كانت الصاعقة شديدة ماحقة، والعاصفة مزمجرة قاصفة…
أدخلت القوم في صدمة ووجوم، أقعدتهم من ذهول وأقامتهم من دهشة، فحكمهم شرود وغلبهم بهت، وما زالوا يتقلبون في حيرة ويستغرقون في تيه.. خاصة الشباب الذين لم يدركوا من قِيَم الثورية شيئاً، لم يعرفوا الخميني أو فضل الله النوري أو نواب صفوي، ولا حتى جون ريد أو تشي غيفارا، لا عملوا بنهج الثوار ولا أصابوا منهم حظاً أو التزموا طرفاً، ولا سيما معاني الإباء والشهامة، وروح العزة والكرامة، فلم تسرِ في عروقهم الباردة دماء الحرية، ولم يتذوقوا طعم الكبرياء والأنفة، ولم تمسهم الغيرة والحمية، ولا مارسوا أبجديات الثورية، وكيف للمشاعر أن تفلت من عقال، ويتحول حدث عابر إلى ثورة وانفجار، لم تضطرم فيهم الأحاسيس فتتدفق تمرداً وعصياناً، ولا أخذتهم الغضبة يوماً إلى فعل “طائش” أو موقف “متهوِّر” “أهوج” (حسب قاموس “العقلاء”) ! لقد عاشوا “الثورة” من باب نقيضها أو ضدِّها، بروداً بلا أحاسيس، وجموداً بلا عواطف، انتظاماً تحسبه حركة السير في اليابان، وانضباطاً يحكي آلات ومصانع الألمان.. فإن فعلوها مرَّة وفي مكان، مارسوها شيطنة سياسية، ضرباً من الختل والخداع والمناورة، فإذا حان الجهاد، كان قتالاً في صراعات إقليمية وعالمية، تقلب “الثائر” جندياً، و”المجاهد” بضاعة في صفقة تجارية. ولعمري، فالثورية عند هؤلاء فضاء غريب مجهول، وخطاب غير مسموع ولا مطروق، كما تُحدِّث الطفل عن المرأة، وتحاول أن تُفهمه أن فيها غير الأُمومة أسراراً وجوانب أخرى، هناك جمال وأُنس ولذة، ومكر وشيطنة وحيلة، فلا يدري ما تريد! أو تبين لرجل من الإسكيمو معنى الهجير والرمضاء والغبار الذي نعرف في الجزيرة العربية، فلا يفقه ما تقول! ولعل عرض الأمر وبيانه هنا، سيزيد من حنق القوم وغيظهم، وهو يكشف خواءهم ويعرِّي زيفهم، بل يتهددهم بما يقوِّض بنيتهم ويفرغ دعواهم، حين يعرضهم على حقيقتهم: تيار مضطرب مُربك، يدَّعي الثورية ويتغنى بشعاراتها، وهو مرتكس في مقولة الدولة والنظام، أسير للحاكم ومصالحه، موظف في إدارته، منفِّذ لسياسته، منقاد لقراره!
إنه جيل ارتضع الخنوع والخضوع حتى فطم عليه، وتغذى الانقياد والامتثال فشبَّ عليه، نشأ وترعرع في هذا العهد البائس وقد ارتهنته أدواته التلقينية، وامتهنته وسائله التنظيمة الحزبية، التي تفوق في هيمنتها وتتجاوز في تحكُّمها أكثر الأنظمة الشمولية استبداداً وأشدها تسلُّطاً وطغياناً، فهي تجمع إلى المصالح الدنيوية، وإغراءات المال وأحلام الجاه وتطلعات الشهرة وأماني السلطة، وَازعاً دينياً يشق لها درباً وينصب لها سكة، قيل له بأن عجلات الإلتزام والعبادة والقربة إلى الله، لا تدور إلا عليها ولا تجري إلا فيها!.. لذا تجد في هؤلاء المنافق المستأكل، والوصولي الانتهازي، الخبيث اللئيم، كما ترى الساذج البسيط، المستضعف المستغفَل، المسخَّر مطيَّة والمستخدَم وَسيلة، وفيهم مثقفون وأنصاف علماء، كما بينهم نعاج وخراف، لا يدرون ما يفعل بهم، ولا يدركون أين هم ذاهبون! وما دام جرس الكرَّاز يقرع، فالقطيع يتبع!
