في مثل يوم أمس الرابع من تموز، مات فضل الله، الشخصية الغريبة الغامضة والرمز الملتبَس المريب، ذو الروحية الملوَّثة الموبوءة، بل المسكونة الممسوخة، النرجسي الحالم والأناني المضطرب، المهووس بالمجد واللاهث خلف الشهرة.. ثم المغلوب بالعجز والمحكوم بالإخفاق، ما مكَّن العقَد في روحه وأصَّل الأمراض في نفسه، وحمله على طرق كل باب، والتماس كل وسيلة، وتسوُّل كل مانح واستجداء أي باذل.. كانت قرابته من آل الحكيم (أولاد خالته)، قد أزرت به غيرة وفَرَت كبده حسداً وحسرة، بيت مرجعية ورئاسة، لا دينية روحية فحسب، بل دنيوية أيضاً، فهم زعماء، يفد إليهم أركان الدولة ويقصدهم شيوخ العشائر، بل يتقرب منهم رؤساء الدول وقادة مختلف البلاد. وهو نكرة حقير، تافه ذليل، منزو في السراديب مع رفاق السوء، أو متسكِّع على شاطئ الكوفة يقرأ المجلات المصرية.. حتى غلبته العُقد وتمكَّنت منه وتعمَّقت فيه، فصرعته (وبالمناسبة، هي نفس عقدة مومس الأحساء مع سيد علي وأبناء عمومته في الدمام، وعقدة العسر من سيده الحبتري الذي كان يسخِّره مطية لشهرته وسلَّماً لنجوميته، وعقْدة آخرين من صعاليك الحركة الإسلامية سأتعرض لبنيتهم السايكولوجية لاحقاً إن شاء الله).
هكذا أشعلت المنافسة نفسه وأوغر الحرص صدره وألهبت الكراهية جوانحه، وهيأته مرتعاً خصباً للشيطان، وملعباً رحباً لجنوده، وميداناً فسيحاً لأعوانه، يصولون ويجولون، يغزلون وينسجون، يقطعون ويخيطون، حتى صنعوا الشخصية التي يريدون والمثال الذي يرغبون! ولا سيما أن بواعث الحسد وأجواء المنافسة تلك قد حاصرته أينما توجَّه، وتلقته حيثما انصرف.. كان يرى السيد الصدر يأخذ طريقه، أو قل تأخذه الأقدار في طريق المجد والشهرة، وتتقدم به على الرغم من حداثة سنه وصغر عمره، والرجل ما يزال قابعاً في حضيضه، رهين نطاقات ضيقة وآفاق محدودة محصورة. لم يكن حزب الدعوة يجاري طموحه ولا يبلغ ما يشبع غروره، واتضح أن التعويل عليه استثمار بعيد المدى وطويل الأمد، وهو في عجلة من أمره، تحدوه خفَّة وتستنهضه سرعة، مندفع لا يطيق التريُّث، ومتهالك لا يتحمل التؤدة، لذا ترك الحوزة سريعاً وعاد إلى بلاده، جوهرة الشرق الأوسط في ذلك الحين، ومنطلق المشروع الغربي، ورأس الجسر الذي سينقل إلى العالم العربي التعس المغلوب كل ما في ذلك العالم من إلحاد ولا دينية، وانحطاط وتسيُّب وإباحية، بغطاء التطور والمدنية، والعصرنة والحرية، والحداثة والتعددية… عرض فضل الله نفسه كخيار يحقق أهدافهم، واقترح أن يكون رجلهم الذي يؤمن مصالحهم، وأخذ في الانفتاح بكل اندفاع، وراح في تسويق نفسه ببذل ما يريدون، وتقديم التنازلات بكرم وجود، ومنح ”الخصومات” بلا حدود، وتوفير العروض بلا شروط ولا قيود…
من هنا وقع الخيار وتحققت الموافقة عليه، ودخل الرجل في “المنظومة” والتحق بالمحفل… ولكن هذا لم يكن ـ وحده ـ السر في شدَّة العناية التي تلقاها وحجم الدعم الذي حظي به فضل الله، ولا الوجه في سرعة صعود سهمه، والعجلة في تكريسه وتألق نجمه.. بل كان لظهور الخمينية، وتأجج الظاهرة الثورية، وتصدُّر الحركة الشيعية المشهد وتقدمها في الساحة الإسلامية، بل العالمية، دوره الذي أذكى حرص القوم على صنع بديل واتخاذ عميل، وزرع عامل الاضطراب وغرس عنصر القلق الذي سيمزق تلك الجبهة، حين يخلق في الطائفة مذهباً جديداً ويطرح بدعة محدثة، على غرار الخطة المرسومة والحركة المخابراتية التي أخرجت البهائية، ولكن بأداء يتلافى أخطاءها ويستدرك أسباب فشلها، وبفكر يعاكس أُطروحتها، من الإغراق في الروحانية الغيبية إلى المبالغة في المادية الحسية… ما يقطع الطريق على أي تكرار للمشهد الحاضر من العصيان الشيعي والتمرُّد الثوري، بعد أن تتكفَّل الحرب الصدامية بإنهاء الظاهرة وإسقاط الفكرة آنياً.
