كثيرة هي القراءات السياسية التي تعرض لحال حزب الله وتنظُر في أدائه، ترصد مواقفه وتتابع خطواته وتلاحق انتصاراته وإخفاقاته، وتجهد في فهمه وإدراك ما يعيشه اليوم بعد نحو ثلاثة عقود ونيف من تأسيسه، كانت وما زالت حافلة بل ملتهبة، احتل فيها الصدارة وموقع المحورية في الساحة اللبنانية، والإقليمية أحياناً.
شخصياً لست ضليعاً في هذا الفن (التحليل السياسي)، وإن أكثرت القراءة ونوَّعت المطالعة، وأطلت المراقبة والمتابعة، وتجربتي السياسية الفاشلة زوتني عن هذه الساحة، ولا تسمح لي بالعودة، لذا لا أراهن على فهمي للأحداث وانتزاعاتي من المواقف، كما أرى جُلَّ المحللين والسياسيين، حتى القادة والمسؤولين في الساحة الشيعية، هم على شاكلتي، إن لم يكونوا أسوأ حالاً مني، لكن قاتل الله الجهل المركب والمكابرة التي تأبى عليهم الاعتراف، فالتوبة والاستغفار، ومن ثم التوقف وعدم الاستمرار! كنت أثق بالسيد الخميني، كعالم رباني، ذي إخلاص وزهد وورع، ووعي وبصيرة، أحسبه مُلهماً أو محدَّثاً من غيب مهيمن، فلما مضى إلى ربه، ما عدت أرى إلا شياطين، أو جهلة سفهاء غلبهم الغرور، يتقلبون في ظلمات، ويخبطون خبط عشواء، ما زالوا يأخذون أتباعهم إلى المهالك ويُلقونهم في المصائب، فلا يكادون يتخلصون من معضلة ويجتازون أزمة ويفرغون من محنة، حتى تنزل بهم أخرى. جل إنجازهم إحكام قبضاتهم على مناصبهم، والاستغراق في وهم عدم استغناء الساحة عنهم.
لذا فإن التحليلات السياسية المتداولة في الإعلام، وحتى في دوائر صنع القرار، هي مجرد تخمينات ورجم بالغيب، جلُّها تعكس ما يشتهي المحلل، وتصوِّر ما يرجو ويتمنى، وبقيتها موجَّهة، تشكِّل نطاقاً ودوراً ومرحلة في الأداء السياسي، تمهد الأرضية، وتمد البساط، أو توقد الموقد وتنصب أثافي القدر الذي تنضج فيه الطبخة، وتعدُّ المائدة، لتؤكل وتلتهم! اللهم إلا ما يدور في النطاق الأضيق، بين قادة القوى العظمى، أو في المحفل الماسوني الأعظم الذي يتحكَّم بالأمر، ويتولاه بالفعل، لا بالشكل والصورة، ويوظف البقية أدوات ويسخِّرهم واجهات! ولا يغير من هذه الحقيقة وجود تحليلات متينة، تقوم على آلية علمية ومهنية، تبدو موضوعية، تبني على أرقام وإحصاءات، وتنتزع من شواهد محسوسة ومعطيات ملموسة، وترتكز على معلومات لا تبذل أو تتوفَّر إلا في دوائر خاصة، وليست في متناول غير”الكبار”… فهذه أيضاً تندرج في سياق الشيطنة التي تستحوذ على كل شيء في عالم السياسة.
