لم يباغت أدعياء العلم والفقاهة شيء فيذهلهم، ولم يبهت المراجع المزيفين حدث فيصرعهم، ولم يملأ قلوبهم الغل والحسد ويشحن صدورهم الغيظ والحنق، بعد دهشة فتوى السيستاني وصدمة الاستجابة لها… ألا تحقيق النصر وتحرير الموصل! لقد أفقدهم الاعتراف الشعبي قبل الحكومي والدولي، بدور وفضل المرجع الأعلى وفتواه التاريخية، وشكره والثناء عليه والدعاء له، ومن ثم ترسيخ موقعيته وتكريس قيادته وزعامته، أفقدهم رشدهم وصوابهم، لذا لا عجب أن تراهم يترنحون ويتخبطون، لا يدرون ماذا يصنعون؟ أيقرون ويعترفون؟ فهي نهايتهم! أم يكابرون ويعاندون؟ فهي فضيحة ترسم خاتمة شيطنتهم وتأتي على أمد عبثهم وإفسادهم!..
أُدرك ذلك وأتفهمه جيداً، ولكني لست أدري كيف أصبح يفكر هؤلاء وماذا صار يعتريهم حتى سقطوا في هذه المخازي ووقعوا في مثل هذه الفضائح؟! أين أخذتهم وساوس وتسويلات الشيطان وبلغ بهم الحسد؟ كيف استولى عليهم الجهل والخرق، فحسُن عندهم السفَه وزان الحُمق؟ حتى صدَّق أحدهم نفسه وأقدم على خطوة هتكته فلم تُبقِ، وفعلة أسقطته فلم تذر… هذا السيد الشيرازي، مرجع اللقاءات والصوَر، ينشر لنفسه صورة إلى جانب صورة المرجع الأعلى ويسطر تحتها عبارة يشكر فيها الشعب العراقي على استجابته لـ “فتواهما” بالجهاد، ويهنئه بتحقيق النصر ببركة هذا الامتثال والالتزام! فلحقه الحبتري بقلبه الأسود، الذي لا يطيق ذكر المرجع الأعلى، ولعله يحذر أن يحمل على الاعتراف بمرجعية منقوصة غير تامة بالفلسفة! ويصدر بياناً يهنئ فيه الشعب العراقي بالنصر، وينوِّه بنفسه بأنه أول من أفتى بالجهاد وحكَم به! وقد جاراه في ذلك السيد المدرسي، الذي توقف عن التغريد للنساء أو عليهن لساعات، أصدر فيها بياناً تجاهل فيه هو الآخر مرجع الأُمة، لكنه ”أفتى” جُزِي خيراً بوجوب الإهتمام بعوائل الشهداء، فكان السابق المبادر، فلا يقولن أحد أنه مسبوق أو مقصِّر، ها قد أضنى الرجل نفسه فأفتى، وأتعب يده وأنهكها فكتب!… مهزلة لا يدري المرء على أي فصولها يضحك ويقهقه، ومن أي مواضعها يسخر، وبأي معطياتها يستخف ويهزأ؟!
إنه هوس الظهور والنجومية، وداء الأضواء والشهرة، تفشَّى في عصرنا بفضل أو بلعنة وسائل الإعلام والفضائيات وأدوات التواصل الاجتماعي، وفَّرت للمفلسين في سوق الفضيلة صنعة، وأتاحت للحوانيت الفارغة من العلم والإخلاص سلعة، وهيأت للمتاجر الخاوية بعد الدين من الحياء بضاعة. الحياء الذي ما زال في بوار وركود وكساد، جعل كل هذا وذاك يهون أمام ما يطالعنا به “العلامة المربي”… الذي يظهر ويحضر في الفضائيات وفي “اليوتيوب” و”الفيس بوك” و”تويتر” و”الانستغرام”، وفي موقع “السراج”، وعلى رفوف المكتبات، وأرصفة الباعة المتجولين، ثم في لافتات الإعلانات في الشوارع، وآخراً وليس أخيراً، على أعمدة إنارة الطرقات! والبشرى أنني فتحت الثلاجة اليوم فلم تظهر علي صورة “مربي الأجيال”، وكنت أبحث عن مربى الجزر!
