كانت الشهرة أمراً عظيماً عزيز المنال، قلَّ أن تتفق وتقع لأحد، ولا تلحق إلا الأوحدي الألمعي، المتميز بالنبوغ، المتفرِّد في حقل ومضمار، المتمتع بعبقرية ونُدرةٍ لا تكون إلا في الأكابر والأعاظم وأقطاب الناس وغطاريفهم… فهي لا تأتي إلَّا من زعامة ورئاسة، أو ثراء فاحش، ولا تكون إلا لتميُّز في صَنعة وألَق في ميدان، علم أو أدب أو شجاعة أو جود وسخاء، (وقد تأتي من إغراق في رذيلة وتمادٍ في عار واستيلاء منقصة، بخل أو جبن أو حمق وخرق، لكنها بطبيعة الحال لا تكون مما يُمدح ويُطلب). فإذا كان من أحدهم هذا التميُّز، تناقلته الألسن وتداولته المنتديات، ضربت به الأمثال، ونظمت فيه الأشعار، وسارت به الركبان.

وطلب الشهرة وحبُّ انتشار الصيت، في نفسه، من الشهوات المستحكمة في النفس البشرية، وصنَّفها علماء الأخلاق في المهلِكات العظيمة التي قلَّ أن ينجو منها أحد، وهي تختلف عن الشهرة التي تلحق الصلحاء والأولياء الكُمَّل، دون سعي منهم وتكلُّف لأسبابه يصدر عنهم، ممن تأتيهم تبعاً لحكمة إلهية يتم من خلالها نشر الدين وإحقاق الحق، لذا تراهم، كما ذكر المرحوم النراقي في “جامع السعادات”، يفرون منها فرار الرجل من الحية السوداء، حتى أن بعضهم إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة قام من مجلسه، وبعضهم إذا تبعه أُناس من عقبه التفت إليهم وقال: “علامَ تتبعوني؟ فو الله لو تعلمون ما أُغلق عليه بابي، ما تبعني منكم رجلان”. وبعضهم يقول: “لا أعرف رجلاً أحبَّ أن يُعرف، إلَّا ذهب دينه وافتُضح”. وآخر يقول: “لا يجد حلاوة الآخرة رجلٌ يحب أن يعرفه الناس”. وآخر يقول “والله ما صدق الله عبدٌ إلَّا سرَّه ألَّا يُشعَر بمكانه”.

ومع تطوُّر وسائل الإعلام والاتصال، وظهور الطباعة والصحافة والإذاعة والتلفزيون، كبر نطاق الشهرة وتوسَّعت دائرتها، وصارت مبذولة لشريحة أعظم، وتطال قطاعاً أكبر… حتى وقعت طفرة خارقة في زماننا، مع ظهور العالم الإفتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي، التي بذلت الشهرة وحققتها للقاصي والداني، ومكَّنت منها القريب والبعيد. ما أتاح لكلِّ نكِرة تافه، وسخيف جهول، أن يمتطي المكارم، ويعتلي صهوة الفضائل، ويتبجَّح بصفات يدَّعيها لنفسه، ويتنطَّع بإنجازات يزعم تحقُّقها على يده، يستقطب بها حشداً من رواد ورعاع ذلك الميدان، ويجمع “متابعين” من سنخه وعلى شاكلته.

يحضرني أن صبياً لم يبلغ الحلم جاءني يوماً في المسجد، يحمل “نشرة دينية” يريد توزيعها على المصلين، فلما نظرت فيها ورأيت الوهن والسخف والتهافت، سألته عن كاتبها؟ فقال أنا هو! و”النشرة” تفضح الصبي، وتُعرِّيه لتعرضه خالي الوفاض، صفر اليدين من العلم والأدب، لا يحمل إلا “أنا” متضخِّمة، ونفساً متورِّمة، حملته على مغامرة تلو أُخرى، حتى ناطح صنواً له في لندن، فصرعه ذاك وطرحه أرضاً! وكان المسكين ضحية إغواء مرجع مزيف، ما زال يجتذب الشباب بإذكاء مطامع الشهرة فيهم! يدعوهم، بل يحرِّضهم ويدفعهم للكتابة دفعاً، ويوصيهم بالنشر فوراً، حتى تزيد ـ هكذا يزعم ـ الإصدارات التي تحمل رسالة التشيُّع، أو تدافع عنه، عن تلك المعادية التي تهاجمه! لا تخصُّص في قاموسه، ولا جودة وإتقان في عرفه، ولا حتى أدنى التزام بأُصول الفن والحرفة، ما جرَّ الويلات على المذهب، ولا سيما على صعيد خلق المعقَّدين وتوليد الملحدين (الشيعة) الذين ارتدوا عن الدين من هول ما رأوا في هذا التيار، وما وجدوه في معمميه ولمسوه عن قرب من افتقاد للأُصول وغياب للقيم وعبث وجهل وفساد.

