أعداء الشعائر الحسينية أنواع …
هناك نغول غلبتهم أصولهم، وأبناء سفاح تمكَّن العهر من نفوسهم، يفرغون ما فيها من لؤم وخسَّة، ينزلونها شراً، ويباشرونها كيداً، ويمارسونها غلّاً وحقداً.
وهناك فسقة خبثاء استولى عليهم الشيطان وطوَّعهم، فغدوا يرقصون على إيقاعه، ويلوِّحون براياته، وينطحون بقرونه، ويفرشون طريق المؤمنين بشوكه، طبَعَهم الانحلال والتسيُّب، وحكَمَتهم الإباحية والتهتك، فلا يطيقون تديناً وتسليماً، ولا يتحمَّلون تعبُّداً والتزاماً.
وهناك من يعيش الدونية ويعاني الصَّغار والذلة، يتحايل لينسجم مع الأغلبية، ويتكلَّف ما يرضي الأكثرية، فيهدر ويفرِّط، ويهمل ويُغفِل، ويعطي من دينه ويبذل من مذهبه، ويمنح من عزته ويهب من كرامته.
وهناك أرباب مصالح وذوو مطامع، متسلِّقون يتحرَّون المكاسب والمنافع، ويلتمسون الشهرة والرئاسة، فيتلوَّنون بما يسلك سبلها ويقطع بهم طرقها، ويبلغ الغايات والأهداف التي يتهالكون عليها.
وخذ في أداء هذا وذاك ما شاء الشيطان من جرأة ووقاحة، وتجنٍّ وافتراء، وامتهان وابتذال، وما لا يسعه قاموس الانحراف والضلال من أقوال وأفعال، يعفُّ عنها الأشراف ويترفع النجباء، حتى لَيتجنبها من يتمتع ببعض أخلاق.
لا تدري ما بالهم، وماذا يحل بأحدهم إذا تألَّق موسم العزاء الحسيني ومضى المؤمنون في ألوانه وأنماطه بنجاح.. تراه وقد امتلأ غيظاً وجاش كمداً، هاج هائجه وفار فائره، جحظت عيناه وانتفخت أوداجه وكشَّر عن أنيابه وارتعدت أطرافه، كأن ناراً تستعر في نفسه من الحسين، وجمرة تلهب كبده من عاشوراء، لا يطفئها إلا ما ترى من شيطنة وفساد، وتشهد من نصب وعداء، وما زال ينحطُّ برخيص أدائه، ويتسافل بتافه خطابه، ما يثير في الساحة القرف ويبعث كافة المؤمنين على الاشمئزاز. وجولة في مداخلات الهمج الرعاع وسائر الأتباع، وما يرشح منها وينضح من كفر بواح، وجرأة على حدود الله، كفيلة ببيان هذه الحقيقة.
ومع هذا وذاك، ففي أعداء الشعائر الحسينية قلة قليلة من أرباب دين، ونزر يسير من شرفاء مخلصين! هناك من يلحق بركب أبناء الحرام، وينضم إلى الفسقة المتهتكين، ويصطف مع الأذلة الخاسئين، قربة إلى الله تعالى! يحسب أنه يخدم المذهب، عبر ما يتوهمه إصلاحاً للشعائر، وتنزيهاً لها مما علق بها من بدع وخرافات… صدَّق المسكين مخرجات عقله الصغير، واغتر بفكره الضحل الفطير، فكان خياره كارثة ومصيبة، وأداؤه بلاءً وفتنة، والأخطر أنه ما زال مخدوعاً مستدرَجاً، يُملى له ليزداد إثماً، حتى تسوقه أعماله وتأخذه مواقفه إلى ما يفسد نيَّته، وتنقله إلى العصبية والعزة بالإثم، فتصطلمه اللأواء وتورثه الشقاء فيلحق بأولئك بعد أن كان في هؤلاء.
القضية أنهم لا يرون الحسين إلا قياماً وثورة، ونهضة سياسية، وإحياء ذكراه إلا جبهة صراع مع أنظمة الجور والظالمين… والمعضلة أنهم يريدون سوق الشعائر الحسينية إلى ما يرفد قراءتهم هذه لحركة سيد الشهداء، ويغذي رؤيتهم لعاشوراء، فإذا لم تفعل، فهي أساطير وخرافات، وإذا لم تصب في نهرهم وتعظِّم مجراه وتسقي مزارعه وحقوله، فهي حركات باطلة وأدوات استعمارية خائنة، تقف خلفها السفارات الأجنبية، وترعاها أمريكا والموساد، فإن سلمَت من تهمة العمالة، فهي على أي حال تمثل تخلُّفاً يزري بالأمم ويُمعِن في رجعيتها، وأفيوناً يخدِّر الشعوب ويعطل تطورها، تماماً كما كان يرمي الشيوعيون الدين، وينالون منه في عقائده وشعائره.
