إن عاجلاً أو آجلاً، سيأتيكم الموت الزؤام، وتفطسون من غير ميعاد، ستلتف الساق منكم بالساق، وتُسمع من حناجركم حشرجة وفي صدوركم غرغرة، أشبه بالنخرة والشخرة، من احتباس النفَس الأخير، حين لا يخرج ليعود، حتى تُسلِموا الأرواح، وتتركوا الأبدان التي تهالكتم في إرضائها، وطلب النعيم لها، هامدة، بين ورثة يسارعون إلى ما جمعتم وكنزتم، وسيبتلى التعساء بتركتِكم، ويتلوثون بما خلَّفتم لهم من سحت وقذَر! عما قريب ستنتهي المغامرة وينقضي السفر، سيصيح بكم سائقكم فترحلون، وتتركون هذا المنهل الحلو الذي تكرعون منه المال والجاه، وتستقون السلطة وتزعبون الشهرة، وستغادرون اللذات التي فيها تقيمون وتتنعمون، فينكشف لكم وترون بأعين زال عنها الغطاء، أنها كانت حميماً تشربونه غساقاً، وعلقماً تتجرعونه زعاقاً، وسم أفعى تسقونه دهاقاً، وقلادة من نار تهقكم (كما الأنشوطة وحبل المشنقة) خناقاً…

سنموت وتموتون… والعالم القادم لا فضائيات فيه ولا افتراضيات، لا دول تسود ولا حكومات تبطش، لا أموال تغري ومناصب ورئاسات تغوي، ولا أحزاب تمنع وزعامات تدفع، لا مخابرات ترعب ولا دعايات تخيف وتهاب. لا لَبْس هناك ولا زيف، لا تضخيم لتوافه ولا تعظيم لحقراء، لا مبالغة في قليل ولا تهويل ليسير. ما هي إلا الحقائق، تتجلى وتظهر، تحكم وترغم وتقهر، وأربابها في عزٍّ وزهو وظفر، يرفلون في رياض الجنان، وأنتم ترددون: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من السذَّج البسطاء، وغير المثقفين الجهلاء، والعوام المشوهين لصورة الدين، والغافلين عن مواطن الجهاد والمنشغلين بإعداد “القيمة” ومسح أحذية الزائرين، لاهين بهذا عن نصرة قضية فلسطين!

سترون كيف تنقلب دمعة واحدة أريقت على الحسين إلى بحر زاخر بل محيط متلاطم من الأنوار، وكيف يمكنها أن تغمر ظُلمة المعاصي والذنوب، فتتلاشى في غمارها، بل تتبدَّل وتستحيل وتلحق بلجَّة تعلوها، كأنها تعزِّرها وتؤدبها، أو تخفيها وتداريها، فلا يُفتضح صاحبها، لتصير نوراً وتنقلب حسنات! وستشهدون ـ من بعيد ـ قصوراً وأنهاراً وجنات، كلها تولدت وخلقت من نفَس مغموم وزفرة مهموم لمصاب سيد الشهداء، بل من محض تكثير السواد في مجالس الرثاء، والمشاركة بأي نحو في إحياء ذكرى كربلاء…

اعقدوا أنتم هنا الندوات وأقيموا المؤتمرات، اصنعوا الأفلام وركِّبوا المشاهد وافتروا الآراء، انسجوا خيالكم بساطاً وحيكوا أوهامكم غطاءً ودثاراً، افترشوا ذاك والتحفوا هذا، وناموا ما نامت أعين الفجرة الأشقياء، واعلنوها في محطاتكم وقنواتكم أنكم انتصرتم وحققتم ما أراد السلطان منكم، وبلغتم رضى الشيطان عنكم.

