في بداية انتصار الثورة، ومع أول انتخابات رئاسية في إيران الجمهورية الإسلامية، كانت الأنظار تتجه إلى جملة من المرشحين، وكانت الأحزاب والتيارات والقوى السياسية ودوائر المخابرات تعمل على رفع هذا وترجيح كفته، وخفض ذاك وإسقاطه، ومن هؤلاء كان أبوالحسن بني صدر… وكان يُسأل، في ذلك الخضم والأجواء المحتدمة، عن عزمه في ترشيح نفسه؟ فيجيب بأنه لم يقرر شيئاً بعد. وما زال في هذا، حتى زار الإمام الخميني (وكان حينها في مرحلة العزم على ترك الحكم، وإسناده لعدول المؤمنين، ولا سيما من التكنوقراط غير الحوزويين من أمثال مهدي بازركان)، وقد أعاد الصحفيون عليه السؤال وهو في غرفة الانتظار، فكرر جوابه: لم أقرر بعد. ثم عندما فرغ من لقائه بالخميني، وسئل من جديد وهو في طريق خروجه من البيت، أجاب باسماً: نعم قررت أن أخوض الانتخابات! ما أوحى للناس بأنه استأذن الخميني وحظي بمباركته! هكذا اكتسح بني صدر الآراء وحصد نحو 90% من الأصوات! وعندما سئل السيد الخميني عن الأمر؟ نفاه جملة وتفصيلاً، فأمر الانتخابات لم يطرح في اللقاء ولم يتم التداول فيه بتاتاً! ولكن توضيحات الإسلاميين والثوريين الحقيقيين لم تُجدِ نفعاً في بيان الحيلة التي عمد إليها بني صدر، وحُملت على المنافسة والصراع بين الأجنحة، وها هو الخميني يحسمه لصالح طرف، ويرجِّح كفة على أُخرى!

بتوهُّم تأييد الخميني واحتمال رضاه، صوَّت الناس واقترعوا لصالح بني صدر. هكذا كانت شعبية الخميني عند بداية عهده في الحكم، واستمرت متصاعدة جارفة، حتى أنهى عهده بجنازة سجلت أعظم تشييع في القرن.

لو قارنا هذين الحدثين بآخرين عاشتهما الساحة في عهد السيد الخامنئي: الانتخابات الرئاسية السابقة التي اضطر فيها النظام لتغيير النتائج حتى يُحال دون إعلان فوز ميرحسين الموسوي أو مهدي كروبي، ولجأ إلى قمع دموي وتنكيل بوليسي ليوقف الثورة الخضراء التي اجتاحت البلاد إثر ذلك، والوضع العصيب الذي حمل القائد على البكاء أمام الناس في صلاة الجمعة. ثم الانتخابات الأخيرة التي فاز فيها الشيخ روحاني وسقط السيد رئيسي، مرشح الخامنئي وخياره… لظهر التردي الخطير في شعبية السيد القائد. حتى اضطر مرشحه إبراهيم رئيسي، في معرض استجداء الأصوات وتسوُّل الشعبية، للاستعانة بمطرب سوقي مبتذل (يدعى «تتَلو»)، عسى أن يكسب مُحبِّيه والمعجبين به إلى جانبه، وهو الذي يتولى النظارة على حرم الإمام الرضا عليه السلام، أقدس المقدسات في إيران!

إذا كان “حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر” هو الملاك في القيام بأعباء السلطة، وهو الحافز على النهوض بحمل الحكم، والباعث على تبوُّئ مقام الرئاسة، مقابل “إلقاء حبلها على غاربها” عند خذلان الحاضر وانتفاء الناصر، فإن التكليف اليوم ساقط ولا شك عن السيد القائد، والعبء منصرف عن كاهله بلا ريب. والمراد من “حضور الحاضر” هو الرغبة والطوع، لا الإكراه والقهر، ذلك الحضور الذي ما إن ثبت للخميني افتقاده، حتى أوقف الحرب، وتراجع عن كلام ووعود قطعها قبل أيام من هذه الموافقة! فباع ماء وجهه واشترى رضى ربه، تجرع السم وقبل الصلح مع صدام، لمعطيات شرعية تفرض عليه موقفاً يعارض رأيه ويخالف قناعته وميله!.. هكذا يتحرك رجال الله، بل هكذا يفعل حتى رجال الدولة الشرفاء وأصحاب المبادئ، والوطنيين المخلصين من أمثال سوار الذهب وسليم الحص وإسماعيل فهمي ومحمد رياض، يضحُّون بمواقعهم في السلطة التزاماً بمبادئهم ولصالح قضيتهم.

