أثبتت التجربة أن شن الحروب العسكرية على الجمهورية الإسلامية لا يقضي عليها، بل يفضي إلى نتائج عكسية ويحقق أهدافاً تقلب المعادلة وتجعلها في صالحه. قد تنهكها وتبطئ نموها وتحد من نشاطها وبنائها، لكنها من جهة أخرى، هي الأهم في فلسفة وجود النظام الإسلامي، تمكِّن الجبهة الداخلية وتُحكمها، وتدفع الشعب إلى اللحمة والالتفاف حول نظامه وقيادته…. على العكس من ذلك تفعل الصراعات الداخلية والنزاعات التي تفضي إلى “فتفشلوا وتذهب ريحكم”. من هنا يلجأ العدو إلى دسّ ما ينخر في كيان الدولة ويفت في بنائها الداخلي، عبر خلق المنافسة بين أركان النظام، والأخطر عبر خلق فجوة وفراغ يفصل القيادة عن الأمة، وهي القاعدة التي تستمد منها المشروعية، ولا سيما عند افتقاد تلك المستمدة من”الله”والحكم الشرعي، أو اهتزاز الصورة والشك في استيفاء الشروط على هذا الصعيد.
في هذا السياق يأتي النزاع في شأن الشعائر الحسينية، وهي أعظم أصل في الوجود الشيعي، بعد المرجعية الدينية، ولربما قبلها.
الشعائر الحسينية، سواء على مستوى العقيدة أو السلوك والعمل، هي ذروة الحراك الشيعي على مدى التاريخ… قد يطغى على سلوك الشيعة وما يطبعهم ويسمهم، رقم آخر، كالفعل السياسي والثوري، ولكن هذا لا يكون إلا في مقاطع استثنائية وحالات نادرة، فغالباً ما تكون الحركة السياسية فعلاً نخبوياً، فإن تجاوزت ذلك وصارت شعبية، فلبرهة قصيرة وحالة عابرة لا تستمر، ولن تقوى على خرق الأصل، ناهيك بإلغائه واستبداله، لتبقى ممارسة شعائر عزاء سيد الشهداء هي الأصل المطَّرد، والشكل الثابت، والنمط الذي يعم أبناء الطائفة بجميع شرائحهم وطبقاتهم، والمعلم الماضي والمستمر عبر أجيالهم.
وبعد فتنة السيد محسن الأمين في بدايات القرن التاسع عشر، ونهضة المرجعية والحوزة العلمية في وجه رسالة “التلويث والتشويه” التي نشرها، ونجاحها في احتوائها عبر فتوى الميرزا النائيني الشهيرة التي خلقت دفعة تاريخية لجميع أنماط الشعائر، ولا سيما التي أثيرت عليها الشبهة كالتطبير والشبيه واستعمال الآلات، وإمضاء جميع تلاميذه، الذين نهضوا بأعباء المرجعية وتقلَّدوها بعد ذلك لعقود متمادية، وما زالت الطائفة المحقة تمضي على ذلك النهج… ظهرت في عصرنا فتنة جديدة، صدرت مع الأسف الشديد من الجمهورية الإسلامية.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود على المكابدة والنزاع والصراع في سبيل إقناع الأمة أو إلزامها بالقوة امتثال القرار والرأي والدين الحكومي، بدا أن الإخوة هناك اقتنعوا باستحالة ذلك، وأذعنوا بالفشل والعجز، وأقروا بالهزيمة التامة… فقد أفضت الفتوى والحرب إلى نتائج عكسية مشهودة، وخلَّفت انتشاراً عظيماً لكل ما ناصبه القوم العداء وسعوا في إنهائه وإطفائه والقضاء عليه، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا من يدس رأسه في التراب.
وكانت البشرى هذا العام قد جاءتنا عبر تسجيل مرئي للشيخ شفيق جرادي، وهو من أركان حزب الله، والمختصين فيه بالشأن الديني العقائدي، يدعو بحكمة ومسؤولية إلى وقف الحرب على هذا الصعيد، ويأمر أتباع الجمهورية الإسلامية بالتزام أصل عقلي وشرعي ينادي بأن يعمل كل مؤمن بتكليفه الذي يستمده من مرجعه، وكفى الله المؤمنين القتال.