هكذا بدأ نجم فضل الله بالصعود!… من نشاط خيري إنساني، إلى اجتماعي سياسي، إلى ديني عقائدي، فمرجعي قيادي.
وكان لا بد له من الهدم قبل البناء، بل كان يكفيه الهدم.. ومعه بدأ دوره الفتنوي وأداؤه التأزيمي الذي ما زال محور الصراع في البيت الشيعي منذ ربع قرن ونيف، تمكن خلالها من تصدُّر المشهد في افتعال الجبهات واختراع الخلافات، وقيادة الساحة إلى اصطفافات أورثت الشقاق والنزاع، بلغت في بعض الحالات الخوض في الدماء، وانتهت في كثير من مواقعها مصداقاً لـ: “فتفشلوا وتذهب ريحكم”… هذه باختصار شديد سيرة الرجل وترجمة “العلَّة” في الكارثة التي ألمت بالمذهب والبلاء الذي حلَّ به، وما زال يعصف بالساحة منذ كان يطلق عليه “محمد حسين تفاحة”.
بالأمس هلك رأس الفتنة، وقُبِر السبب في سلسلة مصائب حلَّت بساحة علماء الدين والحوزات العلمية ورجالات الطائفة.. وإن عمَّت بموته المؤمنين الفرحة، وغمر الموالين السرور، وتباشروا بخلاص الطائفة من أحد أئمة الضلال وأركان الغواية، الذي عاث في المذهب ما شاء له الشيطان فساداً، وأسس للزيغ واللبس منهاجاً، وحقَّق للشك والجهل فتحاً، صار يعود عليه توسعاً وخراجاً.. إلا أن ذلك لم ينه فصول قضية كبيرة تقف خلفها الماسونية، ولا يمكن أن تطوي صفحة نشرها الشيطان وأسس لها وراهن عليها بخبرة وحرفية.
وهنا حق أن نقف وقفة، ونحن نشهد استمرار ذلك النهج عبر خطوات مدروسة وأدوات منتخبة ووسائل مختارة، وأساليب غاية في التعقيد، تنم عن كيد ودعم شيطاني غير محدود، وسعي وإصرار ماسوني غريب مريب، أبرزها، أو محاورها: تمييع مفهوم التقليد، ونقله من جواز البقاء على الميت إلى الابتداء به، ما يعالج إشكالية في العمل وأساساً في البناء، ثم إطلاق الفروع لذلك الأصل الفاسد والتشعُّبات والارتدادات لذلك الانفجار الجرثومي الخبيث، عبر قناة فضائية، ونماذج من أضراب الحبتري وخاسر عورة ومومس الأحساء وعسر الميثاق وغيرهم، ما عمَّم الغطاء ووسَّع النطاق، بما تجاوز حاجز الحيطة والحذر، وأزال قبح الباطل وغيّب استهجان المنكر، فصار القوم يجاهرون بضلالاتهم ويفاخرون بانحرافاتهم ويزهون باصطفافاتهم، وقد كانوا حتى الأمس القريب يمضون أذلة خاسئين، أو ثعالب مخادعين وضباعاً مراوغين!
