ما زالت عظمة الشيخين الجليلين، العالمين الربانيين الميرزا التبريزي قدس سره والوحيد الخراساني دام ظله، تتجلى يوماً بعد يوم، وما برحت الحكمة والبصيرة، وعناية الناحية المقدسة التي حدتهما لإصدار ذلك الحكم التاريخي بضلال فضلة الشيطان وخروجه من المذهب، تضيء وتشرق، وما انفك الإنصاف يهتف: لولاهما لما حصحص الحق وانبلج، ولا وُصم الزيف وافتُضح الزيغ… فهذا الدفع والزخم الشيطاني المهول في نصرة الضلال، وهذا الدعم المستميت والتهالك العجيب في ترميم الصنم وإعادة إقامة النصب، يكشف أن تدخل الحوزة والمرجعية ووجوب تصديها، كان في محلِّه، وإلا فإن هذا التيار الشيطاني كان سيكتسح الساحة ويغمرها، وكانت القذارة المتدفقة من مجاريره ستطم القاصي والداني، والنجاسة الطافحة من كنيفه ستجمع القريب والبعيد على مائدته، يتناولون السموم ويرفعون الكؤوس ويتبادلون الأنخاب، ولا أحد ينظر إلى طعامه، فالجشع يعمي والطمع يصم والشره يزكم، والبطِر الأشِر لا يبالي أميتة أكل أم رجساً تناول وتداول، وآخرون مغلوبون على أمرهم، وكاد الفقر أن يكون كفراً!

ولك أن تتأمل في ما جرى بالأمس على السيد نصرت قشاقش، لتقرأ الكتاب من هذا العنوان…

لا أدعي أن السيد نصرت من العلماء الأعلام، ولا من المفكرين أصحاب الرؤى والنظريات، ولا هو عميد الخطباء ولا سلطان المنبر وقطب المنصات… الرجل ببساطة نموذج الراثي الحسيني الفطري، رمز العفوية في الأداء الشعائري، ومثال العطاء التلقائي للنجابة والغيرة والعشق والولاء، والحرص على الدين في جوهره وقيمه، كما في أحكامه وآدابه، وجملة من الخصال على رأسها الإخلاص، وما يفعل ويولِّد من آثار، جعلته الأكثر شعبية واستقطاباً للجمهور في لبنان، وحيثما حلَّ وارتحل، وقد بلغ عدد حضَّار مجلسه في محرم الماضي أكثر من خمسة وأربعين ألف نسمة، تضيق بهم شوارع وأحياء وأزقة “معوَّض”، والعدد هو أوسط تقدير، لأن جريدة “الأخبار” التي تمثل الجبهة المنافسة، ذكرت أن العدد بلغ (والمقالة في 2014) ستة عشر ألفاً، والرقم للمقاعد، فلك أن تضاعفه بحساب الوقوف ومن يفترش الأرض… واللافت أن هذا الحشد يبقى في انتظار المجلس لساعات، فإذا ارتقى السيد المنبر أطنب وأطال، حتى يتجاوز الساعة ونصف الساعة! والحضور لا مللاً يشكو ولا رهقاً يعاني، بل كلهم آذان صاغية وأنفاس مشدودة، ثم أرواح وقلوب متفجعة، وعيون باكية، في نشيج متواصل ونواح وجزع يليق بعشرة عاشوراء، مما كان يُفتقد في لبنان، ويعدُّ كشفاً ثميناً أثبت للناس وللتاريخ، ولمن يعنيهم الأمر، أن النجابة وطهارة المولد سئمت السياسة ومحاضرات الدجالين، وأنها تريد البكاء على إمامها ومشاركة الزهراء في مصابها.

هذا المؤمن الكريم وخادم سيد الشهداء المعظم، بهذه المكانة والشعبية الجارفة والمحبة الغالبة في قلوب المؤمنين، والدور الرسالي والإلهي الخطير، يتعرض للسب البذيء والتطاول السوقي، من جماعة فضلة الشيطان، لا لشيء، إلا لأنه اعترض على سوق الأطفال لمسجد ضرار، وكرَّر موقف المراجع العظام من صنمهم الضال! وإن تذرع في احتجاجه بمنطق يلزم مخاطبه وتنزَّل ليقطع الطريق على محاوره، بأنه ولي دم والده الذي قتل بفتوى الضال المضل، فهلَّا يسمح ذلك بالاعتراض؟ أم عليه أن يبيع بعد دينه كرامته؟ ويقبض الثمن على موائد الساحة وعطايا السحت والحرام!

لعمري أي طاغوت هذا الذي لا يُمسُّ وإن خاض في الدماء، ولا يقرب منه وإن هتك الدين واستباح الحرمات، ولا يقبَّح وإن حكم بإدانته المراجع العظام؟! وأين منه يغوث وسواع ويعوق ومناة؟!

