في كتابه “المكاسب المحرمة” ج1 ص 376، في معرض الاستدلال على اختصاص الحرمة بغيبة المؤمن (الشيعي) دون سواه، بمن فيهم إخواننا السنة، يقول السيد الإمام الخميني:”… فغيرنا ليسوا بإخواننا وإن كانوا مسلمين، فتكون تلك الروايات مفسِّرة للمسلم المأخوذ في سائرها، بأن حرمة الغيبة مخصوصة بمسلم له أُخوَّة إسلامية إيمانية مع الآخر. ومنه يظهر الكلام في رواية المناهي وغيرها. والإنصاف أنَّ الناظر في الروايات لا ينبغي أن يرتاب في قصورها عن إثبات حرمة غيبتهم، بل لا ينبغي أن يرتاب في أن الظاهر من مجموعها اختصاصها بغيبة المؤمن الموالي لأئمة الحق عليهم السلام. مضافاً إلى أنه لو سُلِّم إطلاق بعضها وغضُّ النظر عن تحكيم الروايات التى في مقام التحديد عليها، فلا شبهة في عدم احترامهم بل هو من ضروري المذهب كما قال المحققون. بل الناظر في الأخبار الكثيرة في الأبواب المتفرقة لا يرتاب في جواز هتكهم والوقيعة فيهم، بل الأئمة المعصومون، أكثروا في الطعن واللعن عليهم وذكر مساوئهم. فعن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: إنَّ بعض أصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم. فقال الكف عنهم أجمل. ثم قال: يا أبا حمزة، إنَّ الناس كلهم أولاد بغاة ما خلا شيعتنا. والظاهر منها جواز الافتراء والقذف عليهم، لكن الكف أحسن وأجمل، لكنه مشكل إلا في بعض الأحيان ، مع أن السيرة أيضاً قائمة على غيبتهم، فنعم ما قال المحقق صاحب الجواهر إن طول الكلام في ذلك كما فعله في الحدائق من تضييع العمر في الواضحات”.
وفي كتابه “كشف الأسرار” ص126يقول قدس سره في معرض رده لشبهة عدم النص القرآني على الإمامة:”من مجموع ما تقدم يتضح أن مخالفة الشيخين للقرآن لم تشكِّل للمسلمين خطباً ولا خطراً! والمسلمون إما كانوا منخرطين في حزب الشيخين ومؤيدين لهما، أو كانوا معارضين لهما، ولكنهم لا يجرؤون على إعلان أو اتخاذ موقف أمام أولئك الذين تصرفوا مثل هذه التصرفات تجاه رسول الله وتجاه ابنته، وحتى إذا كان أحدهم يقول شيئاً، فإن كلامه لم يكن ليؤخذ به. وجملة الكلام أنه حتى إذا صرَّح القرآن بذلك (بالنص على ولاية أميرالمؤمنين)، فإن كلام الله لم يكن ليردع هؤلاء ويجعلهم يتراجعون عن هدفهم، فيتخلون عن الرئاسة ويتركون الاستيلاء على السلطة. غاية الأمر أن أبا بكر كان سيعالج الأمر بوضع حديث (في رد الآية القرآنية)، كما فعل مع آيات الإرث (في قضية فدك). أما عمر فلا يستبعد منه أن يقول إن الله أو جبريل أو النبي قد أخطأوا في إنزال هذه الآية، فيلقى تأييد السنيين وتراهم يتبعونه في ذلك، ويقدمون قوله على القرآن وحديث رسول الله”.