وهنا عنصر آخر لا ينبغي إغفاله، هو موقع إيران في الوجدان الشيعي، وحرص كثير من المؤمنين ـ متدينين وغير متدينين ـ على تلك البلاد، بل على الدولة والنظام هناك.. بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية، أو حتى الفكرية والعقائدية، التي كثيراً ما تخالف السلطة الحاكمة، فإن العاطفة لها دور فاعل في تموضع المؤمنين… ولا يخفى أن لأعداء الجمهورية الإسلامية دورهم في خدمة هذا الشعور وإذكاء هذه الحالة! ذلك حين يوجهون لإيران ضربات مذهبية ويشنون عليها حرباً طائفية، أو حين يتعرض الشيعة في البلاد الإسلامية للاضطهاد بسبب مذهبهم وعقيدتهم، كضرب من الانتقام من الجمهورية الإسلامية وسعي لإيلامها، أو التشفِّي منها! الأداء الذي لا يترك للشيعي خياراً إلا الاصطفاف مع إيران والتموضع في جبهتها، ما ينعكس حرصاً عليها ودعماً لها.
يبدو أن انتشار الشريط المسرَّب أصاب مقتلاً، صرع أولئك كما أردى هؤلاء، دون أن يفعل في النظام نفسه، الذي لم يَبدُ مكترثاً بالحدث، وكان أقل عناية بالأزمة التي عصفت بمشروعية قيادته، لا من هوانها وقلَّة أثرها، بل من فرط القوة والغلبة التي يعيش، ومن استغراقه في مقولات الدولة والحكومة مقابل الدين والشريعة، ولعقيدة يبدو أنه يحملها في باطنه، مفادها أن الولاية لمن غلب، بالقوة أو بالحيلة، فتأمل! ثم لما يتمتع به النظام من سطوة إعلامية كفيلة بإطفاء وهج وامتصاص زخم أي حدث يعرض لمسيرته.
كانت عاصفة الشريط المسجَّل لجلسة انتخاب السيد الخامنئي ولياً للنظام ورأساً للسلطة، والذي تضمَّن تصريحه بعدم اجتهاده (اعترافه بأنه ليس مرجعاً بالفعل ولا بالشأنية، كما عبَّر، أي ليس من شأنه أن يكون مرجعاً، ما يعني أنه يفتقد ملكة الفقاهة)، حدثاً صاعقاً مزلزلاً، أنطق من هوْله الأبكم الأخرس، وبعث بوميضه النور والإبصار في الأعمى، وأسمَع من وَقعه وصداه مَن به صمم.. أيقظ الوجدان في الغافلين، وهزَّ الضمائر في أهلها المؤمنين، وأتمَّ الحجة على المستأكلين الوصوليين. صدمهم جميعاً بحقيقة حجَبها إعلام مهيمن مغرِّر لنحو عقود ثلاثة، حتى كاد أن يمسخها ويقلبها، فصار أتباع هذا التيار يطعنون ـ من تبجُّح وصَلَف ـ في جامعية الفقهاء العظام لشرائط المرجعية والتقليد! ويرمونهم بالتخلف والقصور عن فهمٍ واستيعابٍ شموليٍّ للدين! فيا لله وللعبقرية التي جعلت لبِنَـات نخرة تقيِّم أساطين شامخة، ورفعت حصى الوديان ومدَر السفوح، لتناطح الذرى العلياء وتباري القمم الشماء!