لذا لست أدري، أو لست جازماً: هل أصاب الحزب في دخول الحرب في سوريا، أم أنه استُدرج وخُدع؟ هل كان خطر استيلاء التكفيريين على سوريا، ليشكلوا مع إسرائيل كفَّي كماشة تعتصره وتخنقنه ثم تزحف إليه لتجهز عليه، حقيقياً، ليعمل بـ”ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا”؟ أم أن الحزب هو الذي استفزَّهم وأثارهم ودفعهم إلى استهدافه؟ وإلا فهم مجرد مشروع ”عربة نقل”، أو”جرافة” يغلي فيها مرجل الأحقاد، تتقدم بوقود عقائدي يستمد من نُصْب دفين، وقد أعماها التعصُّب واستحوذ عليها الحقد، لتدمِّر وتفجِّر وتنشر الأهوال حيثما مرَّت وبلغت.. سخَّرها الأمريكان لشق الطريق وتمهيدها، فإذا أدركت غايتها، كانت من الإنهاك والإرهاق والتهلهل والانشقاق، ما يسمح بل يوجب أن تُستبدل وتُزاح، ليتسلَّم الأمر علمانيون من صنائعهم وليبراليون على شاكلتهم، لا يعنيهم الشيعة إلا بمقدار تصادم المصالح وتنازع النفوذ والسلطة، فلا تعود الحرب عقائدية ولا المستهدف فيها الهوية؟ ثم هل كانت المصلحة سارية في جميع المقاطع والجبهات، وما زالت تقتضي ضخ مزيد من الدماء وتقديم الشهداء؟ أم كان يكفيه مجرد إعلان موقف مؤيد، داعم ومساند دون أن يلحقه بذل وفعل، كما فعلت حركة أمل وسائر قوى المقاومة في لبنان (البعث، والقومي السوري، والقوميون والناصريون)؟ أليست لعبة قذرة ومكيدة خطرة، استُدرج إليها الحزب وأُقحم فيها، لينوب عن الروس في الحرب، فهم أصحاب المصلحة الحقيقيون في بقاء النظام السوري، واستمرار تواجدهم في المياه الدافئة؟ فكان الأولى أن يرسلوا هم أبناءهم ليقتلوا، ويضحوا بمدخراتهم ومواردهم ويدمروا اقتصادهم، في سبيل الحفاظ على مصالحهم ووجودهم الاستراتيجي، وهذا ما كانوا سيفعلونه إن لم يبادر حزب الله ويملأ الفراغ منذ البداية، كما اضطروا للدخول أخيراً حين عجز الحزب واستنزف في النهاية؟
وهنا قراءة بأنهم كانوا على مقاعد المتفرجين ينتظرون هذه اللحظة لينقضوا على المغانم، ويجنوا ويحصدوا ما نبت من دماء أبنائنا وتضحياتنا؟! وها هم ينزلون بأعداد من الشرطة العسكرية ليطبقوا الخارطة التي توافقوا عليها مع أمريكا وتركيا وإسرائيل، وخلقوا مناطق عازلة، من قبيل الجنوبية المحاذية لإسرائيل، من درعا إلى الجولان، لا يمكن للجندي السوري أن يتواجد فيها بأكثر من سلاحه الفردي! فهل هذه قراءات منطقية معقولة، أم هي متحاملة أو سطحية ساذجة؟
بل هناك من يسأل: هل من الصحيح البناء على استراتيجية الصراع مع إسرائيل، وقد تغيرت معادلته من زوالها إلى مشروع الدولتين؟ وانسلخ المبدأ الديني والمنطلق المقدس وتحول إلا مجرد شعار وورقة ضغط ومناورة؟! في واقع كشف خيانة حماس، وأثبت خطأ دعمها وتدريب كوادرها؟ أم أن تغيير المنطلقات والعودة بها إلى دينية عقائدية تلحظ عداء اليهود المتأصِّل لـ”بني هاشم”، وقد كان أحبارهم ينتظرون النبوة الخاتمة في “بني إسرائيل”، أمر في حكم المستحيل؟ فالواقع السياسي اليوم لا يطيق خطاباً دينياً بهذه الحدود، وقد تنازل الحزب عن ولاية الفقيه في لبنان، نزولاً على التعددية والتنوع الديني والمذهبي، فطوى صفحة “لبنانستان” (كإقليم تابع للجمهورية الإسلامية الإيرانية) إلى الأبد، وصار ينادي بالوطن ويتغنى بالأرزة، وانخرط في مشروع الدولة؟
ثم هل المصلحة هي في الاصطفاف مع النخب السياسية اللبنانية من أحزاب بنيت على ركام الإقطاع، فشكَّلت بدائل مستنسخة له من محدثي النعمة وراكبي الموجة، أو زعامات من بقاياه، من حملة ويلاته ورموز فظائعه، من المعتقين في العمالة للاستعمار والاستكبار؟ مقابل الشعب الفقير المستضعف، المسحوق بالفقر والعوز، المضطر إلى الهجرة وترك الوطن؟ المبتلى بافتقاد أو تردِّي الخدمات الأولية من ماء وكهرباء وتعليم وصحة؟ ضحية النهب والفساد الذي يمارسه ويعيشه هؤلاء؟ أم أن العكس رهان خاسر لا يعمل به عاقل، ونحن في عصر لا موضع فيه للمبدئية، ولا محل للثورية! فلا سبيل أن يقود الحزب حركة شعبية تكتسح وتجرف الطبقة السياسية الفاسدة، وتعيد تأسيس البلاد على قواعد العدالة الاجتماعية وقيم المساواة وضوابط الشفافية، ما سيرحب به المسيحي قبل المسلم والسني قبل الشيعي! فهي معادلة مستحيلة! ولكن ألم يعودنا الحزب على المستحيلات؟
لا أعرف الجواب الحق على هذه الأسئلة، والرأي الصواب في هذه الوقائع والأحداث، ولا أظن أحداً يعرفه، وإن كنت أُرجِّح جانباً على آخر، في نطاق قناعتي الشخصية وتكليفي الخاص، الذي لا أسمح لنفسي أن أعممه ولا أتحمل مسؤولية تطبيقه. ولكن هناك دائماً ـ كما أسلفت ـ من يرجم بالغيب ويغامر ويدَّعي، فيقحم الميدان، يسوق أمامه الرعيان أو يقود خلفه السفهاء والعميان!
