كثيرا ما تتقاطع المصالح الأمريكية مع الإيرانية، أمريكا الاستراتيجية، لا المقطعية الترامبية، هذه العارضة التي ينتظر الطرفان انقضاءها على وعود أو آمال بعدم تمديدها لفترة رئاسية ثانية، ومن هنا تصبر إيران وتتحمَّل وتمارس عضِّ الأصابع، وفي المقابل تتمادى أمريكا وتبالغ في الحصار وتغرق وتفرط في الاستفزاز، عسى أن يبلغ الاستدراجُ السقوطَ في المواجهة، وإتاحة الفرصة ولو لضربة خاطفة تعيد الصناعة العسكرية الإيرانية عقوداً إلى الوراء… أما أمريكا الدولة الكبرى والقوة العظمى، ففي استراتيجيتها مصالح كثيراً ما التقت وتقاطعت مع مصالح إيران، التي يصفها بعضهم بالعدو الودود، ولربما بالصديق اللدود! وقد ظهر ذلك بوضوح عند إسقاط طالبان في أفغانستان، والقضاء على صدام في العراق، ومواقع أخرى كانت آخذة في الظهور والانكشاف لولا ما باغتهم من عارض ترامب، وحمَّى اليمين المسيحي الإنجيلي (المسيحية المتصهينة).
وفي السياسة التفصيلية يظهر في مواقع الاتفاق بين الطرفين، الالتقاء على تحجيم حوزة النجف وإسقاط المرجعية العليا المتسيِّدة هناك! منذ أن نحا السيد السيستاني نهجاً بعيداً عن الجمهورية الإسلامية، في فكره ونظرته السياسية، ثم في تطبيقاته ومواقفه، التي يمكن اختصار مفاصلها التاريخية في: منع مواجهة الإحتلال بـ ”مقاومة” عسكرية ووسائل عنيفة، والاكتفاء بالسلبية المتمثلة بالمقاطعة. وفي العمل على إنهاء الإحتلال وعودة السيادة للشعب العراقي، عبر الإصرار على طَي صفحة “مجلس الحكم” (الأمريكي)، ووضع دستور، وإجراء انتخابات، وتشكيل دولة وسلطة مركزية تحافظ على وحدة الشعب واستقلال البلاد. ثم في الفتوى التاريخية بجهاد الإرهاب التكفيري، ونجاحه في القضاء على داعش ومشروع المؤامرة التي كانت تريد الإرهاب قنطرة تعيد البعث أو تعيد تسلُّط الأقلية المذهبية العميلة لهم. هذا من جهة الأمريكان، الذين ظهر بوضوح انزعاجهم من هذا الاعتدال، واستياؤهم من الحكمة البالغة في الأداء، وامتعاضهم من الحركة الرصينة التي تمضي على نحو أورث أعداءها الدهشة والحيرة. وكأنهم أرادوا للسيستاني أن يجاري النموذج الإيراني، يتحداهم ويواجهم بقوة، فيُضرب ويُقمع ومعه الشيعة، يُدمَّرون ويُكبتون، فلا تقوم لهم قائمة تملك خياراً وتفرض قراراً، فتنفرد أمريكا وعملاؤها بالساحة، يأخذونها حيث شاؤوا وفق الخطة المعدَّة للعراق والمنطقة! ولك أن تقرأ الحال كمشهد من مشاهد سخرية القدر، أو مفارقات اللعبة السياسية، فالأمريكان (ومعهم الإقليم الحليف) باتوا يعاقبون النجف ومرجعيتها على عدم سقوطها في الإتجاه الإيراني!
أما الإيرانيون فقد أصبحت النجف، وبات السيد السيستاني، بمقامه العلمي ومواصفاته وخصائصه، وتوسُّع مرجعيته واطراد أعداد مقلديه وأتباعه، هاجساً مقلقاً منذ اللحظة الأولى لظهوره، وما سجلته الدوائر وصنَّفته “أكبر تهديدٍ” لمشروع “مرجعية” ولي الفقيه وزعامته المطلقة للشيعة في العالم، التي كان يُعدُّ لها ويُرسم بدقة وإحكام منقطع النظير.