فالبكاء ينبغي أن يكون هادفاً (يعيش الحدث المعاصر في فلسطين مثلاً)، لا تفجُّعاً وجزعاً، وإلا فهو بعيد عن نهج الحسين. واللطم يجب أن يكون لكمات وصفعات على وجه الظالمين، وإلا فهو حيلة البائر وملاذ العاجز الخائر. والسيوف ينبغي أن تغرس في صدور الأعداء، لا أن تفلق هامات المطبرين، وإلا فهي مظاهر تخلُّف ومشاهد منفِّرة تشوِّه الدين. والذكر في المجالس يجب أن يخلق ثورة ويعبأ مجاهدين، يحاربون إسرائيل أو يدافعون عن سوريا، وإلا فهو هذر ولغو وتضييع وقت.
قراءة تخرج تسعة أئمة معصومين من ولد الحسين عن نهجه! وتصنفهم ـ والعياذ بالله ـ قاعدين، قاصرين أو مقصِّرين (فقد نادى مناديهم بمحاسبة الإمام القاعد والساكت في داره كالأموات!)، فهم لم يشهروا سيفاً ويقوموا بثورة، بل ألتزموا السكون واختاروا “القعود”، وكذا تخرج عشرات آلاف العلماء الأبرار الذين يشكلون أعمدة المذهب وأساطين فقهه وأصوله، ورواة أحاديثه، وأرباب تفسيره القران، وحملة آرائه في الفلسفة والحكمة والكلام والعرفان، فالغالبية العظمى منهم على هذه الطريقة، من المشرب المرفوض والمسلك المدان لدى القوم، وإن استثنيت، فلن تتجاوز نسبة الثائرين منهم 5 %.
وقد بُحَّت الأصوات وهي تعِظ القوم دون جدوى، وأنقطعت الأنفاس وهي تشرح وتبين لهم خطَلهم بلا فائدة، ما زالوا يجترون مقولاتهم الجوفاء (إذ الغالبية العظمى منهم يقولون ما لا يفعلون، غارقون في مقاعدهم الوثيرة، غاطسون في مناصبهم الأثيرة، مقيدون في ترفهم، متثاقلون إلى أرضهم. وما زالت فتوى قائدهم الخامنئي بجهاد أمريكا، التي أصدرها إثر الغزو العراقي للكويت، تنتظر من ينفذها منذ 1990، فلم يستجب لها أحد، ولكنهم جميعاً ينادون ويتبجِّحون بأن الحسين جهاد وقيام ونضال!)، حتى ليمَلَّ تنطعهم ويستثقل ظلالهم أكثر الناس دماثة وسماحة، ويضجر سماجتهم ويجتوي مقولتهم أكثر المؤمنين سعة صدر وهوادة. وحين علَـتْهم سياط العلم ولَسَعهم الفقهاء بفتاواهم وجلَدَهم الفضلاء بردودهم واحتجاجاتهم، لم يرعووا ولم يرتدعوا، وما زالوا يعاندون ويكابرون، مكبين على وجوههم، صُمٌّ بُكم عُمي، لا يعقلون… إنهم يقرأون مقطعاً ويغفلون عن باقي الصحيفة والكتاب، ويرون جانباً ويعمون عن عرض عريض أُرخي دونه حجاب. يسمعون صوتاً خافتاً، ويصمُّون عن جلبة تشغل العوالم، وضجة وصرخة تصك سمع الملكوت! فهم من أتم مصاديق قول الشاعر:
فقل لمن يدَّعي في العلم معرفة ـ حفِظْتَ شيئاً، وغابت عنك أشياءُ
ولعلَّ التمثيل بشاهد عصري يفتح مستغلق الأذهان، ويقرِّب إلى متناولهم ما لا يدركون من واضح البرهان…
إن آخر ما توصل إليه العلم البشري في حفظ البيئة وإنهاء أسباب التلوث والتصحُّر والاحتباس وما إلى ذلك من كوارث وآفات، هو فكرة ونظرية حظر التدخل، وقوامها أن يترك الأمر في الطبيعة على حاله ويمنع تدخل الإنسان في معالجة أمراضها وتردياتها، بل يحظر دخوله ومجرد مسِّه بأي نحو بها! وكانت فكرة “المحميات الطبيعية” تجربة في منتهى التوفيق ونموذجاً غاية في النجاح. فالطبيعة كفيلة بمعالجة إفرازاتها، وتدوير مخلفاتها، والحفاظ على سكَّانها وكائناتها وثرواتها. فما تصوَّره الإنسان “استصلاحاً” للأراضي وسعياً لجعلها منتجة فاعلة، كان خطأ شكَّل كارثة مدمرة! حين توهَّم الخير في توجيه مياه الأمطار، وصرف روافد البحيرات المالحة، أن تصب هناك وتذهب هدراً، ما قلَّص مساحة هذه البحيرات وجفَّفها، فحوَّل تربة قيعانها المنكشفة إلى غبار قاتل، يغير الطقس ويلهب الجو، ويدمر المزروعات التي لأجلها صرفوا المياه عن البحيرة!