وهكذا الحال في الحدث الأخير الذي ظهر في الصفقة التي أبرمها حزب الله مع داعش، وقضت بنقل مئات المقاتلين من جرود لبنان إلى الحدود العراقية السورية. ما اعتبره إخوة الإيمان والجهاد في العراق المنكوب، غدراً، وأدرجوه خيانة وغشاً… هل هو كما يصفون ويتلقون؟ وأن الحق كان أن يخوض الحزب مع الجيش اللبناني معركة تقضي على هذه الكتيبة المحاصرة، وتبيد الشرذمة اليائسة البائسة، وتدفنهم حيث هم، بدل نقلهم لمواجهة العراقيين؟ ثم هل كان الصراخ والتباكي عند محاصرة قافلتهم من قبل الأمريكان أمراً ضرورياً؟ وقد خرجوا من عهدة الحزب وشرف الالتزام بعهده (وفي حكَم نهج البلاغة عن أميرالمؤمنين عليه السلام: الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله، والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله!)؟ لست أدري، ولا أنا في وارد الحكم على أمر أفتقد كامل معطياته، وتقييم أداء ملتهب بالنار والدماء، والعرق والعلق، وأنا حلس داري، لا أعرف غير مسجدي وحسينيتي ومكتبتي!
ولكني ـ في المقابل ـ أعرف شيئاً آخر، يمكنني بسط القول فيه والتمسك به، وسوق ما شاء الله من الأدلة عليه، وأنه العلة التي قدحت والشرارة التي أشعلت، وتسببت في ترتيب سلسلة العلل وتواليها، ما أفضى إلى تدهور شعبية الحزب، وتلاحق البلاءات والمحن عليه، وهو سرُّ حلول النكبات التي”قلبت” القلوب وصرفتها عن حب قائده… أعرف القواصم التي تعرض لها الحزب، ولا عاصم ينجيه ولا كهف يأويه! وأعرف النقمة الإلهية وتحقق الوعيد القرآني الخطير: “فذرني ومن يكذب بهذا الحديث، سنستدرجهم من حيث لا يعلمون، وأُملي لهم إن كيدي متين”.
لقد فرَّط حزب الله في أقدس المقدسات، وقطع الحبل الذي يوصله بولي الله الأعظم، وتخلَّى عن السبب المتصل بين الأرض والسماء، وركَن إلى عدته وعديده، وراهن على قوته وصواريخه… وهنا وقع في الخطأ الأكبر في مسيرته، والخطيئة القاتلة في تاريخه.
إن حرمة الزهراء عليها السلام وظلامتها أعظم ـ بما لا يقاس ـ من حرمة الربا مثلاً، فكيف لا يأذن من هتكها واستخف بها بحرب من الله ورسوله؟.. عندما يفتي مراجع الشيعة العظام، وتحكم الحوزة العلمية بقمم أساتذتها وأعلامها، بضلال فضل الله، وتموج الجماهير المؤمنة غيرةً على سيدة نساء العالمين، تضطرم غضباً وسخطاً على هتك حرمتها، وتتحرق لهفة للانتقام من المستخف بها، ثم يتجاهل حزب الله كلَّ هذا ويتلقاه بتعالٍ وازدراء، وكأن لا أحد هنا غيره ودولته، فلا خطب في قاموسه إلا لحمٓلة السلاح، ولا شان إلا لأرباب الحُكم والسلطة، ولا قيمة إلا لقوارين المال، ولا مراقبة إلا لإمبراطوريات الإعلام… والأمة في تقييمه، وربما في واقعها، مستضعفة مغلوبة على أمرها، وجماهيرها مثل حوزتها ومرجعيتها، فبمن يعبأ ولمن يكترث؟! هكذا أصدر الحزب بيانه المشؤوم في هلاك الضال المضل، ثم لم يكتف حتى أعاد تمجيده ـ بلا داعٍ ولا مقتضٍ ـ في احتفال بنت جبيل، في ذكرى حرب تشرين، غير مراقب ولا متأثّم، لا حذر ولا خائف، أن تطرقه صاعقة تقصمه… فماذا عساه أن يلقى من المنتقم الجبار، ومن وليه الأعظم، سيفه الذي لا ينبو، غير ما تأذَّن به من الحرب، ودعى إليه من التحدي والبِراز؟! وأدنى ذلك وأقله قطع النصرة والمدد، وأن يوكَّل الحزب إلى نفسه. وأرى أن هذا الإبطاء والإمهال كان مراعاة لحرمة الدماء وخفر ذوي الشهداء، وإلا فالصاعقة ما كانت لتطرق إلا وتبيد، فلا تبقي ولا تذر!