ترى هل هذا الرأي والقول هو إثارة للفتنة الطائفية؟ وشق لعصى المسلمين ووحدتهم أمام الكفار والاستكبار العالمي؟ أم كلام الشيخ الوحيد الخراساني دام ظله، حول وجوب إباحة المكان في القبر، ومسوغات النبش ووجوبه في حال الغصب؟ وتطبيقه هذه الكبرى على دفن الشيخين في بيت رسول الله دون إذن ورضى أهل البيت؟! ثم إلزام أبي بكر بدعواه أن ما ترك رسول الله هو صدقة، وبهذا تكون داره ملكاً لجميع المسلمين، فهل استأذن الجميع في الدفن؟ وكيف أن ملزوم قوله هو وجوب نبش قبره؟…
فليُجب الموتورون الذين تباكوا على الإسلام، وتصايحوا خوفاً وانتفضوا حرصاً عليه، من كلام الوحيد الخراساني، فقيه آل محمد حقاً، ونائب المهدي صدقاً، ووكيل إمام العصر والزمان بحجة وبرهان لا بقهر وسلطان… انتفضوا وكأنهم حماة الحمى وفرسان الهيجا، ورجال الثورة وأبطال سوحها وقادة ميادينها، وما هم إلا أوغاد سفلة من الأسقاط المتسلقين، وحثالات خاسئين من الدهماء الوصوليين، لم يُصَب أيٌّ منهم في طريقها بوخزة شوكة، ولا طاله في جولة من معاركها كلْم أو مضرَّة، ولا عانى يوماً من غصَّة أو لوعة، بل قضوها في رفاهية من العيش، وادعين فاكهين، يتربصون بها الدوائر، حتى إذا مضى قائدها إلى ربه، انثالوا عليها من كل حدب وانهالوا من كل جانب وصوب، فصارت الأذناب أرؤساً، والأعقاب مقادماً، والطغام والخشاش سراة وأعاظم! هكذا غدا الضلال مذهباً وصار النفاق ديناً، وها هم اليوم ينظِّرون للثورة الإسلامية ويتبجَّحون بالحرص عليها، ويتباكون على مبادئها وشعاراتها!…
فليجيبوا إن استطاعوا على سؤال، وليقدموا إن تمكنوا الرد والجواب: هل يشكِّل كلام الخميني مادة للفتنة المذهبية أم لا؟ وما الفرق بينه وبين كلام الوحيد من حيث وحدة ملاك التحفُّظ والإدانة؟
إذا كان مدَّعو الحرص على الوحدة الإسلامية، المتشدِّقون بشعارها والملتفون بلوائها، المستميتون على منع الفتنة الطائفية، والمتهالكون على الأُخوَّة الدينية، الحريصون على التصدي لكل ما يعكِّر صفوها، حتى أوغلوا في إطلاقات لا تقيِّد، وأسرفوا في تعميمات لا تخصِّص، وشملوا بحُكمهم”كلَّ”قول وفعل يثير الفتنة، و”أيَّ”شخص يقف خلفها،“أياً”كان عنوانه، و”مهما”بلغ شأنه ومقامه، في تعريض لا يخفى وكناية أبلغ من التصريح. ما كشف أن المستهدف من معركتهم المحتدمة منذ أمد، ليس التيار الشيرازي ولا حبيبه في بريطانيا، فما هو إلا عنوان مشير.. ها هم يتطاولون على المرجعية الأصيلة، ويتناوشون قمتها ويستهدفون رأسها، ويتعدون على صاحب الكرسي الأول في الحوزة، ورأس الهرم العلمي للشيعة! إنها فرصة سنحت لمشروعهم الأساس، ومزن يرجون منه هاطلاً قبل أن يجوزهم، ويمر عن أرض فلحوها بفؤوس الخيانة، وغرسوها ببذور الفتنة، عسى أن تلقح وتنتج ما يردي الأصالة، ويُجهز على العلم والفقاهة، ويبيد حملة الأُصول والفروع، فيتقوَّض كيان الحوزة، وينتهي وجود المرجعية، فيخلو لهم الميدان، وتطلق من خلالهم يد الشيطان.
إنني أتحدَّى: إذا كان مهاجم المرجعية الأصيلة، والمتباكي على مقدسات إخواننا السنة، من صلب أبيه، فليسجِّل إدانته للخميني كما فعل مع الوحيد! ولا يخفى أن التعبير هنا لا يراد منه الطعن في النسب وطهارة المولد، فهذا شرف وُهب لكل موال، لا يسلب منه إلا بالانقلاب والنكوص، إنما هو تعبير يرمي إلى الرجولة والفحولة، ويتحدَّى أن يخلو”البطل المزعوم”من لين ورخاوة.
