لم يكن ينقص الخلاف حول الشعائر الحسينية، والصراع الخامنئي الشيرازي، والإنقلاب على التراث وأسس استنباط المعارف الدينية في الحوزة العلمية، وغيرها من قضايا البيت الشيعي، التي تفتعلها الجمهورية الإسلامية… إلا أن يقحمها مستبصر حداثوي!
في وليمة على شرف السيد التيجاني التونسي دعيت إليها قبل ثلاثين سنة، أثار أحد الحضور خوض الرجل في أمر الشعائر الحسينية ونيله منها، ولا سيما التطبير (وقد ألحق ذلك وضمَّنه إحدى طبعات كتابه “ثم اهتديت”)، وكان مما قاله العالمُ الخبير ونصح به السيد التيجاني: “أنت لم تنشأ على التشيُّع، لم تتوارثه وتندك فيه، هناك شؤون لطيفة دقيقة، وقضايا حساسة رقيقة، يصعب فهمها، ويشقُّ عليك إدراكها واستيعابها، فتستوحشها لغربتك عنها، أو غربتها عليك، فما لك ولها!؟ انصرف لشأنك، وانشغل بجبهتك، فالأيام كفيلة بمعالجة حالتك، أو لعلَّ الإيمان بها يكون من حظِّ وُلدك وذريتك، ونصيب الأجيال القادمة من نسلك”. سكت التيجاني وتفكَّر، ثم قال شيئاً أشبه التعهد بالأخذ بالنصيحة والعمل بها، وقد رآها في صميم الحكمة والصواب، بعد الحقيقة والإنصاف.
هناك خصوصيات في الساحة الإيمانية والبُنية الشيعية لا يدركها الغريب، لطائف ورقائق تتطلَّب معايشة لصيقة، وحضوراً مستغرقاً في الحاضنة، مُندكّاً في البيئة، لا يتوفر إلَّا لمن ارتضع المذهب مع حليب أُمه، بل تلقَّاه من صُلب أبيه ونطفته، ثم تشرَّبه مع أنفاسه، وعاشه بخفايا أو لطائف أسراره، وبتفاصيل مِحَنِه وأرزائه، ودقائق شجونه ومعاناته. ولست بهذا انتقص من قيمة المستبصر، فليس كلهم يأتي فيتناول خصائص التشيُّع عابراً أو وارشاً، ويلجها مقتحماً أو متسوِّراً، ينظِّر ببرود، ويُفلسِف من ترف، بل فيهم من بلغ من العظمة ما يستحق أن يخلع عليه الإمام عليه السلام بردة من أستار حرمه الشريف، ويخصُّه بالتوقيع على قصيدته بماء الذهب، كما جرى للشاعر الخليعي الموصلي رضوان الله عليه… لكني أعرض بُعداً فنيّاً للقضية، فهذا هو شكلها وهذه هي طبيعتها. فلماذا يتجشَّم المسكين العناء في أمر خارج وسعه وفوق طاقته؟ ولماذا يكابد ويعاني ويتخبَّط، وهو بعيد عن ميدانه وساحته؟ ليترك “إصلاح” الشأن الشيعي الداخلي لابن البيت الشيعي، وينصرف هو لردِّ شبهات المخالفين، والربط على قلوب إخواننا المستجدِّين، والدفاع عن المذهب في ساحة يعرف طبيعتها ويُحسِن الحراك في أنحائها، يحيط بخفاياها ويقف على أسرارها، فهو ابنها الذي نشأ وترعرع فيها، وهؤلاء أهله وقرابته الأوْلى بالمعروف، الذين يفترض أن يتقطَّع ألماً على ضلالهم، وتذهب نفسه حسرات على ضياعهم، ولا يخرج لحظة من هاجس إنقاذهم… فإذا به يتسكَّع على أرصفة الترف الفكري، ويحتال بألف مقدمة ومقدمة ليجعل من حراكه الأهوج ولغوه وهذره في الدفاع عن حزب أو نظام، والذود عن قيادة وزعامة، تكليفاً شرعياً ومسؤولية رسالية. مع ملاحظة أنَّ هناك ـ اليوم ـ “تشيُّع” و“استبصار” مبتدَع، فليسوا كلهم على غرار الأمين الأنطاكي والدمرداشي العقالي، فهناك مستبصرون زيديون، أو جيفاريون وتشافيزيون! لا إماميون، مع التشيع ما دام ثورة وجهاداً، مفهوم خطابهم، وأحياناً صريح منطوقه: إدانة ـ والعياذ بالله ـ الأئمة الأطهار الحسن وزين العابدين والصادق والباقر والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري عليهم السلام، وكل “قاعد” لم يثر على الحاكم ويخرج بالسيف. وهناك أيضاً متشيِّعون للجمهورية الإسلامية، لا لأهل البيت، والحثالات التي تتراقص في قناة الميادين، والقردة التي تطفر في الفضاء الافتراضي ببابك.