وعندما يتنكَّر الحزب لأصول وثوابت عقيدتنا في عزاء الحسين، وينخرط في معركة دنيئة، وهابية علمانية في أصلها، لمحاربة الشعائر الحسينية (تحت شتى العناوين وبمختلف الذرائع)، فماذا يرجو من صاحب العصر والزمان، وولي الدم، المنتظر للثأر؟.. وهو الراعي الأول لمجالس عزاء جده سيد الشهداء؟ يرعاها بجميع أشكالها وأنماطها، ويوليها العناية بقدر إخلاص أصحابها وعشق روَّادها… غير السخط والغضب؟
أحسِب الحزب أن الشعائر الحسينية أُلعوبة مثل الانتخابات النيابية والتحالفات السياسية؟ أم هي ورقة تلقى على مائدة صفقاته، وتُقدَّم لإثبات حضاريته ومدَنيته وقابليته للانخراط في مشروع الدولة؟ هل فاجعة يهتز لها العرش مذ وقعت، وما زالت صرخة واعيتها تصك سمع الملكوت، تصلح أن تكون مادة لتملق السادة الأرباب، وسلعة لكسب ودهم ورضاهم؟! كيف يلتزم الحزب بحكم جزئي صغير، يتمثل بامتناع رجاله عن وضع ربطة العنق، فيتمسك به ولا يتخلى عنه، ثم لا يمانع أن ينسف ركناً أساساً من أركان التشيع، واسطوانة قام عليها، ومعلماً طالما ميزه؟! والحرب لا تقف عند التطبير ومساعي منعه، بل بالتدخل وتخريب جميع المجالس، حيث تطال أيديهم وتبلغ سلطتهم، هناك سعي لقلبها سياسية تخدم أهدافهم، وحرص لمنع دورها في الرثاء والعزاء!
لم تكن صفقة داعش هي التي قصمت ظهر حزب الله، ولا الأخطاء السياسية المشهودة هي السبب… ما هذه كلها إلا حزمة قشٍّ، أضيفت إلى أثقال سابقة، سوَّل لهم الشيطان حملها، وأضلهم السامري بالركون إليها والعمل بها، وهي قاصمة مهلكة، تنوء بها البشرية جمعاء، ولم يسلم من شؤمها وبلائها كل من تعرض لها وتعاطى بها.. ولعل هذا الإمهال الذي رأينا في مآل الحزب، يعود إلى غفلة الجمهور المأخوذ، وحرمة دماء الشهداء وإخلاص المجاهدين، وإلا فأسباب السخط والغضب قائمة منذ أمد، وحاكمة من لحظة ووقوع الكبيرة والجرأة الخطيرة، “ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون”.
