لا شيرازية كانوا ولا أعداء للثورة، لا فسقة ولا زنادقة، ثم لا عملاء للأجنبي ولا خونة باعوا ضمائرهم… كانوا مجموعة من المؤمنين الملتزمين الولائيين، الناشطين في هيئات دينية تقوم بإحياء الشعائر الحسينية، مجالس عزاء ومواكب ولطم وإطعام و… تطبير، الذي يتمتع من بينها بالأولوية عندهم، ويحظى بقصب السبق لديهم، لا عناداً للسيد الخامنئي وإرغاماً لإيران، ولا سعياً لإثبات عجزه عن إنفاذ حكمه وفشله في إعمال رأيه، بل لاستهدافه أكثر من غيره، وغدوِّه الساتر الأول الذي يذود عن حمى الشعائر، والسور الذي يحمي القلعة ويدفع عنها. يتوزع تقليدهم بين السيد السيستاني والوحيد الخراساني والسيد الحكيم. لا مطامع تحركهم، ولا مرجعية سياسية تديرهم، لا حزب يقودهم، ولا حكومة تسوقهم.
نعم، هم يختلفون عن المجاميع والهيئات “البسيجية” التي تؤسسها المخابرات في إيران، كمشاريع التفاف ومصادَرة، تُسقط الأصليَّة وتُطيح بالأصيلة، تستحدث في الشعائر وتبتكر، تغالي في “الشور”، وتذهب في بدعة الخلفيات الصوتية المصاحبة للطم والإنشاد، والإيقاعات الخارجة عن وقار العزاء، ولا سيما التمايل والميْد مع اللحن. فإذا حان الحين ودقت الساعة، صار الجزع على علي “الخامنئي” لا “الأكبر”، واللطم على قاسم “سليماني” لا “نجل الحسن”! وبان أنهم عمال للنظام لا خدَّام للحسين عليه السلام.
كانوا يتداولون تداعيات الصراع بين أمريكا وإيران، ولا سيما الانخفاض الكبير في سعر التومان، وما يتلاحق من مؤشرات الاضطراب ونُذُر الانهيار… وإذا بأحدهم يُنشِئ دعاءً مُسجَّعاً: “اللهم أشغل الظالمين بالظالمين، حتى تنتهي عشرة محرم وينقضي الأربعين، وينصرفوا عن تسميم الأجواء على المعزين وتلويثها على الزائرين، واجعلنا بينهم سالمين”، ليردِّد البقية من حوله: “آمين، رب العالمين”! وأعقب ذلك سيل من الوعيد باندفاع شديد، يحكي عن نيات جازمة وعزائم حاسمة، بمواجهات قاسية تتصدى وتطال ـ هذه المرة ـ منبع التوجيه في إيران، وتضرب الراعي الآمر، ولا تكتفي بعد اليوم بالمباشِر!
آلمني المشهد وأزعجني المحضر، وهو يدق ناقوساً، يخبر عن إسفينٍ ضرَب من سنين، بين الجمهورية الاسلامية وأتباع السيد القائد وتياره من الحداثيين، وبين سائر المؤمنين، ولا سيما الولائيين وعشاق الحسين. والجديد أن الصراع بلغ حدود تمنِّي البلاء، والدعاء بما قد يضر، أو لعلَّه يهلك مؤمنين، إخوة لنا في الدين، ويشكِّل نحواً من الاصطفاف مع الأعداء والمتربصين بنا أجمعين. والوجه الآخر في المأساة كان في الردِّ الموجع على اعتراضي، والجواب المفحم لمحاولتي عرض صورة معتدلة للاختلاف، وبيان شكل شرعي للنزاع، فقد قابلوني بمُسرد طويل وقائمة حافلة من موارد الهتك والفتك التي عمد إليها “الإيرانيون”، وشواهد الفجور في الخصام الذي مارسوه على أيدي أحزابهم ومنظماتهم وعملائهم! مما لم يوفِّر صورة من صوَر الدجل والزيف، ولا عفَّ عن رذيلة من الأداء السوقي تجاه أصل إحياء الشعائر الحسينية وذكرى عاشوراء، ناهيك بالتطبير وغيره مما لا يستسيغون. وآخرها “النزعة الزيدية” التي تصادر المذهب من رأسه، وتسقطه وتبطله، بخطاب ثوري يُخرج مَن لا يعمل أو يقول به من الدين، وترسم صورة محدثة مبتدعة عن الجعفرية الإثني عشرية!