بالله ما هذا الهراء والإسفاف؟ هل أُعدمت الأمة الفحول والأبطال، ونزل بها الجدب والشظف وقحط الرجال، حتى صار هذا الشيخ نجماً وغدى رمزاً تنتشر في شوارع مدن العتبات المقدسة لافتات “جواهره”؟ بعد أن كانت تضيء بأنوار كلام أئمة الهدى عليهم الصلاة والسلام؟ ولست أدري، وأنا أعرف فيه بصيص فهم وعلم ودين، وبعض وقار واتزان، كيف صدَّق هو نفسه، وسمح ورضي أن يعلو ويرتفع ليتبوَّأ هذا الموقع ويغدو “ملهم” الأمة ومنارها؟ هل صدَّق حقاً أن المعرفة اختمرت فيه وتعتَّقت فانصبَّت حكمة تُنافس أحاديث آل محمد؟ أو أنَّ الأفكار اعتُصرت وضُغطت في قصار أقوال غدت جواهر تتلألأ، خفتت أمامها أنوار تعاليم الأئمة الأطهار؟ فصدَّق الرجل أنه ينثر حكَماً، ويسطر بقصار أقواله مآثراً، وأن الساحة، ولا سيما النشْأ، عطاشى يتحرَّقون لسابق إرشادات “لقمان” العصر، كما يتشوَّقون لجديد إبداعات “نائب الخضر”؟! وأن الأجيال تتطلَّع للاقتداء بسيرته والتأسي بطريقته، كما تتلهف لإطلالته والتمتع بجمال مرآه وحسن طلعته؟ أليس في بطانته من يُخلص له النصح ويردعه عن هذا التهور والطيش؟
وفقاً للموازين العلمية ومعايير تقييم العلماء وضوابط تصنيفهم، الرجل في الطبقة الرابعة أو الخامسة، إن عددنا الأولى للفقهاء والمراجع العظام، والثانية لأساتذة السطوح العليا، والثالثة للفضلاء المحصلين، والباحثين المحققين، وهو بذلك واحد من آلاف، لا يتفوق بعلم يستأثر به، ولا يتقدَّم بتقى وورع يميزه، لا عبقرية هنا ولا نبوغ، اللهم إلا الإمكانيات المالية ودعم السلطات والحكومات الذي يستمده بمكر ودهاء، ويحظى به أحياناً من قوى تشكِّل أضداداً متنازعة، وأحزاباً وقوىً متصارعة! ناهيك بتجار وأثرياء يخرقهم بخازوق “جواهره” الفارغة ويجذبهم ببريق مجوهراته المطلية الزائفة، ويمعن في إغراقهم في الجهالة، ويحرص على إبقائهم بعيداً عن ومضات البصيرة والهداية، لتستمر منه الغواية ومنهم البذل والعطاء بلا نهاية.
من جواهر البحار، إلى جواهر الشيخ بهجت، إلى جواهر الشيخ حبيب.. هذا طريق الاستئكال، ودرب الاتجار، واضح بيِّن، جلي ليس بخفي. فالإلهي لا يدعو إلى نفسه، والرباني لا يروِّج إلا لربه، لا يمحور حول شخصه مريدين، ولا يجمع في ركابه مستغفلين، ولا يحشد تحت رايته مغترين… هكذا “ارتقى” الرجل في سلَّم “المجد” وتدرَّج: لم يكتف بدور إمام جماعة راتب يرعى المصلين في مسجده، يتولى تربيتهم وتعليمهم وتزكيتهم، فقفز إلى “مربٍّ فاضل” يستقطب الجماهير من كل حدب وصوب، لكنه لم يكتفِ ولم يرتوِ، فطفر ليصبح علَماً في الإعلام وصاحب فضائية كبرى تخاطب الملايين، فلم يشبع ولم يقنع… رسمت له لوحات والتقطت صوَر وطبعت ملصوقات ونشرت إعلانات، كلها تسوِّق لشخصه وتلتف حول ذاته وتصبُّ في “الأنا”! تلك المتلونة المتقلبة التي يدعي راعيها الولائيات ثم يحضر في عزاء فضل الله ويشارك في تأبينه! يتمثل عارفاً إلهياً لكنه يلتمس السبيل إلى لقاء الله مباشرة عبر اسمه، لا متوسلاً بالحسين كما يفعل العوام! ويرى أن “علياً يبكي من بُعد السفر ومن قلة الزاد، فكيف بنا نحن” (على طريقة الضال المضل واستظهاره من عبارات دعاء كميل وقوع المولى في المعصية)؟ وفي الخفاء الذي يتعمدون تسريبه إلى السذج البله، ولا سيما النساء، لغطٌ يشغل مريديه حول لقائه المولى، وشبهة سفارة من الناحية المقدسة (وقد واجهني أحدهم في أمر لوحات جواهر الشيخ حبيب فقال: ألا تحتمل أنها بإذن أو بأمر المولى!؟)، ثم أوامر وتوجيهات بالصمت والكتمان، فالساحة لم تنضج لتتقبل هذه الحقيقة، ولم ترقَ لتتحمل هذا الدور بعد، كما وصلت أنت أيها المريد المحظوظ وفعلت!… والمآل المرتقب الذي انتهى به مطاف من سبق، هو طرح مرجعية متميزة، عصرية روحانية، في وجهها نور المكياج وهالة إضاءة الإخراج، ودعوة لنصرة زعامة قادمة طوت مراحلها الأولى وصارت الساحة تطالبها وتدعو إليها، وإلا فالرجل غير طالب ولا راغب! هذا هو المسار والمآل، اللهم إلا أن يردعه النقد ويوقفه التعريض، وتمنعه المواجهة، ويزجره التوبيخ والتقريع، ومن يفعل فهو ينقذ الرجل ويحسن إليه، قبل أن ينقذ الأمة ويدافع عن المذهب ويخدم الطائفة.
الفكرة سهلة والمعادلة بسيطة: هناك سعي لنشر الدين والعقيدة، وحرص على تحقيق الأهداف الإلهية، واجتهاد في تطبيق الشريعة المحمدية، وترويج الأخلاق الإسلامية، وهذه الحركة تقتضي ظهوراً وتستلتزم للعاملين شهرة وتخلق لهم عناوين وتوجد اعتبارات… العلماء الربانيون، والرساليون المخلصون، والعاملون المجاهدون، يسعون أن يوجهوا خطابهم، ويجمعوا الناس حول رموز الدين نفسه، ويسوقوا المؤمنين تجاه عناوينه، فتضمحل أشخاصهم، وتتصاغر شخصياتهم، فيبارك الله في أعمالهم. وهناك من يمحور الحركة ويأخذ الفعل ويسوق النشاط ليدور حول شخصه، يستميت في جذب الناس إليه، ودعوتهم إلى نفسه… إنها “الأنا” التي يوظف أربابها الدين لها، ويستأكلون به في سبيلها، ويتهالكون على الظهور والشهرة، ويتطلَّعون إلى المزيد، حتى ينازعوا أولياء الله مقاماتهم وينافسوا الرموز التي نصبها الله مناراً لعباده وأركاناً في بلاده، ولن يعدموا المسوغات، ولن تخلوا جعبهم من الأعذار والتبريرات.
قد تكون الأفكار المنحرفة مجرد شطحات زلَّ بها الرجل وعثر، لا تشكِّل مسوغاً ولا تبني حجة لمواجهته، ولا تكشف أو تنذر بخطر كامن يحمله وينطوي عليه، ولكنك ستخرج من هذا التلقي الساذج إذا جمعته بتاريخ وسوابق، وحالة عامة معاشة مشهودة من السلبية المفرطة، التي تحمل رسالة نقض وخطاب إدانة لجهود التصدي للضلالات، تقول إنها فتن علينا تجنبها والإعراض عنها، وأن المدَّعى من النهج الروحاني والسلوك العرفاني “يترفع” عن الخوض في هذه الخلافات، وكأنها شخصية أو دنيوية مرفوضة، لا دينية مطلوبة، تشكل جبهات حق إلهية انبرى لها قمم الهرم العلمي للشيعة، وتصدت له نخب العلم والفضيلة! فلا موقف للرجل ولا رأي، لا على نحو الرد والاحتجاج، ولا على نحو المبادرة وتناول الفكرة بمعزل عن الصراع، بما يحصِّن النشأ ويربيه على الولاء. ولو كانت سلبية قاعدٍ لا يبالي بشيء، منزوٍ في داره لا يعنيه التبليغ، أو معقَّد يائس من التأثير والنتيجة.. لهان الخطب وحمل على محمله. لكنها سلبية داعيةٍ من الطراز الأول، خائض في لجج الساحة وأعماقها، مغامر في صميمها وأرجائها.