ويبقى الأمل في حالتين والرجاء يلوح من أمرين:
الأول: إعلان السيد حسن نصرالله أن حزب الله يتخذ الشيخ بهجت قدس سره مرشداً روحياً، وهو فقيه جامع ومرجع أصيل وعارف كامل، وما على الحزب الآن إلا أن يستأنس برأيه وينزل على حكمه في قضية الزهراء عليها السلام (وليراجع كتاب «البرهان القاطع» في أجوبة المسائل العقائدية)، وأن يستطلع آفاق الخطْب الفظيع الذي وقع فيه فضل الله، واقتضى أن يذهب الشيخ بهجت في تبجيل السيد جعفر مرتضى فيخاطبه قائلاً: “لو ألقيت عمامتك عن رأسك، فلن تسقط إلى الأرض، لأن الملائكة سترفعها إلى السماء، لنصرتك الزهراء عليها السلام”! وكذا عليه أن يسترشد برأي الشيخ قدس سره في جواز التطبير ونصرته للشعائر الحسينية، ويرتب الأثر في توجيه قاعدته للكف عن الاستغلال والمسخ، فإن عجزوا كان الاستخفاف والاستهزاء الذي لم يرَ المؤمنون نظيره حتى من الملحدين واللادينيين، فصاروا يلقونه من إخوانهم في المذهب والدين، (وإن كان أغلب الناشطين هنا هم من المتسلقين المتَّجرين في حزب الله، لا المجاهدين الحقيقيين، وهي ملحوظة غريبة!)، ولا سيما الزهو والتفاخر بالجهاد، ووصم الموالين بالقعود، وهم يعلمون ما يفعل ليوث الجيش الشعبي، وتبلغهم بطولات وصولات فرسانه وتضحياتهم، وكلهم حسينيون من أصحاب المجالس، ومن المطبرين والمشاية أو الخدام في مواكب الأربعين.
الثاني: الرهان على موقفه الموفَّق في قضية ياسر عودة، حين أشار للمحازبين بالضوء الأخضر وأفسح لهم لردِّ هذا الساقط وردعه، والدفاع عن دينهم ومقدساتهم بما يمليه الواجب الشرعي عليهم.. وما مقولات هذا الخبيث إلا اجترار لآراء فضل الله وتكرار لترهاته. وهذا يكشف عن دين وعقيدة، ويشير إلى غيرة وحمية، يمكن التعويل عليها والانطلاق منها إلى ما يصحح الوضع المأساوي القائم، ويعيد تموضع هذا التيار في المكان الشرعي الصحيح والموقع العقائدي الأصيل، بما يزحزحه عن أسباب السخط ومواضع الغضب، وينجيه من الهلاك الدنيوي قبل الأخروي.
أخي العزيز السيد حسن…
إذا خرج النشاط السياسي لأي حركة شيعية عن المنظومة الشيطانية، وانفصل عن السلطات والأنظمة التي تدير الدنيا الدنية، فاعلم أنه لا يمكن لها تغيير المعادلة الدولية، ولا تعديل الخارطة الإقليمية، ولا حتى إعادة ترسيم تموضع القوى المحلية، دون تدخُّل الناحية المقدسة، فالأمور طراً بيد المولى صلوات الله عليه… ولا يمكن لمستخف بآلام أمه الزهراء، مشكك في مصابها وجاحد لمقامها، أن يكون مرضياً عنده، ويحظى بفرصة الخدمة في رحابه وشرف اللحوق بركابه. ولا لمحارب لعزاء جده، متحايل على مجالسه، مخادع يريد توظيفها لزعامته، من باطل أهوائه أو سقيم أفكاره، لا يمكنه أن يحظى برعايته، ناهيك بخاصة عنايته. لتقُل مراكز الدراسات ما تشاء، ولتركِّب القوى الفاعلة معادلاتها على الأرض بما أُوتيت من قوة، لتقم الدول وتسقط الأنظمة، ولتنتصر الجيوش وتخسر الأحزاب… لن يخالف ذلك كله حرفاً واحداً في مصحف فاطمة، ولن يتجاوز قدراً وإرادة أخلى لها المولى، وكانت في سابق علمه!
مع هلال محرم… أسأل الله أن يرزقك وإيانا بصيرة تتجلى معها الحقائق، فترى الكعبة وقد شقت جيبها، بل تصدَّعت من فجعتها بحبيبها، فإذا أرسلت طرفك إلى السماء رأيت المجرات تستل خيوط انتظامها في أبراجها ومداراتها من عباءة فاطمة، ثم رأيتها صلوات الله عليها، تلقيها من الهول وتندفع نحو مصرع حسينها نادبة صارخة، فتنقلب السماء وتتناثر النجوم، ويتدكدك العرش ويطوى الفرش…
فليتك تأمر الحزب أن يكف عن أذى المؤمنين في دينهم وعقائدهم وشعائرهم، بل يكف عن أذى ولي الله الأعظم، وتدرك أن المكابرة هنا والعناد فيها الشقاء والهلاك، وهذه نذر توقظ، ورسل تتم الحجة، وها هي كفريات تسقط الغدير على الواقع السياسي المريض تترى من معمميكم، وأنا أسجل الفقرة الأخيرة من مقالتي… ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
التعليقات