وبعد، فإن من أخطر محاور الكيد والخداع وأكثرها خبثاً وشيطنة، إقحام الشيرازية في المعركة وإدخالهم ورقة مبتذلة في الصراع… والشيرازية في الحقيقة مدرسة التقاطية موازية لتيار الحداثة وتكاد تكون صورة مكررة أو نسخة عن أي نموذج فيه، تلتقي معه في الكُنه والجوهر وتوافقه في أصوله وأسسه، ولا سيما في أصلَيْ: مصادرة المرجعية وتزييفها وتشويهها، ثم العمل بالنهج السياسي، و”البراغماتية” التي لا تتقيد بشريعة ولا تُبقي على قيمة. ولا تختلف معه إلا في التكتيكات وأدوات الحركة ووسائلها، وهي من المتغيرات لا الثوابت عند الجماعتين، بل كل الجماعات الالتقاطية المنحرفة، فلا فقه لازم ولا مبدأ ملزِم. فما يظهر من نهج وحدوي إسلامي عام هنا، قد ينقلب إلى ولائي مذهبي إذا اقتضى الظرف وتطلَّبت المعركة. وفي المقابل لا تستبعد أن ترى النهج الولائي الطائفي هناك، ينسلخ عن سمته ويتخلى عن تكتيكه الشعائري الحسيني، وينهض بحملة للتبرع بالدم في ذكرى سيد الشهداء، وقد بدأ بميلاده تمهيداً لعاشوراء استشهاده، كما يتخلى في سبيل مقولة الحب والحياة والسلم والوئام واللاعنف في الإسلام عن حقيقة البراءة ونطاقها العملي، ويتنكر لما ينتظر أعداء الله من تنكيل وانتقام، في رجعة المهدي وقيامه عليه السلام. بل قد يفرز التيار الشيرازي ويفصل جناحاً كاملاً (المدرسي)، يخصصه للمجاهرة بالمقولات الانحرافية الانحلالية، والمناداة بنفس الآراء التي يقدمونها ذرائع للطعن في جبهات أخرى! وليس من صدفة أو فراغ أن لا تجد في التيار الشيرازي (قاعدة وقيادات) ولا تسمع منه كلمة طعن واحدة في فضل الله، ولا في ضال مضل آخر، حتى الفراخ التي فقست عن بيوض الضلال، وترعرعت في عشه كالعورة والحبتري والكاتب، تراهم يتعايشون معهم في وئام، وفي أحسن الأحوال يقفون على الحياد، وكأن جرائم هؤلاء لم تمس مقدسات الشيعة، ولا تعرضت شيطنتهم لحرمات المذهب، ما داموا لم يقربوا من آل الشيرازي الكرام، فتكون الطامة وتقوم القيامة ويشتعل الفتيل الذي يحرق كل قيمة وحكم شرعي وخلُق!
في ذكرى انثلام وعاء الضلال وإهراق مائه وذهاب مادته، وهلاك رأس الفتنة ومنبت قرن الشيطان، نعيش حالات ونشهد صوراً تبدو في غاية الشذوذ والجنوح، يظهر فسادها وبطلانها بجلاء ووضوح، ما يورث بعض النفوس الدهشة ويبعث فيها الاستغراب والحيرة… فالقوم ما انفكوا يطفرون حول قبره ويطوفون بحفرته، يعظِّمون جيفة منتنة، ويوقِّرون رمَّة بالية، وما زالوا يتشدقون بترهات بان سخفها وانكشف عقمها، وسجَّل القاصي والداني وَهْي أدلتها وتداعي حججها، وقد تجاوزها زمن الحداثيين أنفسهم، وتخطتها مرحلتهم، وغدوا بحاجة إلى رمز جديد يعظِّمونه، ونصب آخر يلوذون به ويعبدونه!
لقد تمت الحجة وأقيمت البينة، التي قد يقال إنها كانت غائبة أو لم تكن بهذا الجلاء والوضوح في بداية الفتنة، وأُشبعت شبهات الرجل بحثاً، وقُتلت نقضاً ودحضاً، ما أجهز عليها وأنهى كل بريق زائف يتراءى فيها، وما عاد الظماء يلاحقون سرابها، وقد كدرت وزال كلُّ زلال موهوم فيها، استخف العطاشى يوماً، وفرغت فانكشف خواؤها، فنبذها جياع كانوا يؤمونها طوراً ويقتاتون من طعامها حيناً… فكيف يعود أربابها لتكرارها ثانية ويعيدون تسويقها ثالثة؟ كأبقار تجتر، أو أباعر تعيد ما أودعت أجوافها، فلم تهضمه أو تتقبله وتمتصُّه حتى أمعاؤها، ها هي تعيده إلى أفواهها لتمضغه ثانية وتلوكه ثالثة، أو لتستفرغه قيئاً تتقزز منه وتعف عنه حتى الحيوانات الضارية والسباع المتوحشة، فيتناوله حداثيٌّ إباحي متهتك، يدعي التعقُّل ويتأنَّق بالتمدن؟! ولو سئل عاقل عن عجائب الزمان وغرائب سلوك الإنسان، لما تعدى ظاهرة تمجيد هذا التافه، وبقاء الالتفاف حول راية الضلال هذه، واستمرار القوم في كيل آيات التعظيم والتفخيم، ومزاعم القداسة والطوباوية التي يُرفع إليها، فيجهدون أن تلصق بعضها ويلحقه جزء منها، بلا جدوى!
