هذه ترجمة للتسجيل المصوَّر المرفق، الذي نشره مركز الإسلام الأصيل للثقافة والإعلام، وهو وحدة إعلامية تتبع مكتب السيد الخامنئي مباشرة. كما نشر موقع “الخامنئي” (KHAMENEI.IR) في شبكة الإنترنت الترجمة أيضاً، ككلمة له في مستهل بحث خارج الفقه الذي يلقيه على جمع يبلغ مئات “الطلبة” و”العلماء”، تناول فيه حديثاً شريفاً للإمام الصادق عليه السلام… وفي هذه الدقائق الست وقع السيد الخامنئي في أخطاء علمية فاحشة، تعتبر فضيحة بجميع المقاييس!
قال: [“عن أبي قتادة عن داود بن سرحان قال: كُنَّا عند أبي عبدالله عليه السلام إذ دخل عليه سدير الصيرفي”. سند هذه الرواية من الأسانيد الجيدة جداً. طبعاً لم يجرِ توثيق سدير الصيرفي، لكن لا أهمية لذلك، لأنه ليس الراوي، فالراوي هو داود بن سرحان، وهو داود الرّقي (!) وهو ثقة، والسند سند جيد. يقول كُنَّا عند الإمام إذ دخل سدير الصيرفي “فسلَّم وجلس، فقال له”. والظاهر أن الإمام ابتدأه، من دون مقدمة، ومن دون أن يعمد هذا المسكين إلى السؤال أو يتكلَّم بشيء، توجه إليه الإمام “فقال له يا سدير ما كثُر مالُ رجل قَطُّ إلَّا عظُمَت الحجَّة لله تعالى عليه”، وكان سدير الصيرفي من أهل الصيرفة، والصيرفي هو الصرَّاف ومن يشتري الدنانير والفضة (الدراهم) وما إلى ذلك ويبيعها، ويفترض أن يكون شخصاً ثرياً. بمجرَّد أن جلس، إلتفت إليه الإمام وقال: “يا سدير! كلُّ مَن كثر ماله ازدادت وعظمت حجُّة الله عليه”…], ثم استطرد السيد الخامنئي هنا وجاء على ذكر كلمة لأميرالمؤمنين، وكأنه يعلَّل مقابلة الإمام الصادق لسدير بهذا القول، أو أنه وقع في خلط وعرضت له هفوة ذهنية أنسته البحث وما هو فيه، ولكننا نحمله على الفرض الأول، فقال: [لأنّه “ما أخذ الله على العلماءِ ألَّا يُقارُّوا على كِظَّةِ ظالم ولا سغَب مظلوم”، هذا هو الأمر، أخذ الله تعالى عهداً وميثاقاً من العالمين ـ وليس العلماء بمعنى الفقهاء فقط ـ من أهل العلم والمعرفة والنخبة والزبدة في المجتمع، بأن لا يصبروا على جوع الجائعين وتخمة المتخمين الأغنياء، بل يجب عليهم أن يعترضوا. عليهم أن يعترضوا إذا وجدوا ظالماً ثرياً متخماً و(كذا) مظلوماً جائعاً. حسنٌ، هذا حجَّة الله، و(هو) عهد وميثاق إلهي. هنا يقول الإمام لسدير: إذا كثر مال امرئ عظمت حجّة الله عليه وثقلت وسوف يحتجّ الله تعالى عليه. الشخص الذي لا مال له وضعه حتماً مختلف عن وضع الشخص الذي له أموال، وتترتب على الأخير واجبات. “فإن قدرتُم أن تدفعوها عن أنفسكُم فافعلوا”، إن استطعتم أن تبعدوا وتدفعوا عنكم هذه الأموال الكثيرة فافعلوا ذلك! حسنٌ، كيف ندفعها؟ هل نرمي الأموال في الماء أو البحر أو البئر مثلاً؟ أو نسرف في الإنفاق في غير مواضعه من أجل أن نفني الأموال، فننفق إنفاقات غير مبرَّرة؟ ليس هذا هو المراد. “قال له يا ابن رسول الله بماذا؟” كيف ندفع هذه الأموال عن أنفسنا؟ “قال: بقضاء حوائج إخوانكم من أموالكم”، هذا هو السبيل، أن تنظروا ما هي حوائج إخوانكم في أموالكم فتقضوا تلك الحوائج. البعض متمكِّنون مالياً لكنَّهم يأتون إلينا ـ لأنَّ بيت المال في أيدينا، فيطلبون منَّا ـ ويقولون مثلاً إنَّ فلاناً محتاج فأعطه بعض المال. يا رجل، أنت تملك المال فأعطه أنت! فإذا لم تستطع، عند ذلك تعال إلى بيت المال. يصعب على البعض أن يقتطعوا شيئاً من أموالهم وينفقوه في سبيل الله. يقول الإمام هنا: إبعد هذا المال الفائض الزائد عنك كيفما استطعت. وبالتأكيد، كيفما استطعت بمعنى أن تعطيه لإخوانك المحتاجين وتقضي حوائجهم]. انتهى التسجيل.
