطى ملؤها الثقة والطمأنينة، مُزداناً باسترسال ينطلق من استشعار المسؤولية والعمل بالتكليف، متمتعاً بحكمة تأتي من نور يقذفه الله في القلوب وتشرق به البصائر… تحرك شيئاً يسيراً، بمقدار ما تتطلب الضرورة وتقتضي الحاجة، فأسقط بكلمة وقوِّض بإشارة صرحاً ما زال يقوم عليه عشرات آلاف المحازبين والعاملين والمجندين، وأبطل بخطوة، وأنهي بالتفاتة وإيماءة، كيداً ومؤامرة رصدت لها المليارات! سحب البساط من تحت أقدامهم، وتقدم يظلله الإخلاص، وتبعثه البصيرة واليقين.

جن جنون القوم، وفقدوا كل رشدهم وصوابهم، فنسوا كل همومهم وعزموا على إسقاط النجف الأشرف وإنهاء مرجعيتها! جمعوا أمرهم، ونظموا صفوفهم، وأوقفوا الفوضى التي كانت تحكم ساحتهم والارتجال الذي دمغ أداءهم من هول ما نزل بهم…

رسموا فكرة ووضعوا خطة، استراتيجية كبري، وتكتيكيات مقطعية… أرسلوا الحيدري خلف طريدتهم، بخطاب سافر وإعلان فجٍّ وَقح، حمله حمق في الأداء وصفاقة في البيان.. هتك السفيه الحرمات، وأهان الحاقد المقدسات، ولعلهم أرادوه “انتحارياً” يفتح ثغرة في الساتر الأول لجبهة الحق، فوطأ الأخرق بقدميه لغماً زرع في طريقه، وأرخى مسمار الأمان من قنبلة حملها بيده… فلحق ـ سريعاً ـ بسلفه الضال المضل فضل الله، وراح إلى غير رجعة.

ثبت أن لا جدوى من المواجهة العلنية، فعاد القوم إلى خطتهم وطريقتهم السابقة، وغاية جهدهم وأملهم، أن لا تسحر شخصية السيد السيستاني أتباعهم، ومنتهى سعيهم أن لا يتأثر محازبوهم بحضوره ويعيشوا التناقض في نفسياتهم ويلمسوا بالوجدان تهافت مزاعم طالما غررت بهم، وأكاذيب انطلت عليهم، بأن مرجعيتهم ـ هي دون غيرها ـ المجاهدة، وهي وَحدها المعايشة لأحداث الساحة، والمتلمسة لآلام الناس وحاجاتهم، والمتصدية للشأن العام!

ثم جاءت القاصمة الماحقة، المستأصلة المجتَّثة، حين أعلن السيد السيستاني الجهاد الكفائي، وسرت فتواه في الشعب بما صعق العدو وأذهل الصديق، وتلقاها الناس بلهفة بعثت فيهم الحياة بعد يأس مما في أيدي الحركات الإسلامية والمشروع البديل! كانت فتوىً أعادت أمجاد “ثورة التنباك” و”العشرين”، وأظهرت عزَّ الحوزة والمرجعية، ومكانتها في الأمة، وأثبتت أنها هي التي حفظت التشيع وحاطت الشيعة وقادتهم على مرِّ التاريخ.. لا الحركات والأحزاب السياسية اللقيطة، ولا القيادات المتطفلة والزعامات المزيفة.

سقط في يد القوم، حتى أني أعرف سيداً (ما كان كاذباً، فصار اليوم كذوباً)، خرج ليمجد بالفتوى، وينفي التضاد والتعارض، وينكر أصل الاختلاف، ناهيك بالخصومة والعداء، وهو الذي نذر نفسه لحرب مرجعية السيستاني، وكان يجاهر بمناصبته والعمل على إسقاطه! انقلب اليوم، فلا مناص من ركوب الموجة، والتماهي مع هذا السيل الجارف، متناسياً مقولة أن “بريطانيا لا تعيّن مرجعية الشيعة”! وأن فلسفة التصدي لمرجعية الخارج دون الداخل كانت “عدم وجود من يحمل هذا العبئ هناك”! فكل من لا يؤمن بولاية الفقيه، غير مستوفٍ لشرائط الفتوى والتقليد، وإن كان الأعلم والأجود استنباطاً!