ولا ينحصر الداء في هذا التيار، بل هو مبذول في غيره، ومنهم من يحاربه منافسة على الحطام في اجتذاب العوام! في هذا السياق ترى “معمماً” تافهاً جعل الدين أُلعوبته والمذهب أداة لهوِه، فينشر صوَره وهو يضحك ويقهقه، ثم يعلِّق: “ليس الأمر بيدي إذا ابتسمت، فأنا اسمي الأصلي ابتسامة، سقطت منه الباء والتاء فصار أُسامة”! ولا يكتفي الشيطان من هَيِّ بن بيٍّ هذا بالإساءة للعنوان وهتك الزي، حتى يأخذه إلى مهاجمة التراث والطعن في العقائد وإعانة النواصب على ما ينالون من ديننا ومذهبنا.

ولا تعجب من بعدُ مما ترى في ساحة الولاء وإحياء الشعائر من طلب للشهرة وسعي لنشر الصيت والسمعة، وفوضىً جرَّتها عجلة الغلمان وأتى بها طفر الصبيان، هيئات لا تدري مَن يدعمها، وجماعات لا يعرف أحدٌ مَن يغذِّيها ويمولها، لم يُرَ رأسهم يوماً في مسجد أو صفِّ جماعة، ولا رُفعَت فعُرِفت لهم قدمٌ بتشرُّع والتزام، مجاميع صبيانية بلا كبير يرعاها بفقه وعلم، وخلايا متحفِّزة بلا شيخ يقودها بورع ويهديها بخوف من الله وإخبات، وعَصَبات لا خبير يتعهدها بوقار وحكمة، ولا حصيف يسوقها بهدْيٍ وحنكة… تتنافس فتغرق في المزايدة، ويغالب بعضها بعضاً فترفع السقف، وتذهب في المغالاة، وتتكلَّف كل ما يلفت إليها الأنظار ويدير نحوها الأعناق، بما يجتذب المريدين، ويحقِّق مزيد كسبٍ وحشد.

هذا يُدخل في “الشور”، وهو دقائق تُختم بها جولة اللطم، يبلغ فيها التفجُّع ذروته ومداه، يستوفي فيها اللاطم وطَره من الجزع على المصاب.. يُدخل فيه “رادوداً” مصاحباً، يقوم بالنفخ في لاقطة أُخرى (ميكروفون) غير التي يقرأ فيها الرادود الأول، يصدر صوتاً غير مفهوم، يفترض أنه تكرار اسم الحسين عليه السلام، لكن من فرط إعمال الصدى في مكبِّرات الصوت، وعبث المنشد في التنغيم، يغدو أشبه بالحشرجة والغمغمة، ما يصنع خلفية أو يفرش أرضية للقصيدة، ويصنع إيقاعاً مصاحباً للطم، وهو ذروةٌ ما كانت  لِتطول ـ وفقاً للأُصول ـ عن دقائق، وقمة أو قُل عرشٌ أو منصَّة تتويج، لا يصحُّ البقاء فيها والاستواء عليها إلَّا للحظات… فإذا بهم يمضون فيها لِساعات ويربضون هناك ويرتعون ولا يبالون! ما هتك الحِمى وأذهب الخفر وابتذل العزيز النادر، أفقده نكهته وأضاع عظمته، وقد صار سلعة للشارد والوارد! ولو تدبرت في الجهات الدافعة والداعمة لهؤلاء الصبية والشباب، وفكَّرت في المضلَّات الراعية لهذه الحسينيات والهيئات، ولو على نحو الاحتمال لا الجزم المبني على التحقيق والثبوت، لرأيت عجباً عجاباً، من التقاء النقائض واجتماع الأضداد، وتظافر الأصدقاء الدخلاء، مع الأجانب الأعداء، على إلهاء الساحة وتشويه الأصيل الرصين بهذا الجديد المبتدع!