في أفق النجف الأشرف اليوم، ترتسم حلبة صراع عظيمة، يتَّسع نطاقها وتمتد حبالها لتعانق أعمدة الأركان في طهران وواشنطن وبغداد، وتعود لتُعقَد أو توصل نهايتها ببدايتها، في شارع الرسول… هناك صراع مرير ومواجهة محتدمة منذ أمد يناهز ثلاثة عقود ونيف، حين تولى السيد الخامنئي القيادة، وتقرَّر تكريسه زعيماً مطلقاً للشيعة في العالم. أخذ الصراع شكلاً تقليدياً في بدايته، تمثَّل من جهة في تحمُّل السيد الخامنئي إرث حزب الدعوة الإسلامية، وصراعه مع حوزة النجف وموقعها الروحي، ومن جهة أُخرى ـ أكثر خطراً ـ سعي إيران للتوسع وبسط مرجعيتها الدينية والسياسية، وكغاية نهائية: كسب موقعها الأعلى لصالح ولي فقيهها. فلما اصدمت القوى الموكل إليها الأمر، والعاملة في الشأن (من حرس واطلاعات وإعلام وخارجية، حتى الفرق والوحدات والشخصيات المرتبطة بمكتب السيد القائد وإدارته المباشرة) بواقع قوة النجف الأشرف، وشعرت بسطوة الكيان الروحي المهيمن هناك، وعظمة السلطة المعنوية النافذة، والقوة القاهرة المتدفقة التي يتراجع أمامها الجميع، حتى الميليشيات التمردة، والقوى الفوضوية الموغلة في العصيان، التي لا ترقب حدّاً ولا تعرف ذمة!… أدركت إيران عجزها عن تحدِّي معطيات الصراع ومتطلبات المعركة (مع ما صرفته من أموال وبذلته من جهود نهض بها الآصفي، ذهبت كلها أدراج الرياح هباء منثوراً)، ولا سيما مسألة البُعد أو الجانب العلمي، فالسيد القائد لم يحظ باعتراف ـ واقعي حقيقي ـ في قم، فكيف بالنجف؟! عندها استدركت يأسها، وما وقفت عليه من عسر الأمر، بل استحالته، وعالجت خيبة السعي وخسران الصفقة، بتقديم بديل يقطع الحجة ويسد الذريعة، فانتدبت السيد محمود الهاشمي الشاهرودي وقدَّمته، بل دفعته دفعاً لتجعله زعيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف، فهو ابنها وخريجها، وعالم مشهود له بالفضيلة، غاية الأمر، أن هناك من يتوقف في عدالته، التي تلوَّثت مع توليه السلطة القضائية ومظالمها الشنيعة، بل قبلها، مع شهادات الزور التي أصدرها، ما أفقده الوثاقة وأسقطه عن الاعتبار، لكن ـ في القراءة الإيرانية ـ فإن المال والإعلام كفيلان بتوفير ما يطمس ويقفز على كل هذا وذاك، ويغيَّر الصورة إلى بيضاء ناصعة… ولكن يد القدر اختطفته، وما أمهلته!
من هنا وهناك، من تواطئ دوائر المخابرات الإقليمية والعالمية، على اختلاف مشاربها وتعدُّد مصالحها، تستعر الحرب على المرجعية العليا، ويبلغ العداء مبلغه الذي نشهد ونرى، وما عليك إلا الرصد بوعي والمراقبة ببصيرة، لترى كيف ترجع المظاهر إلى خلفياتها، والظواهر إلى جذورها وبواعثها، وتنكشف لك بين هذا وذاك الرؤوس التي تدبرها والأيدي التي تحركها، وكلها ترمي هدفاً بعينه دون غيره: إسقاط المرجعية!