الحقيقة إن أي طالب علم مهما تواضع سطح تحصيله، بل كل عاقل متزن، يحسن الفهم ويجيد تلقي الأُمور، خال من العُقَد، بعيد من الأغراض والأمراض.. سوف يميز بين مقام البحث العلمي، ومقام الإفتاء والدعوة إلى العمل وترتيب الأثر، فلا الشيخ الوحيد أفتى بنبش قبري الشيخين، ولا أمر بذلك، بل أنا حاضر شخصياً في داره، وهو يرد على مُطالب له بفتوى تجيز الرد على بعض السنة في أطراف إيران بالعنف، بأنَّ عِرض السني وماله ونفسه حرام كحُرمة الشيعي، وقد كرر: إنني أُفتي بهذا. وكذا السيد الخميني رحمه الله، لم يرد من طرحه إثارة فتنة ولا تأجيج صراع ولا إذكاء نار خامدة. وهكذا سائر علمائنا الذين تناولوا الدفاع عن العقيدة وتصدوا لبيان الحقائق في التاريخ، وبسط القول في التولي والتبري، وما يقتضيه ذلك من عرض المطاعن، حتى صُنِّـفت كتب مختصَّة بذلك… لم يرد أيٌّ منهم الفتنة، ولا قصد أحد إثارتها. ومنهم الشهيد الصدر في كتابه ”فدك”، فقد عرض لما تناوله الوحيد مؤخراً وحلَّل في ذلك وفصَّل. لكن يبدو أن القوم لا يؤمنون بالخميني ولا يعترفون بالصدر، اللهم إلا في ما يمضيه علي شريعتي من أفكار، ويوافق سيد قطب من آراء، وفي ما يدر معايشهم ويبسط سلطة أحزابهم. ولعمري لقد اتخذوا القرآن من قبل عضين، يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فالغيب في مدرستهم شأن العوام وعقيدة المتخلفين ومادة للتندر، والمعجزة مقولة العجزة وفكرة الرجعيين وأضحوكة ومهزلة، وإحكام عقد الولاية وإنزال المعصومين مراتبهم التي رتبهم الله فيها غلو وإفراط، وهكذا باقي صفات المتقين، بل العباد المربوبين، فهم يرون أنفسهم ـ من وحي الشيطان ـ أسياداً، بل آلهة وأرباباً!
إنَّ ما صدر من الوحيد هو عطاء البحث العلمي الذي لا يمكنه أن يغفل الحقائق، ولا يسعه أن يتجاوز الأدلة.
كيف خفيت عليهم بديهيات الفهم والإدراك، فأساءوا وتجنوا وافتروا، لست أدري. أتراه الخبث والدهاء؟ فلو صدق منهم الحرص على الوحدة، وحقَّت فيهم الرغبة في منع الفتنة، وأخلصوا في الخوف على دماء الشيعة، لتجاهلوا الأمر وتكتموا عليه ودفنوه في محلِّه، أو لرجعوا إلى قائله لتوضيحه وبيان حقيقته (والغريب الملفت، أن كل الضجة صدرت من”شيعة”! فلم يرصد للمواقع والمرجعيات السنية وقوفاً على الأمر ولا عكوفاً، لأنها تعلم خلفيته، أي الحوار والاحتجاج، وهو ليس في صالحها). لكنهم قوم لا يعرفون الصفو والصدق ولا الشرف والأمانة، نشأوا على اللوث والكدر وتغذوا من العسر والعكر، فلا يطيقون العيش إلا في الفتن، وقد ترعرعوا من الصيد في هذا الأسن، فلا يبالون أن يتشوه المذهب، ولا يكترثون أن يتهدده كيد الأعداء وتربصهم، كل ذلك انتقاماً لوكالة سقطت ومجد موهوم صار موطأ الأقدام، وعزٍّ كاذب ظهر حيناً، فاندثر من فرط الغرور، وزال من طيش ورعونة، ليتراكم عليه الوضر! أو هو من حسد يعيشه كبيرهم الذي يملي لهم ويرشدهم لما يفعلون، لزعامة ما طلبها الشيخ يوماً، ومحبة له قذفها الله في قلوب المؤمنين، ما للقوم فيها نصيب، اللهم إلا في جيوب المتمصلحين، وواهي حلوم السفهاء المغترين!