بعد ثمانية وعشرين عاماً من المحاولة والمزاولة، والسعي والاختبار، والمران والمراس، قُطِعت لتكون تجربة استوفت مداها واستوعبت نطاقها وشملت كلَّ رحابها وأرجائها، وأخذت من فرصتها الكفاية، بل الفائض عن ذلك والزيادة… آن أن يثبت لأربابها ويَـقنعوا ويذعنوا بأن دورهم قد انتهى، وحان أن يفسحوا المجال لغيرهم.

كانت تجربة قاسية عصيبة من جهة، ومكلفة مريرة من جهات.. وقد لحقها العسر وصاحبتها المشقة والعناء من تكالب العالم بأسره عليها، والأيمان المغلَّظة والعهود التي قطعها أعداؤها على أنفسهم أن يجهزوا على الثورة ويقضوا على الدولة. أما المرارة فهي من إخفاق وفشل ذريع لازم كل ما عمد إليه العهد من مشاريع، ونزل بجميع القضايا المركزية والاستراتيجية التي عمل لها وكابد لإنجازها! بدءاً من الوضع الاقتصادي الذي بلغ حضيضاً لم يصله حتى في زمن الحرب، ناهز الانهيار والإفلاس لولا فك الحصار جزئياً والسماح لإيران بالتقاط أنفاس حالت دون الهلاك. وانتهاءً بالمشروع النووي، الذي عجز عن بلوغ هدفه، وهو دخول إيران في معادلة الردع النووي عبر قدرات عسكرية تثني أي طامع وتصرف أي معتد، فقد تمكنت المقاطعة الصارمة واستطاع الحصار القاسي أن يوقف المشروع ويُكره إيران على شروط الغرب، وما يقال عن الاستخدامات السلميَّة لهذا المشروع هو طرفة سمجة وأكذوبة وقحة يتنطَّع بها المحللون والكتَّاب المرتزقة الذين توظفهم الجمهورية الإسلامية وتستخدمهم في معاركها الإعلامية، فأي انتصار في نتيجة سعى إليها الغرب، بل تهالك عليها؟ وكان قد أباحها من قبل للشاه؟! فهو الذي أسس أول مفاعل نووي في إيران، إذ الأغراض السلمية لم تشكل يوماً تلك المعضلة والأزمة، ولا كان الغرب جاداً في معارضتها بهذه الحدة.. ومروراً بالسياسة الداخلية التي تبنَّت الشدة والقسوة والإقصاء، ما لم يوفِّر حتى الشيخ رفسنجاني، مهندس العهد ومدبِّر ولايته، فغلب الاستبداد والانفراد بدل المشاركة والتعددية التي تصقل الرأي وتجمع القوى، وعمد العهد إلى القهر والفظاظة والغلظة، ما دفع الناس لينفضوا من حول القيادة، اللهم إلا الوصوليين والمتسلقين والمتَّجرين بالدين. ثم السياسة الخارجية التي أفضت إلى سقوط ركن ركين في الثورة، هو الوحدة الإسلامية، وانهيار المنطلق والأساس والمحور والشعار الذي صرفت الجمهورية ما صرفت عليه، فإذا بها تستدرج بدهاء، وتؤخذ على حين غرة لتخوض حروباً طائفية بامتياز. أما ثالثة الأثافي والطامة الكبرى فكانت في رهان العهد، في تصدير ثورته ومدِّ نفوذ دولته، سواء في السياسة والعسكر، أو في الفكر والثقافة، على حركة الإخوان المسلمين (في أوساط السنة)، وحزب الدعوة (في الأوساط الشيعية)، وما تخلل ذلك وصاحبه من الدخول في حروب وصراعات فكرية ومعارك فقهية، شكَّلت كارثة روحية وأزمة أخلاقية وفتنة عقائدية (ولا سيما على صعيد عداء الحوزة العلمية ومحاربة الشعائر الحسينية)، ناهيك بالمعضلة السياسية، فقد ظهر أن الإخوان والدعوة هما خيار غربي، بل صنيعة إنكليزية أُعدت لمثل هذا اليوم وادخرت لهذا الدور، فصارت أموال إيران وجهودها وإمكانياتها تصب وتلتقي مع أهداف أمريكا وأغراضها!