إن المستبصر الحداثوي يصعب عليه أن يستوعب أو يهضم صيحة مدوية ارتفعت في الحوزة العلمية قبل أكثر من نصف قرن على كتاب “شهيد جاويد” الذي كتبه “صالحي نجف آبادي”، لمجرَّد أنه تضمَّن ما يُنتزع منه عدم علم سيد الشهداء عليه السلام المُسبق بمصيره! فصدرت البيانات وجُمعت الفتاوى، وقامت الحوزة ولم تقعد إلَّا بإخماد الفتنة والقضاء المبرم على الرجل (حتى ما عاد أحد من الأجيال اللاحقة سمع باسمه ولا بكتابه). ويصعب عليه، بل حتى على شيعة منحدرين من بيوت وسلالات مؤمنة، لكنهم تلوثوا بالفكر المخالف، وتأثَّروا بالمحدَث المنحرف، وتناغموا مع الضال المضل، يصعب عليهم تفهُّم موقف السيد الخميني قدِّس سره من سيد قطب، حين طالبوه بتأبينه، وإدانة إعدامه، فقال: “إذا كانت لجمال عبدالناصر فضيلة، فهي قتله هذا الذي تجاسر على أميرالمؤمنين فنسب إليه شرب الخمر” (انظر: “في ظلال القرآن” ج2 ص665، الذي ترجمه السيد القائد إلى الفارسية!)، وما زال الإسلاميون الحركيون يستهجنون، ويسجِّلون باستغراب وامتعاض موقف الخميني هذا، وكيف عاش “جزئية صغيرة” واستغرق فيها حتى أنسته فضائل عظيمة للرجل الثوري المجاهد، المقتول ظلماً وعدواناً، الذي حرَّر الفكر السني من صنمية “اسمعوا وأطيعوا”، بل من عُقدة حصانة الصحابة، حين نال من عثمان!… لا يمكن لأضراب هذا وذاك من القشريين المفتونين بلغة الأرقام والحسابات ومنطق الكسب والخسارة، والمرتهنين للحسِّ والمستغرقين في المادة وما يحسبونه “عقلاً”، المنسلخين عن الغيب وما وراء الطبيعة، فهْمَ جوهر الإسلام وإدراك كُنه رسالته. كما لا يمكنهم الوقوف على العلَّة الغائية للدين، والهدف من هذه الشريعة المقدسة، ولأجل مَن خلق الله الدنيا وما فيها، ولماذا أوجد الحياة؟!.. ولعمري، أنىَّ لهم التناوش من مكان بعيد، وكيف عساهم أن يفقهوا هذا الخطير وهم لا يسمعون أنشودة “حديث الكساء” تحكي القصة وتلخِّص الفكرة؟ وكيف لها أن تطربهم وقد صُمَّت آذانهم عن ترنُّم الكائنات ـ من الذرة إلى المجرة ـ بألحانها، أُنساً وغبطة ونشوة وعشقاً، فلم يبلغهم شدو ترديدها، ووقرت أسماعهم عن سحر ترتيلها. وذهلت عقولهم عن سبح الملائكة وسكان السماوات وحومها جذلاً وبلجاً، يطوفون بها الأرجاء ويملؤون بها الآفاق. كما عميت عيونهم عن الشهود، أو يبست مشاعرهم وتخشَّبت عن عيش، ولا أقول مشاركة، العرش اهتزازه وتمايله سروراً وبهجة… إنها آفاق حرمت عليهم، أو حرموا أنفسهم منها، بكِبْرهم واستعلائهم، بعد تناولهم فاسد الطعام وشربهم آسن الماء، وما نالها إلَّا ذو حظ عظيم، فلحقت بالمؤمنين السعداء شرفاً، وتلقفوها كرامة ومزيداً.
وإنما ترد البلايا على ساحتنا وتنزل بنا الويلات عندما يتصدَّى للأمر ويتولاه هؤلاء، تُبسط أيديهم بالإمكانيات، ويؤمَّن لهم الغطاء من الدولة وأجهزة المخابرات، فيهتكون باسم الحداثة والتطوير الحُرُمات، ويتطاولون بحُجة الثورية والحركية على المقدسات، ثم يعيبون علينا الإنشغال بـ “التوافه” والاستغراق في ”الصغائر”، والحرب على “فضلة الشيطان”، والتصدِّي لأباطيله وتفنيد أساطيره. إنهم لا يرون بأساً في جحد فضائل آل محمد، والتشكيك في مصابهم، والسعي لتسويق ثقافة خصمائهم، ولا في محاربة شعائر عزائهم، لأنهم لا يعرفون قدر هذه القضايا الملكوتية وهي في صورتها المُلكِية، وتغلبهم المادية الحسيَّة، فما دام الجحد والاستخفاف والانقلاب يخدم المعركة، ويرفد الجبهة السياسية التي يخوضون فيها ويلعبون، ومنها يرتزقون، فلا ضير منها. وإن رأى بعضهم ضيراً وبأساً، فلن يبلغ ذلك مبلغ المعضلة، ولن يشكِّل كارثة، تتموضع وفقها الجبهات، وتنتظم الاصطفافات، وتدور عليها رحى الحروب والصراعات.
لقد دمَّر الله حضارة ثمود العظيمة، التي ما زالت آثارها ماثلة في مدائن صالح، لناقة عقروها! وأوقف سبحانه وتعالى نجاة أُمة بأكملها وعلَّقه على تلفظ كلمة واحدة: “حطَّة”، فبدَّلوها وما قالوها… والقوم يستكثرون تموضعنا ويسخرون من اصطفافنا انطلاقاً من “قضية الزهراء”، وهي التي على معرفتها دارت القرون الأولى!
هذه هي قضيتنا وتلك رسالتنا، وليعيشوا هم ويلاحقوا سراب الأوهام، ويستغرقوا في زائل الحطام، “والذي نفس محمد بيده، لو أن الدنيا كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر والفاجر منها شربة من ماء”.
التعليقات