ولكني لم أكن أعرف حجم اضطراب هذا التيار ومدى ضياعه، حتى رأيت الذي أرسلوه أخيراً، قَسْقَسوا به فأهاجوه، أهتَشُوه وحرَّشوه.. فكتب “أنيس نقاش” في إحدى مواقع التواصل الاجتماعي: “لو كان ماوتسي تونغ هو مرجع تقليد العراقيين لكنا بألف خير، ولكانوا حسينيين فعلاً”! فلما اعترضه أحد متابعيه بأن الحشد الشعبي الذي أوقف المؤامرة العظمى على العراق، إنما كان بكلمة من المرجعية. ردَّ بأن: “كلمة المرجعية لا تكتمل إلا بطرد الأمريكان من العراق”. معرِّضاً بأن السيد السيستاني لم يفت بالجهاد وحمل السلاح ضد الاحتلال الأمريكي.

شنشنة نعرفها من أخزم، مقولة سابقة ومعزوفة مهترئة طالما غنى عليها اليسار ورقصت بها الشيوعية… ظننا أن الوجدان البشري قد طواها وتخطَّاها، بعد أن ركنها أصحابها وأودعها أهلها رفوف التاريخ، وبرهن العمل وأثبتت التجربة فشلها وبطلانها، وإذا بـ”إسلامي” يستعيدها من باب الثورية، ويدعو لإحيائها إذكاءً “للجهاد” في الأمة! إنها مقولة الدين الثوري، التي نظَّر لها “علي شريعتي” في عصرنا وأعاد صياغتها عن مصدرها الأم (الشيوعية) ضمن شعاره المدوِّي: “إما أن تكون حسينياً (مجاهداً بسيفك)، أو زينبياً (ثائراً بصوتك)، وإلا فأنت يزيدي في خدمة الشيطان”… ومن هذا المبنى قسَّم التشيع إلى: علوي وصفوي، وألحق علماء الطائفة الذين لم “يثوروا” على الحكام، بالتشيع الصفوي، ورماهم بخدمة “ثلاثي الفعل الشيطاني”: الزيف والسلطة والمال (بالفارسية: ذر وزور وتزوير). ويبدو أن الأخ أنيس نقاش أصبح شريعتي الهوى، ولا أدري هل يُثبت هذا التقاء الرجلين على جذر شيوعي يجمعهما، أم على أصل الجهل الذي تراه في كل متوغل في الدين من غير أهله وذوي الاختصاص فيه…

وقد وفَّر السيد الخميني رحمه الله وكفانا المؤونة في الرد على هؤلاء من أدعياء الإسلام الثوري (ولا أخالهم سيزايدون على الخميني في جهاده وثوريته!)، في بيانه التاريخي الذي سطره حسماً للخلاف حول مناهج وطرق الاستنباط في الحوزة العلمية الشيعية، بين “حركي” مطالب بتحررها من وضعها القائم، و”تقليدي” متَّهم بالرجعية، يلتزم الأصول والأسس الموروثة، وفيه:

