من أدبيات الثورة الإسلامية الإيرانية قصة تحكى، لا أعرف مدى صحتها… عن شيخ في قم أبا تعطيل درسه والخروج في المظاهرات الصاخبة التي كانت تعصف بالساحة ضد الشاه، ثم كيف انتفض هذا الشيخ لتطهير المسجد الذي كان يلقي فيه درسه من قطرات دم لوثت جانباً من فرشه، تساقطت عند إدخال متظاهر ينزف، لجراحة نزلت به من ضربة هراوة أو رصاصة تلقاها من شرطة قمع الشغب…
والفكرة هي في تسجيل المفارقة، وكيف عجز الشيخ عن إدراك تكليفه الشرعي تجاه الدماء التي تنزف تحت التعذيب في المعتقلات، ولم يشعر بالظلم الذي يطبق على البلاد ويهلك العباد، ولم يثره انتشار الدعارة والخمور والسفور، ولا امتلاء السجون بعشرات آلاف الأبرياء، ولا انتهاب البلاد وتسلط الأجانب عليها… ثم انتفض لحكم وجوب المبادرة لتطهير المسجد!
من وحي هذه القصة وما يكتنفها من مغالطات ومصادرات، لست في وارد بيانها الآن، يرتسم مشهد مشابه لانتفاضة بعض العمائم وارتفاع بعض الأصوات غيرة على الدين ونصرة للعقائد الحقة ودفاعاً عن أهل البيت المظلومين!
سكتوا عن دعارة فضل الله وخرسوا عن فحشائه، لم ينبض لهم عرق في فتنة التشكيك في ظلامة الزهراء ونسبة المعصية لأميرالمؤمنين والطعن في عصمة الأنبياء، وما زالوا في جمود يحكي دكة غسل الموتى أمام عهر الحيدري وفجوره، والخنا والدعارة التي يمارس. انعقدت ألسنتهم وجفت أقلامهم فلم يسجلوا ربع موقف أمام هتك حرمات الدين ومقدساته، واستباحة ثوابته ومسلّماته، حتى لم يُبق السافل حرمة لشيء… وهم صُمٌ بُكمٌ عُمي، يحكون قردة الحكمة اليابانية الثلاثة، لا يحركون ساكناً ولا يلتحقون بمتحرك، لا يغارون ولا ببنت شفة ينبسون، لا عن منكر ينهون ولا بمعروف يأمرون، لا امتعاضاً يظهرون، ولا ضجراً يبدون!
فجأة رأيناهم ينتفضون على كلمة للرئيس حسن روحاني حول نقد المعصوم، وأخرى لعباس البياتي حول تشبيه الاحزاب السياسية بأصحاب الكساء (وإن كبرت كلمة تخرج من أفواههم)…
ولكن الوقفة والحيرة والعجب من انتفاضة أنصاف الغيارى وأشباه الرجال، وامتشاق أتباع الجمهورية الإيرانية سيف الغيرة على العقيدة ورفعهم راية الدفاع عن المقدسات.
لا يسعني القسم فأقول والله ما يبكون إلا على ليلاهم، ولا يندبون إلا ولي نعمتهم، ولكني جازم بدخولهم تحت الخذلان، إن لم يكن الأمر في بعضهم الدخول في نصرة الفجور والطغيان.
ألا عاشت الغيرة العوراء، ومرحى بالحمية العرجاء، وطوبى لمن توقف وراح يسأل عن دم البعوضة وقد قتل من قبل وأراق دم سيد الشهداء.
لعمري، هذه هي مهزلة العقل البشري، وهؤلاء هم وعاظ السلاطين، وهنا مزق يزيد المصحف الصامت ووزعه بين الجموع التي كانت تصغي لخطبة زين العابدين، ليصرفهم عن النظر في القرآن الناطق.
التعليقات