ومن “الشور” المحدَث، إلى “الراب” المقحَم، وهو في الأصل ضرب من الموسيقى والغناء، المصاحب لرقصة “الهيب هوب” الشعبية الأمريكية، يدبكون ويتمايلون على إيقاعها، وهم ينشدون المواعظ الاجتماعية والسياسية (لا المراثي)، ويلطمون!..

فإذا وجد آخر أنه هُزم، وأن غيره قد سبقه وتجاوزه في استقطاب الأضواء، عمد إلى “الإبتكار” و”الاختراع”، فابتدع شعيرة “لبس السواد بشكل جماعي”! يدعو أتباعه للقدوم إلى المجلس أول محرم بثيابهم العادية، ثم يناولهم قمصاناً سوداء، يقومون بارتدائها معاً داخل الحسينية! وللسفَه والنزق صوَره، وللطيش والخفة ألوانها، وكما في المثل: إذا تلاحت الخصوم تسافهت الحلوم.

والفوضى تضرب أطنابها وترسل ظلالها على الساحة، تغالب النزر الأصيل، وتتقدَّم بلا حياء على الحق القليل: أصوات قبيحة ونبرات نشاز، أبحُّ ينبري للقراءة، وأجشُّ يتصدَّى للإنشاد، وأخنُّ يصرُّ على الرثاء! أشعار مهلهلة، لا طلاوة فيها ولا حلاوة، سطَرها خامد بديهة، نكِد قريحة، صلد خاطر، شويعر، بل متشاعر، ينثر بعراً فيحسب أنه نظم شعراً، تُحمل إلى مشاهير الرواديد بالإغراء والاحتيال أو بالقهر وسطوة الدعاية، فينشدها التعس، فلا يقدح لها زناد، وتموت وهي في المهاد. ثم نظْمٌ في المدح ونشر الفضائل وتعديد المعاجز والكرامات، أو الحماسة والفخر والشجاعة، يلطم عليها الحضور! ولا أحد يسأل عن وجه الجزع والباعث على الافتجاع؟! وكأن اللطم مجرَّد إيقاع! فهل من ثمرة لهذا الأداء المتفلِّت من الضوابط والأُصول إلَّا التشويه والتنفير والإزراء؟ فإذا واجهت هذا وذاك، نقداً واعتراضاً، أو حتى نُصحاً وإرشاداً، تباكى على الخدمة واحتجَّ بحرصه على دوره في المشاركة، والإسهام بحصَّته في المسيرة! ولعمري، هل انحصرت الخدمة الحسينية في هذا النطاق حتى يتهالك عليه مَن لا يملك شيئاً من مقوماته؟ ومن الغريب الملفت، أنه إذا حوصر هذا وذاك من طلَّاب الصيت والشهرة، حين يفلس هنا، ويُفتَضح هناك، ولج بيت الكتابة والنشر دون أن يطرق الباب، وقدَّم المهزلة وساق البلية في غير صورة وشكل!

مناقصات تجارية يسبق إليها أرخص العطاءات، ومزايدات يغلب فيها الأوسع ذمة والأقل تحرُّجاً وورعاً، والأكثر وقاحة والأصلب وجهاً، تخلط الأُمور وتورث التداخل، بما يُسقِط المقدَّسات ويزري بالمناسبات، هكذا أُضيع ـ على سبيل المثال ـ مفهوم الخضوع والتذلل لأهل البيت، باسم الخضوع والتذلل لهم! فإذا كان المرء كلباً لرقية، فماذا يكون لسيد الشهداء؟ وكيف عساه أن يعبِّر عن تذللـه وخضوعه من بعد، وهل ترضى هي عليها السلام بهذا التساوي والإقران؟ وإذا كان الموالي العاشق يطبِّر في ذكرى وفاة أم البنين وزينب الحوراء، فكيف عساه أن يجزع يوم عاشوراء، وماذا عليه أن يفعل حتى يحيي الذكرى ويميِّزها في نفسه وفي مجتمعه؟! وإذا كان يلطم بالشور لساعتين في مجلس أسبوعي من عوائد البيوت، فماذا سيفعل في الوفيات والحسينيات التي يحتشد فيها المؤمنون ويرتسم فيها عنوان الشعيرة ويتشخَّص العزاء؟!