إنه دين يا هذا، الدين الذي خرجتم عنه وبعتموه بحطام زائل من مال وشهرة ورئاسة، حين أظلم الحقد أرواحكم وأعمى الغي بصائركم فضللت عن سبيل الهدى. الدين الذي تعبثون به وكأنه”طين”، تشكِّلونه كيف ما يطيب لكم، وتصنعون منه تماثيل لأشخاصكم، وأوثاناً تستقطب الرعاع وتستضعفهم، أو كأنه”تين”تلتهمونه وتقتاتون عليه… ليقوم دينكم وينتشر مذهبكم، فيصبح سيد قطب علماً للمؤمنين ويضحي تفسيره مصدراً لمعارف القرآن الكريم، وقد نسب فيه شرب الخمر لأميرالمؤمنين! ويغدو من الطبيعي أن يتساوى في قاموسكم الترنم بالعود واللهو بالمعازف، مع التهجد بالأذكار والتنفل بصلاة الليل! ويمسي الشذوذ وتصير الميوعة موهبة ومفخرة في أوساطكم، لا تتأثَّمون من الوقوع فيها وممارستها، ولا تستنكفون أو تستحون من نسبتها إلى قواد ساحتكم ومديري دفة حركتكم! هكذا حتى يُحكِم التقاطيٌ دعيٌ طرده زنيم حبتري ميثاقه مع الضلال، فيطالب بما يفوق نسبة تراثنا إلى الإسرائيليات، وكأنه سباق يسارع العدَّاء فيه إلى حفر النيران، يحسب أن “تويتر”و”فيس بوك” هي الميدان، وأن الجمع المتابع هو كتاب الحسنات والميزان! وويل لمن كفَّره نمرود!
والحق أني ما كنت أحسب أن الظُلمة التي يعيشون تبلغ بهم هذا الحد من البغض والكراهية لهذه الشيبة المقدسة، وما كنت أظن أن في أداء الشيخ الوحيد دام ظله ما يقطِّع قلوبهم ويفري أكبادهم ويورثهم كل هذا الغل والشحناء؟! وإن كنت ألمس في أدائهم خطوات طائشة وتصرفات رعناء ومواقف موغلة في الخطأ، ترجع وتعود إلى عُقَد مستحكمة، نشأت فيهم من فرط الفشل وتلاحق الهزائم، وما زلت أرى في سلوكهم ضياعاً وتيهاً، من ضآلة الإنتاج مع وفرة الإمكانيات وعظمة القدرات.. ولكن أن يبلغ الأمر هذي الحدود، فهذا من العجيب الغريب، وقد قيل قديما لله در الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله!
لقد لعنهم الشيخ بما افتروا وغيروا الكلم عن مواضعه، وقد رأيت اللعنة نزلت قبل أن يلفظها المقدس بلسانه، ذلك أن محض تصديهم لهذا الأمر ووقوعهم في هذا الأداء هو غضب نزل بهم وعقاب لخبث سرائرهم.. أن يعمد أدعياء الثقافة والتنوير، والوعي والحركية، إلى التهريج، ويقفزوا على الحقائق بهذا الشكل السافر، ويمارسوا لغة إعلامية لا تراها إلا لدى الأطفال، أدخلتهم في خطاب العوام من أوسع الأبواب، وأسراف في ازدراء العقل وابتذال الوعي بهذا الشكل المفتضح… فهذا يعني أن اللعنة قد حلَّت بهم، والسخط قد شملهم.
لا شيء يقتل “الرسالي” ويفشل ”الحركي” ويفضح دعوات الإصلاح، ويزري بحركات التقدمية والتطوير، مثل تخليها عن منطلقاتها وتجاهلها لمرتكزاتها، ومجاراتها العوام في معركة وميدان طالما زعمت أنها تريد انتشالهم وإنقاذهم منه، فإذا بها تسقط في قعره وتتردى في حضيضه!
التعليقات