من العتْه والسفه تصوُّر بعضهم أن مصلحة الدين وخير المسلمين حكر على قراءة ورؤية واحدة، وانتزاعٍ وِترٍ لا ثاني له، ينحصر في الفهم الذي بلغه، ويقف عند الفكرة التي أُمليت عليه أو انتهت إليه. متجاهلين بديهة أن هذا لا يكون في القضايا الخارجية، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعدِّد ما شئت من آفاق الحياة والحركة، والسعي في أطراف هذه الأرض ومناكبها. وأن القضية ليست رياضية، تمثل حاصل جمع أو ضرب أو قسمة، ولا هي حسيَّة تجريبية، أثبتت أن الفلزِّات تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة، وأن الرئتين في صدر الإنسان لا في بطنه ولا رجليه، وأن البصرة أقرب إلى الكويت من بغداد.
إنَّ الجزم بالمصلحة أو القطع بالمفسدة في قضية خارجية، ولا سيما على أمر مختَلف فيه، تغشاه الضبابية ويلفه الإبهام، ما يجعل فئة ترى الصواب في الإقدام، ويحمل أُخرى على الكفِّ والإحجام… لا يكون إلا عن غرورٍ طاغٍ وجهل عميق، أو ـ في المقابل ـ عن علم بالغيب واتصال بالسماء يرفع الحجُب ويزيح الأستار، فيجلي الحقائق ويكشف الوقائع!
تُرى مَن يمكنه معرفة أن سعر هذه السلعة أو ذاك المتاع، أو سهم تلك الشركة سيرتفع لسبب وآخر؟ فيوصي التجار والمضاربين بشرائه ليحققوا أرباحاً كبيرة في صفقة سهلة يسيرة؟ مَن له أن يوصي المزارعين بتأخير البذر لأن المطر سيشح أو ينقطع في هذا الموسم؟ مَن يسعه الرهان على مرشح للانتخابات، جازماً بنجاحه قاطعاً بفوزه؟ نعم، هناك تحليلات واستطلاعات ترجِّح أسماءً وتحدد نِسَباً للأصوات المقترعة، وهناك استبيانات ودراسات جدوى تستطلع فتحتمل اتجاهاً لمؤشر البورصة، وهناك أرصاد جوية تتنبأ فتحذِّر من الجفاف أو تبشِّر بالأمطار… ولكن مَن عساه أن يجزم ويبتَّ ويحسم؟!
إن الحكم في أنماط الشعائر الحسينية، وعموم طرُق التبليغ الديني وأساليب الدعوة الإسلامية، ضرب من هذا، والرأي والترجيح فيها مقولة تخضع لمعطيات لا يمكن لأحد القطع بها، فما يصلح لمورد قد يفشل في آخر، وما ينجح في حالة قد يخفق في أُخرى، من هنا تنشأ التعددية ويكون التفاوت، ويتحقق الاختلاف والتنوُّع، الذي يأخذ الحركة ـ في مجموعها ـ إلى التألق والمسيرة إلى الإبداع. يخرج عن هذا ويُستثنى ما يبلغ الوجوب والحرمة والكراهة والاستحباب، أي الحكم الشرعي، الحاكم على كل شيء، ما لم يحل دونه العسر والحرج، أو الضرر العقلائي، أو يقف عند عدم القدرة، أو ما يخلق العناوين الثانوية.. فما دام الأمر حراماً فهو مفسدة ولا شك، لا مصلحة فيه ولا طائل، مهما تراءى فيه من خير، ولاح من فوائد، وخطرَ للعامل وهجَس بمنافع.
وقد صحح السيد القائد رأيه الأول في التطبير، وتراجع عن تحريمه لبدعيته، وعاد لعنوان الوهن والضرر الذي يسببه للإسلام ويلحقه بالمذهب، ما يعني أنه لم يعد حراماً في ذاته، وإنما بعنوان انتزعه من الخارج، فقال أنه يشين ويسيء إلى صورة المذهب، لذا أباحه إن لم يكن في مرأى الناس. وهي مجرد قراءة وتحليل ورؤية، الفقيه فيها وغيره سواء، بل قد يتفوق فيها غيره عليه، كما الطبيب الحاذق في موضوعات الطب، والاقتصادي الماهر في أُمور الاقتصاد، وهكذا الأمر هنا، لعلَّ إعلامياً ضليعاً أو خبيراً بأوضاع الناس وسلوك المجتمعات وأعرافها، وأسرار حركة التاريخ وصيرورته، يرى الأمر على عكس ما رآه السيد القائد.