«ليس ثمة ترديد في أن الحوزات العلمية والعلماء الملتزمين كانوا على مدى تاريخ الإسلام والتشيُّع أهم الحصون الراسخة للإسلام في قبال الهجمات والانحرافات والتحريفات. ولولا الفقهاء الأعزاء لما عُلِم أيُّ العلوم كانوا سيحمِّلونها الناس اليوم باسم علوم القرآن والإسلام وأهل البيت. إن جمع وحفظ علوم القرآن الكريم، وآثار وأحاديث النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، وسنة وسيرة المعصومين عليهم السلام، وتدوينها وتصنيفها وتنقيحها، في ظروف شحَّة الإمكانيات، وسطوة سلاطين الجور والحكام الظلمة، وما يبذلون من طاقات في سبيل محو آثار الرسالة.. لم يكن بالعمل الهيِّن. ونحن اليوم ـ بحمد الله ـ نرى نتيجة تلك الجهود في الآثار والكتب المباركة، مثل”الكتب الأربعة” وكتب أُخرى للمتقدِّمين والمتأخِّرين، في الفقه والفلسفة والرياضيات والنجوم والأُصول والكلام والحديث والرجال والتفسير والأدب والعرفان واللغة وشتى حقول العلوم المتنوِّعة. لعمري، إذا لم نُطلق على هذه الجهود والمعاناة “جهاداً في سبيل الله”، فماذا عسانا نسميها؟! إن الحديث ليطول في البعد العلمي لخدمات الحوزة العلمية، مما لا يسعه هذا المختصر، وبحمد الله فإن الحوزات غنيَّة ومتجدِّدة بلحاظ منابع وطُرق البحث العلمي والاجتهاد، ولا أتصوَّر وُجود طريقة أنسب للتحقيق المعمَّق في جوانب العلوم الإسلامية غير تلك التي كان عليها السَّلَف من العلماء. ويشهد تاريخ ألف سنة من تحقيق وتتبُّع العلماء الواقعيين للإسلام على ادعائنا في نماء بذرة الإسلام المقدَّسة، وغدوِّها شـجرة وثمرة.. (إلى أن يقـول:) أما بخصـوص أسلوب الدراسة والتحقيق في الحوزات، فإنني أتبنى الفقـه التقليدي واجتهاد “الجواهري”، وأرى حُرمـة التخلُّف عن ذلك». نظر: صحيفة النور ج21 ص88 ــ 101

من الطبيعي أن يجهل أنيس نقاش هذه الآفاق، وهو الغريب عن ديننا وعالمنا، عاش قومياً يسارياً، مناضلاً، فسجيناً، ثم طليقاً، فرئيساً لمركز دراسات استراتيجية، إعلامية وأمنية، وما زال يخوض نشاطاً وفعاليات سياسية، جعلت منه طبلة كل جوقة، ومزمار كل حفلة، أو قل أدام كل مائدة وكأس كل وليمة، لا تطيب ولا تلذ إلا به، ولا يكتمل الرسم العابث في اللقاءات التلفزيونية إلا بضربات ريشته ولطخات أصباغه، ولا يستمتع المشاهدون إلا بتحليلاته، ولا يتفكهون إلا بعياراته الثقيلة، التي تحكي عالماً يعيشه أو يحلم به، يسقطه على الحدث، فيزايد ويغالي ولا يبالي، فهو لا يدفع من جيبه ولا يخسر من رأس ماله (تماماً مثل الكبيسي)، مراهناً على مشاهدين متحمسين، يتحرَّقون لتحقيق الأماني، وهذا صوتٌ يرجو لهم أخرى يحبونها: نصر من الله وفتح قريب، فلم لا يقبلون ويأنسون، وكيف لا يُعجَبون؟!

لا أدري كيف يمكن لإسلامي أن يدعو إلى تقليد “ماو”؟ ماذا أكل هذا الرجل وماذا شرب طيلة حياته؟ من أي مال نبت لحمه ودمه؟ سواء أيام انخراطه في حركة فتح، أو حين مرافقته لكارلوس في عملية فيينا، أو في السنين التي قضاها سجيناً إثر محاولته اغتيال شابور بختيار والحكم عليه بالحبس المؤبد؟ أتراه كان يأتم بأبي عمار وهو يصلي التراويح في ليالي شهر رمضان؟ أم يسترشد ويستلهم من إشراقات وديع حداد وفيوضات “الحكيم” جورج حبش؟ أ كان كارلوس يتناول لحوماً مذكاة ولا يرتاد إلا مطاعم تلتزم الذباحة الشرعية؟ ترى كم يحتاج الأخ أنيس من وقت ليستدل على صفحة دعاء الندبة أو الزيارة الجامعة في مفاتيح الجنان؟… أم تراك تحسب أن هذا هيِّناً عابراً؟ ليس من معايير التقييم ولا في موازين الجرح والتعديل؟… أمِن هذا المجهول (في أحسن الأحوال) يؤخذ الدين ويحدد مرجع التقليد؟! هذا ما كان ينقصنا، أن يفتينا النقاش في ديننا، ويرشدنا إلى المرجع الذي يكفينا!

