بزغ الفجر وامتد الشفق، ثم عاد واستدار على نفسه، فتقعَّر أسفله وضاق في قاعه، وانفرج أعلاه واتسع، وصنع قدحاً. وقد استجمعت الشمس أشعتها ولملمت ظفائرها، ثم هوت من برجها مُـساحة مُذابة، وانسكبت في قدح الفجر سُـلافاً سالَت من عصر، صَبوحاً يصل السمَّـار فيها ليلهم بالنهار. صرنا نتعاطى الشمس ونشربها حميّاً! وأنا أرتـشف منها حَبَبَ الكأس وأتمزمز بمرير المذاق، فإذا ارتويت منها، ما اكتفيت، حتى سألتها فأجابتني والتمست فما خذلـتني، فطوَّحت بي ودارت برأسي حتى ناولتني الدواء وسقتني الترياق من يد الطبيب، وأخذتني لأدخل الحضرة وأرى وجه الحبيب.
في تلك الصبـيحة: رأيت الخيزران بعد أن قفَّ وقبَّ وجَفجَفَ وقَفِل، وصلُح لصنع الناي وترجمة الآهات حكايات وأشعاراً، والزفرات والأنات ألحاناً وأسفاراً.. رأيت هشـيم الخيزران قد أزهر، ورأيت الورد تفتَّح على قفيل أعواد القصب! نعم، ساحت الشمس وانصهرت، وغدت صَبُوحاً في القَدَح، ونَضَرَ القَفر، وعلى يابس عود الخيزران، أشرق زَهرٌ وانفتح.
قد أبصرتُ يقيناً وتراءى لي النور، وتلألأ الفجر مشرقاً وضَّاءً، كما الأصداف في الماء الزلال، وجوهرة تتراقص فيها الأضواء وألوان الطيف، فتختطف الأنظار عن الشموع والقناديل، وتبهت السرج والمصابيح.
أفقت عن طيف، كأني رأيت الشمس في منامي تعلو رمحاً!
: الشمس تعلو رمحاً؟
: نعم، هذا ما رأيت، واقعاً لا في الخيال! والسحب تركض من وَجَلٍ وخوف، والنجوم في طيش واضطراب.
كم مهول رؤية الشمس على رأس السنان، ترتل من آي القرآن “أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً”؟
قد ترى الماء يسيل من صماء صيخد عذباً لا أُجاجاً، وترى النبت يـبسق عنها، فتورق وتزهر وتثمر. وقد ترى أرضاً تتزلزل وبركاناً يتفجَّر وإعصاراً يضرب ويهدر ونجماً يهوي وقمراً ينشق وشمساً ترجع. وقد ينفلق البحر فترى كل فرق كالطود العظيم، وتنقلب العصا حية تسعى تلقف ما يأفكون. وترى في الكهف رقوداً من سنين، تحسبهم أيقاظاً يتقلَّبون ذات الشمال واليمين، وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد، فتعجب حتى تولي منهم فراراً وتملأ رعباً… ولكن عزَّ أن ترى الشمس على رأس السنان! لن ترى الشمس ترتل آيات القرآن!
أدرها أيها الساقي وابتدئ بي.. هلمَّ، وتولَّني بمزيد رعايتك، ودَع صحبي وقدِّمني. حنانيك، اسقنيها شَمُولاً تعمُّني بعصفها، وتُقْهني عن غيرها. أأُخي ارفق بي وقدِّمني الساعة.. فالسبق على الموارد والعيون حقٌّ للظماء، والأولى أن يُفسَح للعُطاشى ويُقدَّموا على سواهم. إن صحبي ليسوا في الغرام مثلي ولا هم على حالي، فلا تبالي… إن هؤلاء الندامى يسعهم الصبر ويطيقون الانتظار.