من السذاجة بمكان أن يحسب أحدٌ أنَّ الحرب على الشعائر تأتي بالصورة النمطية التي يقوم بها الحداثويون حين يحرِّمون التطبير ويسخِّفون بعض الأنماط وينالون من أُخرى بالطعن والمواجهة، ثم يغفل عن هذه الصوَر التي تمثل “حصان طروادة” وتعمل على إسقاط القلعة وانهيار الحصن من الداخل، ويذهل عن أداء هؤلاء الصبية الأغرار، وكل آمال أحدهم (إن فرضنا عدم العمالة وقُلنا بالنزاهة، وهي متحققة، ولا شك، في بعضهم، كما ثبوت تلك في آخرين) أن يرفع عدد متابعيه ومشاهديه ومسجلي علامات الإعجاب، ثم يغلبه الشيطان على ما يحوزه في العالم الافتراضي من “أرقام”، فيطمع أن يترجمها إلى حالة مشهودة وجماهير محتشدة، فيصدمه الواقع وتردعه الحقائق، ما يزيد في تركُّب عقدته، ويحمله على المضي في مكابرته. وقد أغرى تحقُّق الأمر في أحد الرواديد وبلوغه النجومية، وأطمع البقية بإمكانية تكرار الحالة واستنساخ الصورة، ولا سيما أنه استثمر الشهرة فتاجر فيها وأثرى منها.

وبعد، فـ ”الصبيانية” داء لا يتوقف عند العمر، فقد ينزل بمن تخطَّى الصِّبا والمراهقة، بل الرجولة والكهولة، وبلغ الشيخوخة والهرم، فتراه يطفر كما الأطفال، ويعبث كما يلهون ويلعبون، يلاحق التقاط الصوَر مع الأعلام، ويتكالب على اللقاءات والزيارات عسى أن تُكسبه شرعية يفتقدها، ثم يغلبه حبُّ الشهرة والظهور ويصرعه التوق للزعامة، حتى يصاب بـ “الانفصام”، فيصدِّق أنه الذي أحيا زيارة الأربعين المليونية! وها هو يزعم أن له يداً في فتوى الجهاد ومقاومة الإرهاب، جنباً إلى جنب المرجع الأعلى، وقد نشروا إعلاناً في ذكرى إصدار الفتوى، أقحموا فيه صورته بين المراجع العظام، بل جعلوه يتوسَّطهم، وكأن الأمر مشاع، فلا علَم بعينه أصدر الفتوى، ولا زعيم قاد الجهاد… هذا هو فعل الصبيان، أما الرجال والكبار، والعظماء الأجلاء فقد سجل التاريخ مجدهم، فكتب بأسطر من نور:

ارتقى السيد عبدالحسين شرف الدين منصة الخطابة في إحدى الاحتفالات الأدبية الحاشدة بالقاهرة، وفي الحضور مشايخ الأزهر وكبار الأدباء والمفكرين من قبيل طه حسين ومصطفى الرافعي ومي زيادة، وارتجل خطبة عصماء بدأها قائلاً: إن لم أقف حيث جيش الموت يزدحم، فلا مشت بي في طرُق العُلى قدمُ… فالتهبت القاعة بالتصفيق ودوَّت بالتطييب والترحيب، وقد ظنُّوا أنه قائل البيت، فاستوقفهم السيد الجليل واستدرك: رحم الله شاعر أهل البيت السيد حيدر الحلي، فالبيت له. عندئذ دوَّت القاعة بالتصفيق ثانية، وكثر الاستحسان من كل مكان، ثناءً على الإنصاف وتقديراً للأمانة العلمية وإكباراً لعلو النفس والهمة.

والحر تكفيه الإشارة، وعسى أن لا تتوسع الظاهرة وتفشى فتقضي الحاجة ويحكم التكليف تناولها ثانية، فهي من مواطن الألم والحسرة التي يصعب على الموالي خوضها.

Posted in

التعليقات