سُقط في أيدي القوم، ولا سيما في دوائر الحراك الإعلامي والثقافي، وكتائب شبكات التواصل الاجتماعي، حكَم صمتٌ، وسُجِّل غياب وانقطاع! كأن شعوراً بالخزي من فرط الاستغفال قد انتاب تلك الجماعات، وإحساساً بالعار قد غمرهم من حجم الابتذال، فقد بان اهتراء القاعدة التي منها ينطلقون، وانكشف الفراغ تحت أقدامهم حيث يقفون، ناهيك بطواحين الهواء التي كانوا يبارزون، وشباك صيد الريح التي كانوا ينصبون! استفاقوا على مشهد لم يروه من قبل، وصورة أليمة لحراكم وجهادهم، ضربٌ من العبث والخديعة والدجل، تُقدَّم على مذبحه القرابين، ويطفر تحت رايته الرجال، وتدور في رحاه حروب وصراعات، وما هو إلا “بتكوين”، مجرد عُملة وهمية، تعيش فضاءً ألكترونياً وعالماً افتراضياً لا وجود له في الخارج ولا حقيقة في الواقع! وعند العرفاء وأهل المعنى وأرباب الحقائق، كل الاعتباريات المتورمة والأرصدة المتضخمة، هي افتراضية وهمية، حتى أرصدة الدولار واليورو والين واليوان، والودائع المصرفية المكدسة، لا تمثل أكثر من رقم في ورقة، ورمز (كود) في حافظة أو ذاكرة! وعلى أية حال هذا صريع لا يحسُن سلبه، وقتيل لا يجوز التمثيل بجثته، وإن لم يقض بعد، فهو جريح، لا يُجهِز الكرام عليه، فيوكل إلى أجله، لذا نترفع عن التنديد ونعفُّ عن المزيد…
ولكن هنا وقفة وتأمل، وتساؤلات يطرحها الوجدان، تملأ الساحة ألماً وحسرة، ثم اعتراضاً واستنكاراً:
إن اجتهاداً باطلاً مختلَقاً، وفقاهة منتفية لا وجود لها، باعتراف صاحب الشأن وذي العلاقة، وفي الأقل الأدني والقدر المتيقن، فقاهة ركيكة، واجتهاداً مشكوكاً، ومرجعية مهلهلة… كان عليها أن تعرف قدرها، وتدرك فراغ جعبتها وخلوَّ وِفاضها، فتقف على حجمها، وتلزم حدودها، لتكتفي بالدور السياسي والإطار الدستوري، أي النظارة على أعمال الدولة، وإدارة المؤسسات القائمة. وهو ما يفهم من حذف شرط المرجعية من الدستور، الذي قيل بأن السيد الخميني وافق عليه، وقد حمله بعضهم على التأسيس لدولة مدنية، أرادها عادلة تدافع عن قيم الحرية والاستقلال، وتؤمِّن الفضاء لتشييد معالم الدين وإقامة شعائره. إذ القيادة ـ في حقيقتها ـ تستلزم، كما لا يخفى، الإنقياد والاتباع، فإن كان من الأمة طوعاً والتزاماَ شرعياً فهو مما يمليه الإيمان والاعتقاد، الذي يقتضي التقليد، وإن كان إلزاماً وقهراً، فهو من الحمل على أُمور الحسبة ووجوب التصدي لها بأي نحو، ويتدرج الأمر في مَن يتولاه، لتسقط شروط الأعلمية والمرجعية إذا لم تتوفر، ثم الفقاهة والاجتهاد إن فُقِد، حتى يُجعل الأمر في عدول المؤمنين، (كما جرى تداوله في جلسة الانتخاب)…
كان على القائد المنتخب أن يقنع بذلك ويكتفي، دون هوَج وتحفُّز ونزَق، يحمله على التدخل في كل صغيرة وكبيرة، ناهيك بالولوج في صميم الدين، واقتحام حصون الفقه والعقيدة، والعمل على تغيير مباني الاستنباط في الحوزة العلمية، والتطاول على جملة من العقائد الشيعية والشعائر الحسينية والرموز الدينية.