لا تؤخذنَّ بسماحة هذي الوجوه ونضارتها، ولا يغرَّنك لطفها ورقتها، ولا تتوهمن من ملاحتها بطراً أو ترفاً.. إنها وجوه عركتها السنون بمِحَنِها وصقلها الدهر بصروفه وعتَّقتها الأيام بمصائبها. هذه الوجوه السمحاء النضرة التي ترى، طالما تحمَّلت خذلان الأقربين وتعنيف المحبين وجـفوة الأوطان وجَور الأهلين. وطالما قاست من ظِنَّة الشكاكين وسهام المتصيِّدين المتربصين وكيد الحاسدين، ولسع سياط الشامتين والمستهزئين. وجوهٌ طالما اكتوَت بفساد العلماء المتهتكين وعانت من الجهلة المتنسكين، وابتليت بالعوام المتفقهين، والفقهاء من وعاظ الـسلاطين! لقد قُتل هؤلاء الأخلاء السُجَراء مئات المرات بطعنات غدر المجاملين المتملِّقين، وأُخذوا بخِسَّة الوصوليين المتسلِّقين، وتجرَّعوا المرارة حتى الثمالة من كاسات ذل الـقاعدين وجزع الخروعين الرعاديد المرعوبين. لقد ضجروا مما تحمَّلوا وسئموا مما كابدوا… إنما الرقة التي ترى هي من فيض أرواح سَمَت وأنفُس عَظُمَت، فصبغت الوجوه بأنوارها، ومسحت عليها من طبعها، فأزهرت ولَطُفَت وشفَّت ورقَّت. رقة تحكي النُبل لا الترف، ولطف يعود إلى الشرف لا السرف. إنها ملاحة الزهد وصباحة التقى وجمال العفَّة وزهرة الطهر والنجابة.. إنهم يا صاح من “الأوَّلين” و”السابقين السابقين”… إنهم السائحون العابدون، الراكعون الساجدون، الماشون على الأرض هوناً، الآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر… هؤلاء هم العارفون العاشقون، الأخلاء المتحابُّون، الخُلصاء المتآخون، “ثلة من الأولين وقليل من الآخرين”. وإن تراهم يميدون من نشعة، ويترنَّحون من سُـكر، فحالهم ليس ما ترى، كما هي وجوههم غير ما تنظر:
ورحنا وفي أفعالنا صحوة الحِجى @ وإن كان في ألبابنا نشوَةُ السكرِ
كيف لجريح مثخن أن لا يقيم على السهر؟ مَن لي بسامر أصل معه ليلي بالسحر؟ سيطول هذا الحديث ولن يأتي على نزر مما أُعاني! فإذا بزغ الفجر ولاح النور، وأنا لم أفرغ من بث شكوىً تؤرقني، وبوح أنّاتِ جوىً تعتصر أضلاعي، ولم أنشر قصة حبي… دهمني الظلام! جثمت الظلمة وأطبقت…
طوبى للعُمي بعد الـشُّــل والكُسح، وسعداً للأضراء بعد الصُّم والصلُخ، والبشرى للمكافيف بعد البُهم والخُرس والبُكم!.. ها قد جثمت الظُلمة وأطبقت، فلتـقـر عيون العُمي وتهنأ!
أوَ تقر عيون كفَّت وذهب ماؤها فبصرها؟ إنها لا تعمى الأبصار ولا تكفُّ العيون، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، فتذهب العقول وتغشى البصائر وتكف الأفهام وتموت الألباب. طوبى للعُمي، فهم والبصراء في ظلمة هذا “المنزل”، وفي دهماء هذه “المدينة” وبهمتها… سواء! وأنت أيها الساقي، هنيئاً لك كَلَلُ الشاربين من أهل الديار وملل السكارى من سكُّان هذا الحي، فـقد أعفَوك من رهق مجاراتهم وأراحوك من نصَب متابعة طلباتهم… ولست أدري.. أدلالٌ ذاك منهم أم مَلال؟ أم تجنٍّ على الطريقة، وضلال وانحلال؟ أما أنا، فماض في شرابي، لا أُطيق صبراً ولا أُحسن تجمُّلاً، ولا أُريد نجاة ولا أنشد سلامة!
أُريد أن أفنى وأتلاشى وأندك في مَن أهوى فلا يبقى منّي شيء! أُريد أن أموت وأحيا، أُدفن وأُنشر، أُذرى وأُبعث، فلا تبقى مني حتى «السويداء»! إيه يا صاح، اسقني.. فلا طِبَّ لهذا الداء المدنف العياء، ولا لهذا المرض المخامر المضني شفاء. لا شيء يدمل هذي الجراحات القديمة الغائرة، ويبرئ هذي الكلوم ويرأق نزفها.. إلا هذه الحميَّا. اسقني، فأنا جزوع انفصمت عُرى احتمالي ووَهَى جأشي، ونضب معين صبري ونفد، وَبِتُّ في أضيق من سَـمِّ الخـياط وآزف من بياض الميم. اسقني فقد تداعت حصون مناعتي وتهدَّمت أركان عصمتي.. فأنا في غربة موحشة. أنا غريب في هذي الديار، رغم الصحب والأقران، والندامى والخلان… إنني في غربة!