لا يختلف إثنان في ثراء سيرة الخامنئي السياسية وعمق تجاربه الحركية والنضالية، ولا في قدرته الفائقة على السيطرة والهيمنة، وتميزه البيِّن وعقليته الفذَّة في الإدارة والقيادة، وإن طاله الطعن في صدق النية وناله التشكيك في الإخلاص والنزاهة، فهذا لا يعدو مناورة من خصومه وسعياً كثيراً ما تجده بين المتنافسين، فالإنصاف أن السيد القائد يتمتع منذ توليه القيادة بانضباط سلوكي مشهود على صعيد الالتزام بالعبادات والأحكام الشرعية، ولم يسجل عليه تسيُّب وانحلال، كما لم يوثَّق فساد وإثراء على حساب المال العام، وكل ما يقال عن أبنائه، لا يعدو إشاعات وتهماً لا دليل عليها، وتبقى الآفات الروحية الخفية، والعُقد النفسية المستحكمة، فمن منَّا نجا منها حتى ندين بها ونسجِّلها على غيرنا؟…

لكن الأمر في “الولاية” وقيادة الشيعة وتزعُّم الطائفة المحقة وترؤس الفرقة الناجية، ليس هذا فحسب… فالمطلوب مرتبة أرقى في التقوى والنزاهة، وحظٌّ أوفر في العلم والحكمة، ودرجة أعلى وحصة أكبر في حُسن الخلق ورحابة الصدر، والأهم الأخطر: لا بد من فقاهة حقيقية، ورتبة متقدمة متفوقة، بل عليا في الاجتهاد، تحقق النيابة عن المولى، وتتيح الاتصال بـ”قناة الفيض”.. فالظاهر أن الرجل وأتباعه بذلوا قصارى جهدهم، وجاهدوا ما استطاعوا، وكافحوا ما وسعهم الكفاح، ولكن بلا طائل ولا مردود ودون جدوى، بينما “غيرهم” ممن لا يملك عُشر معشار قدراتهم ولا يتمتع بـ ١٪‏ من إمكانياتهم السياسية والمخابراتية والمالية والإعلامية، تراه يحقق أضعاف الإنجازات، ويمضي قدماً في الانتصارات، وكأن يد المولى ورعايته تكلؤه، والمدد الإلهي يغيثه وينجده.

هناك شريحة عريضة من الشيعة ترجو أن تخاطب السيد القائد فلا تحسن ولا تجيد، وتريد أن تنصحه فتخشى أن يغضب ولا يطيق، وتطمح أن تقوِّمه وتهدي إليه أخطاءه وعيوبه فلا سبيل أمامها ولا طريق، حتى أني تداولت مرة مع أحد وكلائه في انحراف بيِّن وخطأ فادح وقع فيه، فأقرني ووافقني، فلما طالبته بإبلاغه ونصحه، وتنبيهه لإخراجه من غفلته، اعتذر بأن هذا يساوي هلاكه ويعني نهايته، وأنه ما انفك في التعامل معه في حيرة بين سطوة السلاطين وعزَّة الملوك، وبين دعاوى الفقاهة وفضاء المرجعية!.. بلسان هؤلاء أتوجَّه إلى سماحة السيد القائد بهذا الخطاب، وكلي أمل ورجاء:

سيدنا الجليل… احثُ في وجه المداحين التراب، لا تصدق بطانة السوء التي تطوِّقك، وتقارير الحاشية التي تحاصرك.. ودليل صواب هذه النصيحة وصحة هذا القول، واضح جلي، فهي التي قادتك ـ بلثم الأنامل، بل الأقدام ـ إلى هذا التردي وشارفت بك الانهيار، أو قدتها أنت، فسايرَتْك ومالأتك ولم تُخلصك النصح، حسَّنت مواقفك وأطرت أفعالك وبخبخت لك، مدحت وأشادت، ونوَّهت وأثنت، فصدَّقت وخُدعت، ما انتهى بك إلى هذا الإخفاق! كما عليك أن لا تصدق هواجسك وما تحدثك به نفسك، من أنك الأعلم الأفضل، والأورع الأتقى، والأذكى الأوعى، وأن تنحِّيك سيورث الوضع انهياراً، وسيضيع الثورة ويبدد دماء الشهداء! وكأنك إذا رحلت وتركت منصبك سوف تسيخ الأرض بأهلها!… كلا يا سيدنا الجليل، ففي الأمة الخير الكثير، وفي رجالات الشيعة من يفوقك فضلاً وعلماً وورعاً وتقوى، وحصافة ونباهة، وحكمة وبراعة، والأهم من ذلك كله: قرباً من المولى، المالك الأصلي للبلاد، والولي الحقيقي للعباد.