حتى إذا لم يكفِ الشريط المسرَّب بعضهم أن يبلغ به اليقين، وكان للسيد القائد عنده نصيبٌ ما في الاجتهاد، وحظٌّ في بعض فقاهة… فإنها ولا شك درجة دنيا، ومرتبة متواضعة. وكذا الحال في شرط العدالة، فإن قُبلت تنزُّلاً، وقيل بتحققها جدلاً، ولا سيما إذا لاحظنا ما جاء في الحديث: “صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه”، وفي الفتوى: ”غير مكبٍّ على الدنيا، ولا حريص عليها وعلى تحصيلها، جاهاً ومالاً”، وعلمنا أن حب الرئاسة هو آخر ما يخرج من قلوب “الصديقين”، وشهدنا التكالب والصراع والفتك بالمنافس والمنازع! لظهر عسر تحقُّق هذا الشرط وصعوبة تطبيقه… لذا، فلا تلك الفقاهة الضحلة، ولا العدالة بهذه الدرجة المتدنية، تمكِّن صاحبها وتسمح له بهذا الحجم والنوع من ممارسة الولاية على المؤمنين والتدخل في أُمور الدين، ولا سيما المساعي الانقلابية (الإصلاحية) التي دبَّرها ورعاها، وما يزال يفعل، عبر أيدٍ قذرة وعناصر دنسة ونماذج متسافلة مثل الحيدري وحب الله وقصير، وزمرة متهتكة كمثليٍّ يتحدث عن إيحاءات المثالية في نهج البلاغة! تلحق بهذا وذاك، يتولى تمويلها ودعمها وحمايتها.
إن أبجديات النزاهة وحفظ كرامة المؤمن، كانت تقتضي أن لا تبتذله باستغفاله، ولا تمتهنه بدفعه لتقليد مرجع بهذا المستوى (يفتقد أوليات هذا الميدان، كالرسالة العملية، ما يعني أنه لم يُتم حتى دورة فقهية واحدة، تمكنه من التعليق على مسائل العروة أو وسيلة النجاة أو المنهاج!)، فإذا تجاوزنا هذا، ووجد الأتباع للمعضلة مخرجاً، ومن بلائها منجىً ومهرباً، فإن التراث الشيعي والركائز التي قام عليها المذهب، ولا سيما أحاديث آل محمد، التي ما انفكت ترفد فقهنا وتنهض بعقائدنا، عبر منظومة علمية في غاية الكفاية والجودة، وقمة الضبط والإتقان، لا نظير لها ولا مثيل على مر الأزمان، وعمادها الحوزة والمرجعية، هي حدود صارمة وخطوط قانية، ليس لأحد أن يهتكها، بمزاعم التنوير والتطوير وتحسين آليات الاستنباط… فالعقل يحكم بأن ”العرش ثم النقش”.. على “المصلح” أن يثبت فقاهته، وأن تفرغ الأوساط العلمية من صدق تخصصه، وتتسالم على تضلُّعه، ثم تفوُّقه وتقدُّمه، وتميُّزه وأعلميته، حتى يفتح له الباب فيدخل على الرحب والسعة، مكرَّماً مبجَّلاً، (غير متوغِّل ولا متسلل)، وعندها تبسط مائدة البحث والحوار، وتطرح مقترحاته ورؤاه حول تطوير المناهج وتغيير طرق انتزاع الأحكام والمعارف، ويناقش في إلغاء الحديث، واعتماد الفلسفة، والارتكاز على أصل الحركية، والبناء على الثورية (وغير ذلك مما قرره علي شريعتي للحوزة وأراده للتشيّع)، فتوضع كلها على دكة القضاء، لتُقيَّم وتحاكم، فإما أن تُقبل ويؤخذ بها، أو تُردُّ وترفض، بالحجة والدليل، فتُنقل إلى دكة المغتسل، لتدفن مع الأموات، أو تلحق بنظيراتها من المبتدعات والمخترعات، وتودع في سلة المهملات.