أهلكني الصبر وأمضّني… إن لي والصبر أحقاداً وضغائن، وتِرَاتٍ وثارات!
ما زالت حرقة «آدم» وحسراته على فراق الجنان تستعر في حنايا صدري وتكوي أضلاعي. ما زلت أنزف من ضربة «قابيل»، وأحتمل وزره، وأتحمَّل كلفة تبعة فعلته. ما زلت أنظر إليه مع المظلوم «هابيل».. وأتجرع الغُصص بحسرة يكتنفها إشفاق، وغضب يقودني إلى إطراق، فخوف وتشاؤم يغالب أملاً ورجاء، من عاقبة أخ، ومصير نَسلٍ وذرية عظيمة ستنحدر منه. كنت هناك، أُكابد واُعاني… عشت كل الآلام، وتلقيت الجراحات، وتجرَّعت المحن والويلات وقاسيت البلاءات. كنت شقيق «يوسف» في الجب، يعلِّمني النجوى والشكوى، وأسرار الصبر، وكيف يكون الابتلاء والاجتباء، ويلقّني أدب الرضا والتسليم وثقافة الانتظار والفرج… عسى أن يدلي مُدل دَلوَه. وشقيق «يحيى» في «نهر الأُردن»، يهدي ويبشِّر، يعمِّد ويطهِّر، حتى حُمِل رأسه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، وأنا أحوم فوق منديل يجلل الطبق، وحين أُزيح وطرح لتتشفى العاهر من مرأى الرأس القطيع، هويت مع الغطاء وطرحت جانباً، مُهمَلاً تدوسني الأقدام، ويسحقني العجز ويُمرِّغني الألم.
كنت مع «النيـل» أحمل «التابوت» برفق وأناة، أرجو هبوبه أن لا تعصف وتخرق، وأتوسل إليها أن تكون نسائم رخاء، فلا يغدف هذا العظيم ولا يجيش، وأن تترقرق أمواجه فـتسوق التابوت يتهادى إلى «فرعون» ليلتقطه. و«النيل» ماضٍ كما أشاء، لا أدري أكان يسبقني بإرادته، وما الأمر بيننا إلا توافق والتقاء؟ أم كان يطاوعني ولاء؟ لا يصرُّ أن أُلقمه “عروساً” من أجمل قيان مصر قرباناً يسكِّن غضبه، فلا حاجة، إذ هو مثلي “مُوَال” يتقطَّع حباً ويجيش عـشقاً! وكنت مع «موسى» أمجُّ المراضع وألفظها، وأُدوِّي بالصياح حتى يضج الـقصر، فلا يسكن عن مرضعة تقرُّ عينها ولا تحزن. وقد لازمته وصاحبته بعد التابوت والقصر، في الثورة والنصر.. وهائماً يبحث في «سيناء»، يتحرَّى الخطاب، ويتمنى الرؤية، ونظرة إلى الأحباب. وعلى «الجُلجُلة» لُقِّنتُ الصمت عن الشـكوى وتعلَّمت كتمان الألم! هناك كنت أقرع الناقوس وأُنـذر مع «عيسى»، أحمل الصليب، وأذود عنه ما أمكنـني من العصي والحجارة والسياط، وأُشاطره ما يتحمل عن البشرية من آلام وأوجاع وتبعات خطايا وآثام.