دلِّسوا ما استطعتم على الناس، حرِّضوهم على ترك الحضور في المجالس بهراء ضرورة إصلاح المنبر وتطوير الخطابة. ابعثوا فيهم الاشمئزاز من أنماط العزاء بقصص تقزُّز الأجانب وحكايات استهجان الأغراب، اسلبوا عن سيرة عاشوراء وهج بطولاتها، وأزيلوا منها فجعتها وحرقتها، وألغوا امتيازها وخصائصها ومستثنياتها، نزِّهوها عن الأساطير والخرافات، بتشكيكات ومزاعم الوضع في السيرة وضعف السند وعدم الاعتبار، واخلطوا بين الفقه والتاريخ في الثبوت، وبين العقل وسقيم أفكاركم، والغيب وحسيَّة عقيدتكم، فما يُدري العوام؟ ألِّبوا الناس وحرِّضوهم على الإمساك عن البذل، ووجهوا الأموال لتزويج العزاب وإعانة الفقراء، بل للقيام بمهام الدول والحكومات من بناء المدارس والمستشفيات، وشق الطرق وتشييد الجسور، وإقامة محطات تحلية المياه. اصرفوا الأطفال عن هذا الفضاء العرشي واحرموهم الأنفاس الملكوتية المترددة في هذه الأجواء، وخذوهم إلى حلقات حزبية بحجة خطاب يناسب أعمارهم، وثقافة تنفع تربيتهم. عبئوا الشباب لحملات نظافة الشوارع وقوموا بدور البلديات، المهم أن تفرغ المجالس ويحرم النجباء من الاستماع، وماذا عساهم أن يستمعوا غير مكررات؟! أقيموا محترفات الرسم، ومسابقات الأرقام القياسية لغينس، وادعوا ـ أي أرباب التجديد ومواكبة العصر ـ للبقاء في البيوت وراء التلفزيونات والاستماع لمحاضرات الستينات والسبعينات! المهم أن تخلو المجالس وتضعف الشعائر…

سترون كل هذا أمامكم… وعند الصباح، يحمد القوم السرى، فلا تبرير يجديكم ولا مزاعم تنفعكم ولا احتجاجات تنقذكم، فالسرائر هي التي تنطق وتصرِّح وتشهد، وتنادي بأنكم كنتم تمتلئون حنقاً من المجالس والمواكب، ومن البكاء والرثاء، لن يجديكم أي دفاع، لن تنطلي هناك أكاذيب الإصلاح. والقلة القليلة من الحمقى والمستغفلين منكم، سيواجهون بعشرات المرات التي تمت فيها الحجة عليهم، وساعات قضوها في غير شأن، لم يصرفوا دقائق منها للتثبت والتحقق من هذه الحقيقة.

عيشوا القضية وعياً كما تدَّعون، وخذوا الناس إلى الجهاد تحت راية الضلال، والنضال صفاً مع الإخوان المسلمين وحماس، عظِّموا علي شريعتي وسيد قطب وحسن البنا والطليعة الواعية من الأمة، وإن لم تذكروا الأسماء، واكبوا التطوُّر العلمي، وتحدَّثوا عن الصناعات والاختراعات، واقلبوا الحسينية كلية علوم وأكاديمية، جاروا التمدن والتحضر، واستلهموا من الملحمة الحكَم ومن السيرة العِبَر ثم اعملوا ـ إن صدقتم ـ بها، عيشوا عُقدكم وحقارتكم وضعتكم واظهروا بما يُرضي الآخر عنكم، ولن يرضى حتى تكونوا منه ويكون منكم! اسعوا سعيكم وتهالكوا حتى تتقطع أمعاؤكم وتتفتت أكبادكم، وتسكت عن الخفق قلوبكم حنقاً، وتموتون غيظاً وكمداً…

لن نترك الحسين، سنبقى كما نحن، نجتمع ونبكي ونلطم ونطبِّر، وسنمضي نقيم المواكب ونُطعم، نجلل الدنيا سواداً ونملؤها ضجة ونواحاً، نمسح على جراح المولى، ونواسي شفيعتنا الزهراء..

نحن وأنتم هنا في ليل بهيم، ومسرى مضنٍ عصيب، تحفُّه الأخطار وتكتنفه الأهوال، نكدح كدحاً، نثني فيه على الأفكار والأشخاص ونقرِّض ونمدح، أو نهجو ونشين وندين ونقدح، كلٌّ يغني على ليلاه ويتمسك بدعواه… وهناك ستقرُّ ليلى بحبيبها، وتنبذ الكاذب والمتاجر، أو الجاهل الواهم. أنتم في جبهة ونحن في أخرى، أنتم فريق ونحن فريق، وسنرى غداً لِمن الفلج والظفر، ثكلتكم أمهاتكم، وأراح الله العباد من شروركم والبلاد من فتنكم، هذا سلاحنا، قد شهرناه، وسهامنا قد أرسلناها ندرأ بها في نحوركم، ونحن من بعدها أحلاس مآتمنا ونزلاء مواكبنا، لا نبالي بكم ولا نكترث لضجيجكم، ولا نحمل من همٍّ إلا أداء ما يسعنا تجاه سادتنا.

Posted in

التعليقات