هناك دوائر متَّصلة وحلقات مترابطة، تشكل منظومات متكاملة ودورات تامة، الإخلال بأي جزء منها، والمس بأية مفردة فيها، سيودي بالمنظومة ويدمِّر الدورة… هذا سارٍ في البحيرات المغلقة، كما في الغابات والحقول والمزروعات، وحاكم في مكافحة آفاتها ومقاومة أمراضها، وفي كافة النطاقات البيئية، كما هو سارٍ في معالجة الأبدان وملاحظة الآثار الجانبية للعقاقير والأدوية، ومطَّرد في جميع مناحي الحياة، وأهمها الاجتماعية والسياسية.
تصوروا لو صدَّق الناس وأذعنوا لآراء وأفكار الحداثيين في الشعائر الحسينية، فصرفوا أموالهم على الفقراء بدل بذلها على المآتم والمضافات، كما فعلت منطقة “عفك” بالعراق (بزعم وسائل التواصل، وجل مزاعمها أكاذيب)… قرَّت إذاً أعين النواصب وملئت أكفُّهم مما يطلبون منذ أربعة عشر قرناً! ثم هل ستعالج هذه الخطوة مشكلة الفقر في “عفك” وتنهيها؟ ماذا لو كفَّ الشيعة عن النوح والبكاء واللطم والتطبير، كما فعل ثلة في البحرين، وقلبوا العزاء ثورة، والشعائر شعارات سياسية، ونقلوا الندبة وحوَّلوها من الحسين إلى شهدائهم وشهداء غزة؟ هل سيستمر شيء بعدها ويمضون في طقوسهم المبتدعة المحدثة؟ أم سيتوقفون كما توقفت الثورة هناك، وتعطَّلت على أبواب العجز وعدم القدرة، وتجمَّدت في دهاليز السياسة وصقيعها المستخف بكل تضحية؟ لتتحوَّل الثورة من إقامة حكم الله وتطبيق شرعه، إلى جمهورية ديمقراطية على الطراز الفرنسي، ثم إلى ملكية دستورية على الطريقة البريطانية، وما زالت تنحدر وتتقلَّص حتى بلغت إطلاق المعتقلين وحصة أوفر وتمثيل أفضل في البرلمان؟! ماذا لو انصاع الشيعة في العالم حيثما كانوا لهذا الخطاب، فحملوا السلاح وثاروا على حكوماتهم وعلى الأنظمة التي تحكم بلادهم، فخلعوا طاعة الظالمين، وتمردوا على مؤسسات الدولة الغاصبة الجائرة، وصاحوا: “مثلي لا يبايع مثله”… هل سيبقى منهم أحد دون أن يقتل أو يعتقل أو ينفى من الأرض؟! هل يملك مقرن المعازف بصلاة الليل في إيرلندا، الماجن الطالح أن يفعل شيئاً من هذا؟ هل يطيق أن يكون “حسينياً” بالمعنى الذي يطالب به الشيعة، ليوم واحد فقط؟! هل يستطيع الكذاب الرقيع والهر الوضيع الذي يدين النظام البحريني على ارتهان عيسى قاسم في الإقامة الجبرية، أن يهمس باسم الشيخ الكروبي ومير حسين الموسوي، وأنهما قيد الإقامة الجبرية أيضاً، وبنفس الجرم والتهمة، أي التفاف الجماهير بهما، واكتساحهما نتائج الإنتخابات أمام أحمدي نجاد، مرشح السلطة آنذاك؟!