إنه عهد وميثاق أمضيته منذ اليتم مع «محمد» في «بني سعد»، إذ زهدت فيه المرضعات.. يخرج بغنم «حليمة»، وقد سرت “النسمة المباركة” حيثما حلَّ “القرشي اليتيم”، فاعـشوشب المرعى في مضاربهم بعد جدب ومحول، وأسمنت الأغنام بعد هزال ورعام، ودرَّت الألبان بعد شحص ومكود. إنه عهد العشق المعمَّد بالدم، وميثاق الحب المؤكَّد بالـروح، وقَـسَم بعـزم وحسم، أمضيتـه مـع «الأب» و«الجد» من المهد، لأُوفيه لـ «السبط» مع «المهدي». كنت مع السحابة أسبح وأزهو، ومع الأطيار أرفرف وأرنو… أُظلل له عن الشمس وأقيه من حرِّها. وعلى باب «ثور»، كنت أتدلَّى وأهتمش مع العناكب في الليل الحالك، أحوك ستراً وأنسج واقية تواريه في الغار وتصرف عنه الأنظار. في «أُحد» شققت جيبي وأعولت إعوال الثكلى، حتى رأيت «اليـعسوب» يذود عنه ويقيه بنفسه، فقرَّت نفسي وسكَن روْعي وعلمت أن نداء الموت الذي دوَّى في الميدان لم يكن إلا حرباً نفسية أو امتحاناً. كم يهون أن ترى الحدث ماضياً وتقرأه تاريخاً وخبراً، فتقلِّب صفحة أو اثنتين، لتتجاوز الكدر وتتخطى الحزن.. ولكني عشته وانفعلت به واندككت فيه، فانتقَلَت إليَّ الآلام وسَرَتِ المعاناة، تهد أركاني وتذوي كياني.
في «الكوفة» كنت أنتظر لألتقط، فأسمع من رَجعَ آهاتٍ تلَجلَجَت في الحلق من “شجىً” أليم، وأستشعر نداوة عبرات أسالها “قذىً” مقيم.. فكأني حملت شيئاً فخفَّفت عن «مولاي» وداويت جرحاً! إذ لم يَضِعِ الصدى في فضاء البئر، ولم تختلط النداوة بمائه، يمتص الجدار هذا ويخفي القاع ذاك، فيضيع عن البشرية، فلا تعرفه بعد الرشا والدلو والجدران، إلا الجنُّ والغيلان!
لقد حضرت انتفاضة الجياع المظلومين وثورة الفقراء المُعدَمين، ورأيت صَولَتهم على «قارون» عصره، حين قام نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع! كما شهدت غضبة الطاغوت وسطوة بطانته المستأثرة، تنكِّل بالصحابة: تكسر أضلاع هذا، وتفتق بطن ذاك، وتطرد وتهجِّر وتنفي.. هكذا طويت صحراء المنفى مع «أبي ذر»، وكَوَت قدمي حصاه اللاهبة، تدوسها وتقلّبتها مع ابنته حتى «الربذة»، ومعنا جميعاً كل ما تبقّى في ذلك العهد من عزٍّ ومضاء، وشرف وكرامة وإباء… والناس تواسيه وتقول: يا «أبا ذر» أبشر فهذا قليل في الله تعالى. وهو لا يعبأ بشيء مما نزل به، ويمضي يبشِّر أو يُنذر، ويقتنص الفرصة ليبث أخطر رسالة حملها ويبلغ أعظم خطاب عرفه، يداري فيه جانب “القربان” يظهر البلاء والامتحان!: “ما أيسر هذا، ولكن كيف أنتم إذا قـتل «الحسين بن علي» قتلاً أو ذبحاً، والله لا يكون في الإسلام أعظم قتيلاً منه، وإن الله سيسل سيفه على هذه الأُمة لا يغمده أبداً، حتى يبعث «قائماً» من ذريته فينتقم من الناس. وإنكم لو تعلمون ما يدخل على أهل البحار، وسكان الجبال في الغياض والآكام، وأهل السماء من قتله، لبكيتم والله حتى تزهق أنفسكم! وما من سماء تمر بها روح «الحسين» إلا فزع له سبعون ألف ملك، يقومون قياماً ترعد مفاصلهم إلى يوم القيامة، وما من سحابة تمر وترعد وتبرق إلا لعنت قاتله، وما من يوم ألا وتُعرَض روحه على «جدِّه» صلى الله عليه وآله فيلتقيان”.