من التشكيك بمصاب الزهراء ومقامات أهل البيت، إلى التصريح بنسبة كل أحاديث الشيعة (بما فيه الكتب الأربعة) إلى اليهودية والمجوسية، إلى مقولة المذهب القرآني التي تقوض الدين من أساسه وتهدمه من أصله، إلى مساواة مذهب أهل البيت بمذهب أبي حنيفة في الحجية ومعذورية العمل، إلى محاربة الشعائر الحسينية والاستخفاف بها، إلى عد التوسل بالأولياء شركاً، واستنكار تشييد العتبات المقدسة، والزعم أن اللعن والبراءة بدعة صفوية مدسوسة في تراثنا وعقائدنا، والطعن بمراجع الدين العظام ورميهم قاطبة بعدم جامعية الشرائط.. هذه كلها ومعها أضعاف مضاعفة من الضلالات التي تعصف بالساحة، لم تشكِّل للرجل منكراً يجب النهي عنه، ولا باباً للمعروف ينبغي الأمر به، ولا خطراً يقتضي المواجهة، لا بالشدة كما فعل بعض العلماء، ولا باللين كما فعل بعض آخر، بل هو يمر عليها مرور اللئام على الفضائل، والكرام على التوافه والفضلات والنوافل، كمن يخوض في ساحة ملتهبة، ويلج ميداناً كله ألغام وانفجارات وقصف جوي ومدفعي ورصاص وقناصة، فيتجاوزه من أوله إلى آخره دون أن تعلق بثوبه دُخنة أو تلطخه سُخمة، ناهيك بأن يصاب أو يجرح ويكْلم، ثم يزعم أنه مثال نهج الحق وكشف الصدق!.. هذا أخطر ما يفعله الرجل ويمارسه.
لن تسمح الساحة الإيمانية أن يعلو منارها هذه النماذج، رفقاً بأنفسهم، وبالسذج البسطاء الذين يصدقونهم ويتبعونهم، حين يفيقون قريباً من غفوتهم ويستيقظون غداً من نومتهم، فإما أن يكرروا مأساة جماعة من المؤمنين شاء حظهم العاثر وطالعهم التعس أن ينفتحوا على الدين ويتعرفوا على الالتزام من باب الشيرازية وعبرهم، فتناولوا من فاسد طعامهم وآسن شرابهم، فما لبثوا أن انقلبوا علمانيين وارتدوا عن أصل الدين، أقفلت أفهامهم وسكرت أبصارهم من فرط ما رأوا في أجواء هذا التيار من وَهْي وابتذال، وسخف وجهالة وتسفيه للعقول والأفهام، ولا سيما من معمميهم، والقُفة التي يحملها “معاش” على رأسه فعجزت أن تداري مسترسل قُصَّته، ومحاضراته في الجامعات خير مثال… وإما أن يكتب لهم الوعي وتغلبهم البصيرة، فيلعنون شيطاناً غرهم ورسَّخ فيهم الجهل ليخدعهم، سخِّرهم كرة يلعب بها، ودمية من عرائس تتراقص على مسرح مجده، وكيف قدموه على أصالة مبذولة أمامهم ونقاء نشأوا عليه فصرفهم عنه، أغشتهم “جواهر”مزيفة خاوية، وأعماهم ظهور أجوف، وصيت وشهرة لا تُشترى في عالم الحقائق بدانق… إنها ومضة تريد أن تتم الحجة عليهم وتقطع الطريق على أعذارهم من غياب أي صوت منبِّه، وأي مقابل يقطع هذا السيل المسترسل من الإغواء، فليحققوا بأنفسهم وليخلصوا إلى النتائج التي تنتهي إليها أبحاثهم ودراساتهم. ألا هل بلغت، اللهم اشهد.
التعليقات