لا يمكن ليساري يكافح ويناضل ويبذل روحه من أجل رغيف خبز يسد رمقه، أن يعرف قيمة هذه الدنيا وينزلها منزلتها الحقيقية، فدنيا يبيعها علي عليه السلام بشسع نعله، لا يدركها أنيس نقاش، وعالم أهون عنده من عفطة عنز، يراه “ماو” قضيته الأولى والأخيرة التي يموت ويحيا في سبيلها! لا يمكن لشخص نذر حياته وكفاحه ونضاله (في أحسن الفروض وأكثر المحامل تسامحاً) في سبيل قيم ومبادئ، تقف عند الدنيا وتنتهي عند سقفها وسطحها الأعلى، أن يفهم مراجع وصلحاء كالشيخ الوحيد الخراساني و السيد السيستاني يرونها بقضِّها وقضيضها “قنطرة”، ويعدّونها بكل ما فيها “نومة”، وأن الآخرة هي الحيوان، وأن اليقظة والانتباه يبدأ بعد الموت، وأن الكرامة الحقة هي في جنة عرضها السماوات والأرض، ورضوان من الله أكبر.

لا أخال هذا التعس إن كان في عهد الإمام الحسن عليه السلام، إلا من الذين طعنوه وكفروا به! بل لا أحسبه لو أطلقت يده ومُـكِّن أنه كان سيقر حزب الله على الصبر عند مجزرة فتح الله، وعدم الرد على فاجعة جسر المطار؟! ولا أظنه كان سيقبل قرار الأمم المتحدة رقم 1559 في وقف إطلاق النار لإنهاء حرب عام 2006، والإنسحاب إلى ما وراء الليطاني، والتعهد بوقف عملياته ضد إسرائيل… فهذه كلها في القاموس الثوري والمرجعية الماوية كفر وزندقة!

لقد خلع الرجل بدلة العمل الشيوعي (الأوفرهول) وصار يضع ربطة عنق ويرتدي أفخر الماركات العالمية، ويفترض أنه حرق الكتاب الأحمر، وانخرط في تنظيم ديني إسلامي يتبنى أشد صيغ الخضوع والانقياد لعالم الدين، أي ولاية الفقيه، التي تتجاوز التقيّد بالأحكام الشرعية لتمتد إلى التزام الموضوعات التي يشخصها القائد وإن كانت خلاف قناعة العامل وعكس رؤية المقلِّد… ومثل هذا الشخص المرتهن في فكره وقراره وسلوكه ونشاطه، لا يحق له رسم التكليف للآخرين، ولا سيما إذا كان ينطلق من الطعن في رموزهم والاستخفاف بمقدساتهم.

ليس في العربية لفظ يحكي صوت “ماو”… فقرنته بمواء الهر، للتناسب اللفظي والمعنوي، تنزيهاً لمؤمن تقمّصه، فلا أنسب مستبصراً إلى عواء الكلب.

Posted in

رد واحد على “عقدة اسمها السيستاني ومواء أنيس نقاش”

  1. بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بارك الله فيكم أستاذ عباس على مؤلفاتكم ومواضيعكم

    ونسأل الله حسن العاقبة في وسط كل هذه الفتن

    وكما ورد في دعاء أبي ذر

    أللهم أسألك الأمن والإيمان بك والتصديق بنبيك
    والعافية من جميع البلاء والشكر على العافية والغنى عن شرار الناس

    إعجاب

التعليقات