لكل مؤمن ملتزم، ناهيك بعالم عامل، آلامه وآماله، وله رؤيته الخاصة حول الدين وواقع حال المسلمين، وهي ـ في حقيقتها ـ استحسانات نابعة من مزيج ذوق وحالة نفسية وخلفية تربوية ونشأة وبيئة، ثم من مستوى علمي ودرجة تفقُّه وتخصص في علوم الدين، ولعل أحدهم يتقدم في رؤيته فيضع نظرية متكاملة، ويخترع أطروحة وافية لخلاص الدين من نقائص يتصوَّرها، ونجاته من عيوب يتلمَّسها، يحسب أن الأخذ بفكرته والعمل بنظريته سيرفع الإسلام إلى أعلى الدرجات، ويأخذه إلى قمم الفلاح والنجاح. من هنا فإن الأفكار والآراء الإصلاحية والنظريات في هذا الباب متعددة لا تكاد تنتهي، ومتكثِّرة بعدد مَن يحسبون أنفسهم فلتات جاد بها الدهر، ونوابغ سبقوا أزمنتهم وتخطَّوا أعصارهم!.. وحتى ترجح إحداها على الباقيات، والأخطر أن تتقدم على القائم المعمول به فعلاً في الحوزات، لا بد من أدلة بحجم الجبال، ومن القوة والمتانة بصلابتها، حتى يمكن الاستعاضة بجديدٍ محدَث عن سابق متوارث، وطريقة مجرَّبة معتمدة مستقرة منذ ألف عام، تحمل دليل فلاحها وبرهان نجاحها في ضمائر المنصفين، وبألَق ماثل للعيان، فقد نحجت في المحافظة على الدين في أصعب ظروف القهر والاستضعاف، وأبقت عليه سالماً من التزييف، نقياً من الانحراف، على الرغم من الفقر المدقع وشُح الإمكانيات، وحصار الأعداء وبطش الحكومات، حتى لم تلاق أية فرقة ما لاقاه الشيعة من تنكيل، ولم يتعرَّض أي مذهب لما تعرض له الإمامية من جوْر واضطهاد… والآن يأتينا مَن يريد نسف كل هذا ودفنه، وأخذ المذهب لتطبيق نظرية جديدة محدثة واهية متهافتة، نسجها خياله، وزخرفتها أوهامه، وبعثتها فيه نفسية معقدة وروحية مريضة، بل مسكونة بوساوس وإملاءات خطيرة، حتى إذا عجز وأخفق، عمد إلى سطوة السلطة وقوّة الحكم والنظام!
الحقيقة إن باب الإصلاح في الحوزات العلمية لم يغلق يوماً، حتى إذا ادَّعى أحد أن الحوزات الشيعية هي أكثر المحافل والمراكز العلمية في العالم ممارسة للنقد الذاتي والمعارضة والاصطكاك، فما قال جزافاً، ولا أغرق أو بالغ. وما زال النقض والإبرام، والهدم والبنيان، والإصلاح والتغيير يُمارس في كل يوم وكل ساعة هناك… غاية الأمر أن ذلك كله يتم مرتكزاً على الدليل، أينما مال تجد الحوزة تميل، لا الأهواء حاكمة في هذا، ولا الأمزجة والأذواق، ولا الاستحسانات المستقاة من عقول واهية ونفسيات موبوءة بالعُقد والأمراض.
إن ما يقوم به فضيلة السيد الخامنئي أصلحه الله وغفر له، من استباحة لمناهج وطرق الحوزة الشيعية في استنباط المعارف الدينية، وهتك للمراجع العظام عبر إطلاق الغوغاء من عملائه، وإرسال الطغام من موظفيه، هو كارثة ومغامرة يبدو أنه لا يحيط بحجمها ولا يقدِّر أبعادها، والالتفاف هنا والاحتيال، لا يفيد إلا في خداع العوام… فالنخب الشيعية، من مراجع وعلماء وأساتذة حوزة وفضلاء وخطباء ومثقفين وكتَّاب، يعلمون جيداً مَن وراء الحيدري، ومَن انتشل فضل الله من نعشه وأعاد بعثه في تشييعه وقبل دفنه، وتحدى وناضل وكافح لإسقاط فتاوى ضلاله، ومَن وراء قناة الميادين التي تفسح للصعاليك أمثال أبوزكريا والقطان، ومن يملي لناصر مكارم ويوعز بتدخلاته المسمومة. وباختصار، إنها تعرف وتشخِّص كيف يتحرك الضلال (باسم الحداثة) في ساحتنا، ومَن يرعى غرسه، ويسقي شجرته، وينبت قرنه!