لقد حثَّ الشارع المقدس وندب لإحياء ذكرى سيد الشهداء، وإقامة العزاء عليه أبداً، وقد جرت الطائفة على صوَرٍ وتوارثت أنماطاً في ذلك، وهي أشكال يشترك المؤمنون كافة في ممارسة بعضها، كإقامة المجالس والرثاء والبكاء واللطم والزيارة والإطعام ولبس السواد، ويتفاوتون في أخرى كإقامة الشبيه والتطبير واستعمال بعض الهياكل الرمزية المعروفة في إيران بـ “علامت”… ليس لأحد أن يفرض على الناس ولا أن يمنع شيئاً منها ألبتة. نعم، له أن يعمل بقناعته، فلا يمارس بعضها، بل له أن يرفض النهج الآخر ويشمئز منه ويستنكره، ولكن ليس له أن يفرض هذا الاستحسان ويحمِّل مذاقه ومزاجه الآخرين، ولا سيما بالقهر والقوة، بل حتى عبر الإفراط في استعمال وسائل الإعلام، مستغلّاً ما يتمتع به من مال وسلطة ونفوذ وأدوات لا يملكها غيره، فيهيمن ويصادر رأي الآخرين ويضيِّق دائرة حراكهم، ما يلغي المنافسة وينفي النديَّة. وهو أصل عقلائي تحكم به الحداثة وتلتزمه العصرنة (التي ينادون ويمجدون بها)، فهذه المفوضية الأوروبية تفرض غرامة تتجاوز أربعة مليارات يورو على مجموعة غوغل، لاستغلالها الموقع المهيمن لنظام أندرويد بطريقة تكرِّس تفوق تطبيقاتها ومحرِّك بحثها، مما يُعدُّ ضرباً من الاحتكار، الذي يضيِّق دائرة المنافسة، ويقتل ـ على المدى البعيد ـ الخلَّاقية ويميت التحفُّز، ويطفئ جذوة الإبداع والابتكار!
إن هذا التنوُّع الذي مضى عليه الشيعة والتزموه أبداً، يعني فيما يعني، احترامهم للآخر، وتفهُّمهم للفرق بين العقيدة أو الفكرة وبين مناهج العمل وسبل التطبيق، واستيعابهم الإتفاق على حب الحسين وولائه، مع الاختلاف في طرق التعبير عن هذا الحب، والتفاوت في صوَر تجسيد هذا الولاء.. والأهم الأعظم، يعني التواضع في النفوس المؤمنة، ونفي الكبر والطغيان، حين تتفهَّم، في أمر التطبيقات، أن هناك هامشاً واحتمالاً للخطأ هنا، ومثله للصواب هناك، فلا تقمع ولا تضطهد ولا تنكِّل، ولا تفجر في الخصام.
آن للإخوة الموالين لإيران أن يفقهوا أنها معطيات مرنة، وخطوط باهتة، ونطاقات متحركة، لا تحدِّد إطاراً ولا تحسم جدالاً، لا حق مطلق هنا في قبح التطبير، ولا حقيقة جلية ساطعة في كونه شراً، من قبيل ما يكون في الأفكار والمعتقدات التي تستند إلى حجج علمية، وتقام عليها الأدلة والبراهين، فتقول إن التوحيد حق والشرك باطل، وإن الغدير عدل والسقيفة ظلم، وإن صلاة الفجر ركعتان لا ثلاث، والصيام في رمضان لا شوال، والقبلة مكة لا القدس… إن تشخيص الموضوع في شين التطبير أو زينه، هو من قبيل زعمك أن تدخُّل إيران في القضية الفلسطينية ودعمها حركة حماس يخدم المذهب، وقول الآخر إنه هدر للمال وتأليب للعالم علينا بلا طائل، أو ادعاءك أن الشعب في إيران يحبُّ حكومته، وقول الآخر إنه يكرهها ويتمنى زوالها… لا أنت تستطيع إثبات ما تزعم، ولا هو بقادر على ذلك. هذا في عالم الدليل والبرهان والعلم والمنطق، أما الهراء الذي يمارسه الإعلام، والزيف والدجل الذي يقوم به المسفود قصير في الكوثر، والطنبور أبوزكريا في الميادين، وحشو وطغام على وسائل التواصل الاجتماعي، فهو من العته والسفه في بعضهم، والشيطنة والنكراء في آخرين.