انصرف كلٌّ لشأنه، وانشغل في ساحته، الموالون في العزاء وتعظيم شعائر الله، والالتقاطيون الحداثويون في تلاوة القرآن ودروس المفاهيم والحلقات الحزبية، والشعارات السياسية، مع شيء من الذكر والعزاء يغوي العوام… حتى ظهر لنا يوم أمس أسد قصير بتسجيل لطمية يقابل بها رائعة المبدع عادل أشكناني “أنا ما أملك وجودي” التي أنشدها محمد حجيرات بحنجرة ذهبية أذهب صداها بسمع القوم وخلَّف فيهم وقراً.. وقد جبن الرعديد ووهن الخروع عن ذكر اسم شاعره الذي نسج على منوال العوام وابتذل في السوقية وسقط إلى حضيض الطغام! وهذا كاف في بيان وَهي نتاجه وتداعي دعواه، وإثبات سابق ترصده وقصده الفتنة وتأجيج النار التي حاول حزب الله إطفاءها هذا العام.
هناك من يلتمس للرجل العذر في حقه التماس أسباب معاشه وطَرْقه أبواب رزقه، فامتناعه عن بث الفرقة وتأجيج النزاع وإذكاء الصراع يفقده فلسفة وجوده، وينفي علة بقائه، فماذا عساه أن يفعل وماذا يملك ليقدِّم إذا ما انتهت الفتنة يوماً وأغلق باب الصراع الداخلي؟ إنما تقتات هذه الدويبة على هذا العفن وتنخر في هذا اللحاء، لا تملك فعلاً ولا تطيق عملاً غير هذا… لا يمكن لهذا التسافل أن يقدم إنتاجاً علمياً أو إصداراً معرفياً، ولا أن يشكِّل نموذجاً أخلاقياً بطبيعة الحال، ولا هو قادر على الانشغال بنشاط دعوي تبليغي، لا منبراً يمكنه أن يرقى، ولا كتاباً يمكنه أن يكتب، ناهيك بالدرس والبحث العلمي في الحوزة، فهو أضحوكة ومادة للتندر على هذا الصعيد، وبرنامجه في الاستفتاءات خير شاهد على اختلاط البرامج الدينية بالفكاهية! وشر البلية ما يضحك. ماذا عساه أن يفعل؟ فلا انتاج ولا عطاء بعد التجسس على الطلبة والدس والوشاية ورفع التقارير الأمنية؟ إلا إشعال الفتنة وإلهاء الساحة بالنزاع والجدال واللغط.. لا مصنعاً يمكن للرجل أن يشغِّل، ولا متجراً يستطيع أن يدير، ولا حقلاً يحرث ويزرع (وإن قيل أنه يحسن مهنته الأصلية، الخياطة وتفصيل الأزياء النسائية).. ناهيك بأن يحقق كتاباً أو يعدَّ دراسة وبحثاً. إنه صفر على جميع الأصعدة.
كان قد خرس هذا الموسم وخمد، فظننا أنه التحق أخيراً بالجبهة في سوريا أو بالحشد الشعبي في العراق، أو عاد إلى وطنه ليشد من أزر إخوته، فنفى أحدهم كل ذلك وقال إنه حانق على الحال في البحرين، يريد أن يخلع أبواب السجون ويطلق سراح المظلومين، وقال آخر بل هو غاضب يجيش صدره على الصدِّ عن الحج، ويريد أن ينتقم بأية وسيلة، حتى تهور واندفع، فقرر أن يرتدي حزاماً داعشياً ويقدم على عملية انتحارية!… لكن فورة غضبه قد سكنت فاكتفى بزنار يلف خصره ويهز وسطه! وراح يرقص على إيقاع صرخات تعذيب المساجين، وأنات اضطهاد الشيعة في سائر البلاد، وتربُّص داعش بحسينياتهم وشعائرهم، فعمد ليزيد في هذه المعزوفة المؤلمة لحناً وفي الطنبور نغمة.
لا أدري كيف يسمح المسؤولون في إيران لهذا الساقط أن يشوِّه صورة السيد القائد؟ وهو يعرضه ـ بإصرار عجيب ـ رجلاً بغيضاً يريد أن يُـكرِهنا على أفكاره ويرغمنا على معتقداته؟ ويخرجه للملأ صغيراً في همومه وملاحقاته، متطرفاً فظاً غليظا، حاقداً على الشعائر الحسينية، مستخفاً بعقائدنا، هاتكاً لمقدساتنا؟!
لن أسمح لدويبة، ولن أفسح لسوسة أن تصرفني عن انشغالي بمواساة سادتي وأداء ما أستطيع من واجب عزاء سيد الشهداء صلوات الله عليه، لذا أكتفي بهذا، واعتذر للقارئ الكريم على الاختصار والارتجال، فقد أمليتها على صديق وأنا في الطريق، وأكملتها على باب الحسينية، فأنا لا أسمح لهذا المتطفل اللقيط ـ في قاموس حزب الله ـ أن يجعل مثقال الحجر بدينار!
التعليقات