والأمر في هذا على سواء، من تيارات دعاوى النيابة والسفارة المهدوية كجماعة “أحمد الحسن اليماني” البصري، وحركات ”جند السماء” و”الممهدون المولوية” و”أبناء الله”، أو من “مرجعيات” مزيفة وعناوين منتحَلة كاليعقوبي والصرخي والبديري، مروراً بصعاليك لندن المرضى المعقدين ياسر وعبدالحليم، والسفلة الجبناء ميثاق وسليم، إلى جراء بيروت ونباح عودة المسعور، وقهقهة قردة طهران الحيدري وقصير، ونقيق علاجم الأحساء المومس والطالح المسبِّح بالعود والطنبور، الذين لم يوفروا سبيلاً للنيل من المرجعية ولا سيما السيد السيستاني إلا سلكوه، فإن سقط في أيديهم وأعيتهم الحيلة في شخص سماحته، نالوا من وكلائه في العتبات المقدسة والأوقاف وأينما كان للمرجعية بصمة تفضح أداء الفاسدين وتعرِّي فشلهم، وهي تعالج الحال بنزاهة وإتقان.
إن نداءات ترك التقليد، وإثارات البحث في أدلته، التي يقودها حداثويون تافهون، وما تلهو به وسائل التواصل والفضائيات من الطعن والتشوية، كلُّها تصب في مجرى واحد وترمي نفس المحصلة: إسقاط الحوزة والمرجعية، ولا سيما السيد السيستاني!
من هنا كانت الصيحة التي علت بالأمس من عناصر “صرخية” في حرم سيد الشهداء أثناء صلاة الجمعة الماضية، زعقة شيطانية تأتي في هذا السياق. ومن هنا أيضاً يأتي الخطب الأخطر: إطلاق يد البهرة في عتباتنا المقدسة، حتى خُصِّص لهم ـ دون غيرهم من سائر الزوَّار الكرام ـ أجزاء من الحرم الشريف وأوقات يقيمون فيها طقوسهم الباطنية الخفية، التي يُبجَّل فيها ويفخَّم سلطانهم الذي ينازع ـ بلا مواربة ـ الحجة بن الحسن صلوات الله عليه الإمامة! يجري كل هذا في عهد يفترض أنه “حكم شيعي” بعد أن كانوا، في فترات سابقة، إبان حكومات العهود الملكية والعارفية، لا يسمح لهم بمجرد دخول الحرم! يبدو أن أمريكا والإقليم المتضرر من العراق الجديد، يريد أن يُحمِّل الحوزة والمرجعية (وعموم الشيعة الملتزمين) كُلفة باهظة، وسعراً مغال في الارتفاع، كثمن يُدفع إزاء سوقهم العراق وأخذه نحو نظام مدني، يكفل الحريات الدينية، في العقائد والشعائر والطقوس! فكأنها تقول: ها قد غزتكم “الحرية الدينية” ـ التي تريدون ـ في عقر داركم، ونالت منكم في أقدس مقدساتكم!
باختصار شديد وإيجاز لا يتكلَّف: لا تتحدوا السيستاني ولا تختبروا غضبته! كل من تحدى السيستاني أخفق وسقط، وكل من تطاول عليه اندحر وهلك! السيد لا يملك ميليشيات ولا مخابرات، ولا أحزاباً سياسية ولا منظمات، إنما يملك محبة في قلوب المؤمنين تجعلهم طوع بنانه ورهن إشارة فتواه وحكمه. ويملك ـ من قبل ـ ورعاً وتقوى تستنزل غوث السماء، وإيماناً وإخلاصاً يجتذب عناية الناحية المقدسة، فيحظى بنُصرة تنماث أمامها العوائق، وتذوب في طريقها الصعاب، لا تنزاح وترحل، بل يقضى عليها وتُباد. ومن أراد التجربة والامتحان، فهذا الميدان يا أمريكا ويا إيران!
التعليقات