هل الثورية والقيام الحسيني الذي ينادون به ويرفعونه أمام الرثاء والعزاء والشعائر، مشروع عمل، ومدرسة تطبيقية، أم هي مجرد شعارات، وأداء سياسي، وتقنية تستخدم لدغدغة المشاعر واستغفال العوام وكسب الأنصار؟ والأهم الأخطر: هدم القائم من الكيان الحسيني، وتقويض الذكرى على طريقة هزائمهم السياسية؟!
بإختصار شديد… الشعائر الحسينية هي الوسط المذيب، والبوتقة، بل المرجل الذي تغلي وتنصهر فيه جميع معادن العلم والمعرفة، والسير والسلوك، وتمتزج فيه مفاهيم الصبر والجهاد، والرضا والإباء، ويلتقي العقل بالعاطفة، والشرع بالحب، ليفرز خليطاً ويصنع ترياقاً وإكسيراً، كفيل بعلاج كل آفات البشرية المعذبة، ومداواة كل جراحات الإنسان ومعاناته… ومن يمدُّ يده في هذا المرجل، ليلتقط شيئاً ويقتطع جانباً، يستله من المزيج الأعظم، ويسرقه ليخرجه من فضائه ويزيحه عن مكانه، لن يخرج إلا بخيبة تحرق يده، ويكون ما التقطه وبالاً عليه، ولعنة تورثه البلاء الذي ما زال فيه، فلم ينجز أو يتم مشروعاً جهادياً واحداً، فما ان يخرج من معركة حتى يبتلى بأُخرى، ثم يكتشف أنه تعجَّل هنا، وخُدع هناك، ولو كان يعلم لما أقدم. كل ذلك للفكر المعوج والمشرب الفاسد، وللإعراض عن قناة الفيض الإلهي، وترك النيابة والولاية الحقة.
إن الثورة الحقيقية على الظلم والظالمين، لا تكون إلا على يد الحجة ابن الحسن العسكري، أو نائب حقيقي له، ممن يحقق المشروعية والنزاهة ويمثل التقوى والعدالة، وينطلق من معرفة بالإمامة وعلم بفقه آل محمد، ومن حرص حقيقي على الأمة، كما كان من المرجع الأعلى في حكم جهاد التكفيريين الغزاة، ولا يكون وليد مدارس الضلال، حزب الدعوة وعلي شريعتي وفضل الله، فهؤلاء لا يؤتمنون على دانق، فكيف بالدماء والأعراض، بل كيف بالدين ومصالحه العليا… وها قد راغوا إلى معالمه وشعائره ضرباً بمعاولهم، قبل أن يمسوا شعرة في رأس الظالم!
هناك رؤية استراتيجية للأمور تسبر أغوار الماضي، وتستشرف آفاق المستقبل، فتعيش حاضرها في ضوء معطيات هذه وعلى أسس راسخة تلقتها من تلك، تقابلها نظرة مقطعية، وقراءة التقاطية، تعيش أفقاً محدوداً في جانب أسَرها، وفكرة انبهرت بها فاستحوذت عليها، تريد أن تخمد صوت القرآن والحديث والأخلاق والسيرة والفضائل والكرامات، وتخمد صيحة الألم والحسرة والفجعة، وتطفئ صورة المأساة والحزن والجزع على الحسين… لصالح صوت الثورة والقوة والجهاد! فإذا مضى هؤلاء السفهاء في طريقهم، واصطلمتهم البلية، أُسكت الصوت والنداء كلُّه، وأخمدت الصيحة والصرخة بجميع أشكالها، ودُمِّر المسرح وقُضي على المشهد بسائر صوره، ومُزِّق الكتاب وضاعت الذكرى.. ودفنت الواقعة!
كم هو مؤلم أن تنقضي عشرة عاشوراء، والمؤمنون منقسمون، على اليمين يتلقون: ذهب العناء وبقي الأجر والثواب، يغمرهم الرضا والأنس بالطاعة والشكر على التوفيق للخدمة، والمساهمة في إحياء الذكرى. وعلى الشمال يتقطعون حقداً وغيظاً أن الشعائر في ألق وازدهار، ويتجرعون الغصص أن لم يتمكنوا من تعطيل واحدة، وفشلوا في صرف الناس عن شيء منها، يزفرون من غضب وينفثون من غيظ.
لم أكن أتصور حجم الألم الذي صاحب إخفاقهم وفشلهم، والغضب والإحباط الذي أعقب هزيمتهم… وكنت أفترض حدوداً لن يتجاوزوها في عدائهم، لكنهم هذه المرة تجاوزوا كل حد وذهبوا بها عريضة، لم يبلغها علماني ولا بعثي.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
التعليقات