تعال لتسجِّل رقماً وسابقة في التاريخ، ونموذجاً في الانتقال السلمي للسلطة، والتداول المسؤول المتشرِّع المتخلِّق المترفِّع، الذي ينظر إلى الملك والسلطة كعبء وابتلاء وامتحان… إن الأمة ترجو وتتمنى أن يتجسد على يديك، ويرتسم بفعلك وأدائك، مشهد رباني متألق يعكس عفَّة علماء الشيعة، وترفُّعهم عن الدنيا وحطامها، وانفكاكهم من أسرها، وموقف يثبت أنكم لا تريدون من الرئاسة إلا وجه الله وإقامة حدوده، وأنه لما بان بالتجربة عجزكم، وانكشف بالحس والوجدان مع الدليل والبرهان عدم مقدرتكم، ها أنتم تعزفون عنها وتأخرون أنفسكم وتفسحون لغيركم.

إذا كانت قدرات وكفاية العارف الكامل والفقية العامل آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني مد ظله غير منكشفة لكم بعد، وكانت جلبة العوام وأصوات الغوغاء الناعقة بمقولة المرجعية الصامتة والقاعدة، مقابل السياسية الناطقة، غالبة وقاهرة، تحول دون تقدم الفاضل على المفضول… فهذا السيد السيستاني ببابك، عالم خبير حاذق، وفقه ضليع محنّك، زعيم لوذعي، وحكيم ألمعي، أثبت استحقاقه وكفايته في ميدان الفعل والعمل، دون التبجُّح بالقول والزهو بالادعاء، وقهر الأعداء بإدارة وإرادة وتدبير وقيادة حيِّرت العالم وأذهلته، وأنزلت بسادة التكفير وقادة الإرهاب لوثة عقلية، خلَّفتهم حيارى يتخبَّطون، لا يدرون ماذا يصنعون! ففي الوقت الذي أنهى فيه أعظم مؤامرة على العراق والتشيُّع في هذا العصر بفتواه التاريخية بالجهاد، كان قد أمسك من قبل وتحفَّظ، حتى حفظ المؤمنين عن هدر دمائهم في معارك لا طائل منها، وجبهات وهمية تستنزفهم، تسخِّر الشيعة ورقة على مائدة قمار، تلعب بها القوى الإقليمية والدولية، باسم مقاومة الاحتلال تارة، وقضايا الأمة العربية أخرى!

شخصياً أقدِّر، وأكاد أعلم وأجزم، أن السيد السيستاني لن يرضى بها ولن يقبلها.. لكنه مسعى ومحاولة، لعلَّ “قناة الفيض” تتَّصل، والرحمة “الرحيمية” تتنزل، فتحلّ البركة ويعمّ الخير، ويتوقف الانحدار في “سفالٍ” حذَّر رسولُ الله صلى الله عليه وآله من ذهاب أمر الأمة فيه، إن هي قدمت وولَّت رجلاً وفيها أعلم منه.

Posted in

9 ردود على “أما آن لهذا الفارس أن يترجَّل؟”

  1. أحمد

    الله يحفظكم استاذ
    صحيح أن الأعلم شيء يبحث عنه الإنسان بالفطرة كما عندنا في دراسة الطب فنحن نجد محاضرات بعض الأساتذة الأطباء الحاذقين تمتلئ قاعة الدرس بالطلاب في الناحية النظرية ويكون تنافس شديد ليكونوا ضمن المجموعة التي يشرف ذلك الطبيب الحاذق على تدريبهم العملي في المستشفى

    فقط استاذ سألتك عن كتاب الأربعين حديث للسيد الخميني رحمه الله ، هل تنصحني بحفظ نصوص الأحاديث الأربعين لأني قرأت عن بعض العلماء أن حفظ أربعين حديثا من أهل بيت النبوة عليهم السلام له أثر تربوي وبركات كثيرة أو هل تنصحني بكتاب آخر
    جزاكم الله خير الجزاء
    وجعلكم في درعه الحصينة التي يجعل فيها من يريد

    إعجاب

    1. بلا شك ان ذلك من افضل الطاعات، وفقكم الله

      إعجاب

التعليقات