مع «عمار» تلقيت ركل الغلمان وضربهم، مثلما رأيت الخضراء تبكي وتنعى، والغبراء تندب وتنتحب، وهي تنظر وتشهد كيف يفتـقون بطن وليٍّ “ما أقلَّت ولا أظلَّت ذا لهجة أصدق منه ولا أبَرّ”! كالسحب كنت أهطل وأُدمي، أبكي وأسبح، لأطوي الفيافي والقفار… وكالبحار، كنت أتمدد لأحتضن الشواطئ، أضمها وأغسلها، ثم أنحسر عن جرف خلا من كل الهموم الرابضة، وأعود بكل الآلام المستلقية هناك! كما «الأشتر» ومعه كنت أُجاهد وأُقاتل، تدفعني نيتي فتسوقني، ويسبقني عزمي فيقودني.. أبى السُكرَ من زهرة الحياة الدنيا أو الافتتان بحطامها، وأصرَّ أن يخلع أثواب الغفوة وينضو أغلال الأسرِ ويقطِّع قيود الخوف، ويخف فلا يخلد ولا يثقله إلى الأرض شيء. ينطلق في الميادين يطلب الشهادة فلا يصيبها، ويخوض السوح يطارد الموت فلا يدركه.. فيوقعه متعثراً، وينزله كخبط عشواء بكل مَن برز إليه ولقيه ووقف في دربه! يفرّقه في أعداء «مولاه» بِعَدل، وينشره في جموعهم، فلا يغادر نغلاً. وكأنه أبى إلا أن يشارك “خازن النيران” فعله بعد اسمه، فكان يحـصد لجهنم ويملأ، فيتلـقاهم «مالك» هناك ويزجُّهم في دركاتها، وينادي: هل من مزيد!
كنت مع التمار «ميثم»، أشدو وأُناغي للعروج. وعلى مقصلة الشهادة ألهج بمدح «مولاي»، أُغنّي، ولعرسي أترنّم… ماذا تقول يا هذا وماذا تزعم؟ أين أنت عما أنا فيه؟ آه لو تدرك شيئاً أو تعلم… إنها غصص مرارة “صبر الله” في حلقي ما ساغت منذ كانت، وشجى حرقة وحسرة ما جازت وما زالت منذ عَرَفتني وعرفتها. ما زال رَشحُ سَمِّ «جعدة»، ولوعةٌ تقطِّع كبد «السبط المجـتبى» تلهب أحشائي وتمزق أمعائي، وتضرب وجهي بصفرة وتصبغ محياي بذبول… فيسألني من يراني عن علِّتي ومرضي؟! إنني مثخن بالجراح، مثقل بالمحن، مهدود الأركان، مضعضع الأعضاء، مُدمى القلب، مفطور الكبد، مشلول الجوارح، منهـوك القوى…
إنني مرابـط في «كربلاء» مذ خُلِقَت، فدخلت باء العقد من الكرب في باء البلاء… كَرُبَتِ الأرض وانعقدت البقعة على البلاء، فلا انفصام ولا فكاك. ظهرت الرزايا وبانت أم توارت فكأنها ليست هناك! إنني مقيم فيها مذ أناخ الركب، وَقْفٌ عليه وعليها، مستوطن مجاور هاتيك الديار، هائم على وجهي أقبِّل ذا الجدار وذا الجدار. أشم الثرى وأطوف في الأكناف إنها مذبح «القربان» إنها أرض من الجنان.
في صبيحة اليوم الذي ساحت الشمس وانصهرت، وغدت صَـبُـوحاً في القَدَح…. نَضَرَ القَفر، وعلى يابس عود الخيزران الـقـب، أشرق زَهرٌ وانفتح.
رباه.. كيف لتوجُّعات متكتِّمة وأنين، وتألُّم مكبوت وحنين، كيف لصيحات خافتة ونداءات ضعيفة خفيضة، لا تكاد تحس ولا تسمع، أن تعلو وتصعد وترتفع وتضج، فتنتشر في الفضاء وتملأ الآفاق، لتقرع الآذان وتصك سمع الإنس والجان؟! كيف لقطرات زاكية من دماء الأطهار، شربتها الأرض بقعاً صغيرة مترامية، ثم عادت بلقعاً، أن تفور وتتفجر، حتى تغمر أمواجُ الدماء السهولَ والوديان، وتنذر بالعصف والطوفان!؟ تسيل السهول وتجري بالدماء، وتتلاطم الأمواج وتتدفق في واد بعد واد، وتصبـغ الحمرةُ الأرض وتسري لتـطال الأُفـق وتطمو على السماء، وتضرب الشفق بلونها القاني وتخلفه مُدمىً ما بقيت أرض، وأشرقت شمس ولاح فجر.@
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
@ من فصل في كتاب «القربان»
التعليقات