وبعد، فمما على القوم أن يقوموا به ويبادروا إليه، هو أن يخرجوا من القوقعة والنطاق الحزبي والغذاء التلقيني الذي يحجر على عقولهم وما زال يزري بها وبهم، ليروا أن أتباع المراجع العظام (الولائيين الشعائريين والمطبرين الحسينيين) ليسوا منغلقين رجعيين، ولا انطوائيين سلبيين، كما أنهم ليسوا سذَّجاً بُسطاء، وأغراراً مغفَّلين، إنهم متابعون نشطون، يتحركون في قلب الساحة، وقرَّاء جيدون، ومتفاعلون مع الأحداث، بل فاعلون في الصميم، حتى على الصعيد السياسي الذي يعنيكم، فهم ليسوا منقطعين عن محيطهم، ولا منشغلين عما يدور حولهم من أزمات إقليمية وعالمية، وحرب مضائق ومنع تصدير النفط، بل نُذر حرب كبرى تكتسح وتستأصل، وتفني وتبيد… إنما هم من الوعي والبصيرة، والسعي للحق والحقيقة ما يحصِّنهم من الانفعالية، ويمنعهم عن الاندفاع الأهوج والارتجال العاطفي، لا يسمحون لمعطيات، مهما عظمت، أن تشغلهم عن دورهم وتكليفهم، وتنتقل بهم، من آفاق إلهية تتصل بالهدف من خلقهم، إلى نطاقات متسافلة في الارتهان للحس والمادة، وتغليبها على المعنى والعبادة. شأن الإلهيين الربانيين، لا تخدعهم المظاهر ولا تأخذهم الجلبة والصيحة، يمضون على بصيرة من أمرهم، يعرفون إمامهم، وينتظرون معركتهم، ويرتقبون دولتهم، ولن يستدرجهم أحد ويجعلهم ورقة مقامرته أو دابة مغامرته، ولا وقود حربه وحصب جحيمه.
دع عنك العلمانيين الشيعة، وخطابهم الذي بلغ في رسالة أحدهم الكفر البواح… لا يوجد مؤمن ملتزم، وحتى غير ملتزم، يرضى بالأذى لإيران، وكذا للعراق والخليج ولبنان وباكستان وآذربيجان، وأيِّ بلاد الشيعة وأوطانهم، بعيداً عن الأنظمة الحاكمة والمعطيات السياسية، فمن يتحمل العبأ ويرزح تحت ألم العقوبات هم إخوة لنا مؤمنون، ولا سيما الفقراء المستضعفون، والحرب إن لم تسقط النظام، فهي ستخلِّف دماراً كارثياً يُرجع إيران في العمران والتطور المدني عشرات السنين إلى الوراء، ما سينسيها حربها على الشعائر الحسينية وتقويضها الحوزة العلمية وإسقاطها المرجعية.
هذا ما خلص إليه النقاش مع الإخوة الذين كانوا يبتهلون بالدعاء على إيران:
هناك مطالب سياسية تتمثل في قطع التدخل الإيراني في بلادنا، ولا سيما عبر الأحزاب والتنظيمات التابعة للجمهورية الإسلامية، ولكننا لا نخوض هنا في هذا الأمر، فهو مما تحكمه الأنظمة والقوانين في كل بلد، من سعة الديمقراطية والقانون، وسماحه بنشاط كل فئة حسب قناعاتها، أو عدم سماحه بذلك… ولكننا نطرح هنا قضية بعينها دون غيرها، ونلاحق هدفاً محدداً واضحاً، هو ان يكف النظام الإيراني عن التدخل في ديننا، ويقطع توغلاته في عقائدنا المقدسة وشريعتنا الغراء.
وما دام السيد الخامنئي التفت أخيراً ـ كما قيل ـ لضرورة رأب الصدع في الجبهة الداخلية، والعمل على إطلاق سراح السيد الموسوي والشيخ الكروبي، والإصلاحيين الذي اعترضوا على تزوير الانتخاب الثاني لأحمدي نجاد… فإننا نتوجه إليه بطلب ورجاء، ونصيحة صادقة مخلصة، أن يكف أيدي المرتزقة عن الشعائر الحسينية. ليقدم السيد بشجاعة ويطوي هذه الصفحة، إما بقناعة يستقيها من الحق، ونبل يستمده من سيادته وأصله الشريف، أو من معطيات سياسية موبوءة وصفقات تجارية يفرضها الظرف العصيب الذي تمر به دولته، ما يكفي به الله المؤمنين شر القتال في موسم العزاء القادم، ونحن نقف على أعتابه.
التعليقات