لكنّ المراقب الضليع والخبير الحصيف لو تدبر في هذه المشاهد ودرس الحالة، فأعادها إلى سياقها التاريخي، وقرأها امتداداً لحركة عبادة الشيطان وتكريس الإضلال والإغواء، لوجدها سنة تاريخية وسيرة طبيعية في حركة المجتمعات البشرية، وجولات الفكر الإنساني في أطوار التخلُّف ومراحل الانحطاط…
ويمكن تقسيم أتباع الهالك وتصنيفهم في ثلاث جماعات وتوزيعهم على ثلاث فئات:
هناك عابثون خليعون، وماجنون متهتكون، يتخذون الدين لعباً والالتزام لهواً، يبحثون عن الرُخَص، ويلاحقون المعاذير والفرَص، يضطرهم المجتمع ويقهرهم المحيط وتحرجهم البيئة، أو يضغط عليهم الضمير والنفس اللوامة، فيأتون إلى رحاب الدين كرهاً ويدخلون عالم الالتزام رغماً.. هؤلاء يحتالون على كل حجة، ويقلبون كل دليل وبيِّنة، ويلوون عنق الحقيقة، ويلتفُّون على الواقع، حتى تنسجم أحكام الدين مع أهوائهم وتوافق رغباتهم، ولا تتعارض الشريعة مع شيء من ملذاتهم، أو تحد من شهواتهم، ويغدو الدين عندهم صورة وشكلاً، وأمراً عابراً، يقبع بعيداً، في هامش الحياة، فإذا ألح بحضوره وغلب بفرض نفسه، وجدوا في فقه فضلة الشيطان وعقائده ما يسلك بهم كل دروب الدنيا، ويأخذهم إلى أقصى ما يرجو أحدهم ويتمنى، بلا كلفة ولا مؤونة، ولا عناء أو مشقة، ممهوراً بمهر: “الإسلام دين يسر”!
وبعد، فإنك تجد في أتباع هذا التيار حمقى وأغبياء، استغفلتهم العناوين البراقة للحداثة والعصرنة، وأغرتهم دعاوى الإسلام الحركي، ومقولات المرونة والتطور.. وما إلى ذلك من عبارات رنانة تورث أحدهم الحيرة، فيحسبها من العمق وبُعد الغور، ما يقصر فهمه عن بلوغه، ومستواه العلمي والثقافي عن إدراكه!
ولكن الغالبية العظمى التي تتجاوز 95% من عابدي الوثن ومعظِّمي هذا الصنم، هم من المتكسِّبين المتجرين… إنهم في الحقيقة يعظمون أنفسهم، ويهتفون بأشخاصهم، فالعائد من كلِّ تبجيل لذلك الهالك يصبُّ في جيوبهم، وريع كلِّ تفخيم وتعظيم يضخم أرصدتهم، فالمجرم المقبور في سقر، رهين سموم وحميم، وظل من يحموم، لا بارد ولا معين… والقوم هنا يتنعمون بأموال احتطبها، صارت وقوداً لحفرة النيران التي يتقلب فيها الآن، وأجذالاً تذكيها وتسعرها، وحصباً يأججها كلما خبت وهمدت.
إنها رسالة “أصنام التمر” التي يعمد إلى صنعها أقوام، لا إيماناً بها ولا حباً فيها أو تعظيماً لها، بقدر ما هي رافد يمدهم بالمال، وطريق يأخذهم إلى الجاه والسلطة، وباب يحقق لهم الصيت والشهرة… المفارقة أن عبادة الصنم وتعظيم الوثن والطواف حول الأموات، وأخذ الأحكام والأفكار والمواقف الشرعية من الرفاة، صار منهج الحداثيين العصريين، المنادين بنبذ الماضي ومواكبة الزمان! وكذا التعصب والغلو في الأشخاص ورفعهم إلى القداسة والخلود الدنيوي صار عنوان تيار حطم ما استطاع من الدين بحجة التحرر من تراث الأموات.. وعاشت رجعية التقدميين!
التعليقات