جرت العادة في مثل هذه الحالات أن يقال بأنني لا أُدافع عن الشخص بل عن النهج والفكرة، أما أنا فأدافع هنا عن الشخص والفكرة على السواء، وما دام نصرات يحملها ويتزين بها، فهو واجب النصرة، حتى إذا تراجع عنها يوماً لا سمح الله، انقلبتُ عليه، ولعلَّ الشيطان يغلبني قبله، فيتولى هو نصرتي بزجري ونصحي، فلا أحد يضمن حسن العاقبة وصلاح الخاتمة…

السيد نصرت يشكِّل قيمة نادرة بين أقرانه، ويمثِّل حجة على غير صعيد في حقله! ذلك بما يحمل من عفوية تحكي مراتب عالية في نكران الذات، مما يفتقر إليه كبار، ويلاحقه ويتحراه عظماء، فلا يصلون ولا يبلغون، يغلبهم الكبر ويصرعهم الغرور، ولك أن تتصور الحال وأنت ترى بعضهم يهلك من متابعين في العالم الافتراضي! ويشمخ بأنفه ويختال ويتغطرس من طلب العوام التقاط الصور معه… بينما تجد هذه المكرمة والخصلة العزيزة في هذا الأريحي مبذولة وافرة جزيلة، يجمع إليها أخرى لا تقل خطراً، هي التسامي على المال والترفع عن الماديات، ثم التفوق على الشح والبخل، بشكل يبعث فيك الشك ويحملك على افتراض التصنُّع والتكلُّف، حتى تتحرى وتحقق، فتتثبت.

وهنا همسة في آذان القادة من حركة أمل…

إذا كانت للحركة قيمة تعني الطائفة ويكترث لها الشيعة اليوم، فهي حملها المشروع الشيعي المدني، لا الديني، وتصديها للتعديات والتفريطات التي أهدرت حقوق الطائفة لعقود متمادية بسبب صفقات الإقطاعيين، وخنوع المستسلمين، أو من تداعيات أوهام دعاة الوحدة من الإسلاميين. وقد انبرت الحركة من منطلق سياسي ووطني، لملئ هذه الفراغات وسدِّ هذا العجز ورفع الظلامات. ولست أدري كم نجحَت في هذا وكم أخفقت، وكم غلبها الفساد والتخلف وعوامل أخرى لا يدركها غير ابن البلد والبيئة، فلنتركها لأهلها… ولكن ما يمكن أن يسجَّل لها هو النأي بدماء الشيعة وعدم السماح بتوظيفها سلعة في لعبة الأُمم وورقة على مائدة الدول الكبرى، ومقاومتها الاستدراج، ونجاحها في تسجيل حقيقة تاريخية غاية في الأهمية، أن الشيعة ليسوا كلهم تحت راية إيران، ولا هم أتباع لمخابراتها، بل هم جزء من نسيج الشعوب في بلدانهم. نعم، هم يحبون إيران من باب الأُخوَّة الإيمانية، ويتمنون لها الفلاح والنجاح، ولا يرضون بالإضرار بها والنيل منها، كبلد مطبِق في التشيع، شأنه شأن العراق، لكن النظام السياسي الحاكم وسياساته شأن آخر، فهو قد يفضِّل الأرمني المسيحي على الشيعي الآذري ويقدِّمه في النصرة!

في تقديري الشخصي، أن المرجع الأعلى دام ظله لم يشرِّف الأستاذ نبيه بري ويسمح له باستقباله في مطار بيروت وهو في طريقه للعلاج في بريطانيا، إلا لهذا الدور والأداء… ومن هنا، عليه أن يضبط كوادره وقادة حركته فلا يقحموا الدين في أدائهم ولا سيما بما ينصر الضلال ويفسد عقائد الناس، وينال من الشعائر الحسينية وخدام سيد الشهداء.

هناك سواد شيعي أعظم هو الجمهور الإيماني العام الذي يشكل أكثر من ٩٠٪؜، لا علاقة له بالأحزاب والمنظمات، ولا يؤمن بالحركة الإسلامية وترهاتها الفكرية، وإن تعاطف مع جهادها وتألم لضحاياها، وكان يدعو لنجاتها وانتصارها، ولكنه لا يأخذ دينه منها، بل يأخذه من الحوزة والمرجعية، لا المارقة المطرودة، والمزيفة المنكرة، بل الأصيلة التي يتسالم عليها أركان الطائفة وأعلامها، وتحاكي ماضيها وتراثها.

نصيحة لجميع الشيعة العاملين بالشأن السياسي: ابتعدوا عن ديننا، لا توظفوه سلعة تزايدون عليها، وبضاعة تتاجرون بها، ولا ورقة تناورون وتفاوضون فتكسبون هنا وتفرطون هناك. نحن لا نبحث عن عداوات ولا نريد صدامات، ولكننا لن نقف مكتوفي الأيدي أمام مَن يمس مقدساتنا، ويعبث بعقائدنا، ويريد تشويه أو تعطيل شعائرنا.

Posted in

التعليقات