في عام 2004 ظهر في قم طفل في الخامسة يدعى السيد محمد حسين الطباطبائي (علم الهدى) كمعجزة في حفظ القرآن الكريم بعدة طرق وكيفيات، ذاع صيته وملأ الدنيا خبره، حتى احتضنه النظام وتبناه إعلامه، وثبت للقاصي والداني أنه محل عناية ربانية خاصة. فلما تم ذلك وثبت، أخبر الطفل الناس بأنه رأى رؤياً تكررت عليه ثلاث مرات، مفادها أن الصاحب عليه السلام أمره أن لا يتسلم جائزة السيد القائد لأنه “ليس وكيلنا”! ضجت الساحة وتفاعل الناس مع الخبر، ثم فجأة، اختفى الطفل وتلاشى الخطر! هناك طائفة من المؤمنين لا يفقهون آلية الاستدلال العلمي، ولا يستوعبون البراهين العقلية والشرعية، ولكنهم مخلصون أخيار، أراد الله من لطفه استنقاذهم، وغلبت رحمته عليهم، فبعث لهم هذا الطفل بهذا المنطق والخطاب… لم يهتد إلا ثلة قليلة، وتمت الحجة على البقية التي ارتضت لنفسها الخديعة. واليوم حدث آخر في نفس السياق، يتوجه للمؤمنين المخلصين، شاهد علمي منطقي حسي صارخ على بطلان هذه الراية، وفساد العمل تحت هذا اللواء.. قلة ستقبل، وأكثرهم سيكابرون ويعاندون. والآيات تترى وتتلاحق، حتى تأتي ساعة النهاية والفراق ولات حين مناص.
ليس لي أن أُحدد تكليف أحد، وأرسم الوظيفة الشرعية لمؤمن، ولا سيما إخوتي وسادتي الفضلاء والعلماء، الذين نلتمس لهم العذر في السكوت عن الدور السياسي لولاية الفقيه.. فهذا شأنهم، ولن أخوض فيه، ولكني أشخِّص أمراً خارجياً وأنقل حالة، قد ترفد تكوين الوظيفة، وتساهم في بناء التكليف الذي يتوجَّه إليهم، وهي أن سكوتهم عن هذا الهتك الفاضح لموازين الفقاهة والاجتهاد، وتغاضيهم عن العبث بأصول انتزاع واستنباط المعارف الدينية، وإغماضهم عن التجاوز الأرعن على التراث، وسلبيتهم التي تفسح لوسائل الإعلام الطاغي أن تصوِّر ذلك قبولاً وإمضاءً… يدخلهم، ولا شك في الأعوان، وينقلهم إلى مصاف الشركاء.
في غمار فوضى المشروعية وتداخل المفاهيم الدينية والسياسية في إيران اليوم.. هناك طرفة تحكي أن قروياً من أُسر الشهداء، حظي بلقاء السيد القائد، فلما رآه راح يلثم يديه ويقبل وجهه، وبدا منفعلاً متأثراً باللقاء، حتى أجهش في البكاء، وخاطب القائد قائلاً: أنت سيد جليل، من ذرية رسول الله، تتمتع بصفاء القلب وحسن النية والسريرة، ولا بد أن تكون دعوتك مستجابة، بالله عليك، هلَّا دعوت أن يرجع الشاه، وتعود لبلادنا الملَكية!..
كما “كاد الفقر أن يكون كفراً”، هذا أداء سيجعل الناس تكفر بأصل الدين، لا بالثورة ولا الجمهورية الإسلامية فحسب!
التعليقات