وهنا وقفة لا أريد منها إدانة السيد الخامنئي وفضحه، فللرجل عذره من الانقطاع المتمادي عن الأجواء العلمية، محاورات ومطالعات ودراسات، والانفصال التام عن معترك التحصيل والتدريس في الحوزة، والانشغال منذ أربعين عاماً (بل حتى قبل انتصار الثورة، فقد قضى السيد عمره مطارَداً أو رهن الاعتقال) بالشأن السياسي، بل الإداري، الذي نهض بأعباء ثقيلة وخطيرة، لا تترك له سعة لمطالعة، وفراغاً لمباحثة، وفرصة للتفكير في غير الحرب والصراعات المحتدمة على مختلف الجبهات الداخلية قبل الخارجية… بل تريد إدانة الحاشية، ولا سيما الحضور من “الطلبة” الذين لم يعترض ويستشكل منهم أحد، ثم الجهاز الإداري الذي يحيط بالسيد القائد، الذي نشر التسجيل مفاخراً ومباهياً، لا توقفَ ولا تمهَّل، لا سأل ولا استوضح، وكأن الجهل قد أطبق على ذلك الفضاء وحكم، فلا رائحة لشمَّة فضل، ولا بصيص نور لعلم وفهم!
لقد شطح السيد الخامنئي في فهم الحديث وأُخذ، فحسِب أن قول الإمام عليه السلام “فإن قدرتُم أن تدفعوها عن أنفسكُم فافعلوا” يعود إلى المال! والحال أن السؤال في “كيف ندفعها” يعود إلى “الحجة”، بعد أن قال عليه السلام: “ازدادت وعظمت حجُّة الله عليه”. فسدير يسأل كيف يدفع الحجة عن نفسه، فيبين له الإمام أن ذلك يكون بالإنفاق والبذل على الإخوان. ومع أن الأمر واضح جلي لا يخفى على أقل الطلبة، لكني لفرط الدهشة والعجب حملت السؤال إلى عدد من الفضلاء، فجاء الجواب جازماً ببعدِ وخطأ الوجه الذي انتزعه السيد القائد.
ثم أنه ـ غفر الله له ـ وقع في فضيحة أخرى، حين جعل داود بن سرحان الثقة، هو نفسه داود الرقي! والحال أنهما شخصان: داود بن سرحان العطار، وداود بن كثير الرقي، ثم أن ابن سرحان لا خلاف في وثاقته، ولكن داود بن كثير الرقي تعارض فيه تضعيف النجاشي مع توثيق غيره.
ومما علينا أن نستحضره هنا فلا نغفل عنه، أننا في رحاب هذا التسجيل المصوَّر والكلمة الملقاة، لسنا مع مقالة صحفية يكتبها مثقف غريب، أو متطفل على علوم الدين، ولا في مقابلة تلفزيونية عابرة تجرى مع معمم على قارعة الطريق، بل نحن في بحث الخارج، أي قمة وذروة الدراسات الحوزوية، والعرض الأكثر عمقاً ودقة، يلقيه رجل لو توقف أحدٌ ـ كما يُدَّعى له ـ في تسلُّطه على الفقه، وتردَّدَ في مُكنته من علم الأُصول، فلن يسعه إلا الإذعان لقوته وبراعته في علم الرجال! ثم تراه يجهل معلومة مبذولة يمكن نيلها بأدنى مطالعة ومراجعة، دون تبحُّر وتضلُّع واجتهاد، فيحسب داود بن سرحان هو داود الرقي!
وأكثر ما أخشاه أن استنباط الأحكام في منظومة القوم يجري بهذه الكيفية من السلق واللعق والازدراد، والتسرُّع والإعجال والارتجال، وهناك عنق من الناس يدينون ربهم بها، ومواقف يتعلق بها مصير البلاد والعباد، بل الشيعة في المنطقة والعالم، فلاحاً وإعماراً أو خراباً ودماراً، تبنى وتترتب عليها…
والطامة من بعدُ في الثقة المفرطة التي يتعاطون بها، وهي نزعة لا تأتي إلا من تيه واغترار وزهو وخيلاء، وهي سمة تلحظها حتى على الاتباع في طروحاتهم ومشاركاتهم “العلمية” في غير ساحة وميدان، تحمل جزماً وقطعاً لا يكون إلا عن كشف وعيان أو من علم بيقين، والقوم في حضيض وخبط ـ كما رأيت ـ لا يميز الشمال عن اليمين.
إن السبيل الوحيد لمعالجة هذه الحالة، هي فتح باب الحوار، والسماح بالنقد والاعتراض، عبر إتاحة الفرصة لكافة الطلبة بالمشاركة والحضور، ما يصحح الأخطاء ويمنع الشطحات، ويحيي البحث ويبعث فيه الروح، بعد موته على يد الحضور المخابراتي والحشد الحزبي المسبِّح بحمد ربه، والمقدِّس لولي أمره.
التعليقات