كنت البارحة في محضر السيد علي أبوالحسن، زرته في بلدة الغازية، بوابة الجنوب اللبناني الموالي، أو “المتوالي”، أول ما يلقاك حين تيمِّم شطر القبلة، وتخلِّف وراءك صيدا وتوليها الدبر، فكأنك أمام التحلية بعد التخلية… والسيد من “بقية السيف، الأنمى عدداً والأكثر ولداً”، ثمالة كأس الأصالة، وعقب سلالة الطهارة، بعد ما أهرقته الحزبية وأتت عليه السياسة في هذه البلاد العزيزة، التي أنجبت الفحول والأساطين، وقدمت من شهداء الفضيلة على مذبح حب آل محمد ما شاء الله من قرابين، أتت عليهم سيوف المماليك والأيوبيين والصليبيين والعثمانيين، فشيَّد مِدادُهم المعمَّد بدمائهم حصوناً للمذهب، وأرخت شجرتهم الطيبة الباسقة عن كلمتهم الطيبة، ظلالها الوارفة على جميع بلاد الشيعة، بما فيها حواضرهم العلمية في العراق وإيران والبحرين والقطيف…

ومن محاسن الصدف أن لقيت عنده كوكبة من الفضلاء ونخبة من الغيارى العاملين في ساحة الولاء، فجدَّدت عهداً ببعضهم وتشرفت بالتعرُّف على آخرين…

في مثل هذا المحضر المبارك انعقد عنوان جاء من اعتراض كان قد أثاره بعض الأشرار، نقله للسيد أحد الحضور الأخيار، وها أنا أقرِّره وأُتبعه بجواب السيد، وذلك بعبارتي القاصرة، التي أتحمَّل تبعة عجزها عن بيان الفكرة، وجريرة سوء عرض الخاطرة…

كان الاعتراض والإشكال يتوجَّه إلى الشدَّة والحدَّة التي يواجه بها بعض المؤمنين أهل الضلال، فلا رفق في أدائهم ولا سماحة، ولا استفسار ولا حوار، بل تسرُّع وغلظة، وغضب وانتقام؟!

فأجاب حفظه الله ورعاه، وبدأ بمقدمة وجيزة عن مكانة نبي الله موسى (وهو يلفظها بلهجة جنوبية عذبة، تقلب الياء المرسلة إلى منقوطة)، وأنه من أُولي العزم، ومن العظمة بين الأنبياء ما بلغ به مقام كليم الله، فهو بلا ريب لا تعوزه الأناة والرفق والرحمة والسماحة، ولا تخفى عليه ضرورة التدرُّج في مراتب النهي عن المنكر، ولا يجهل أُصول التبليغ وقواعد البيان، ناهيك بالعصمة التي يتمتع بها، هو وأخوه هارون عليهما السلام، فليس هنا إلا الحق والصواب…

تعال وانظر إلى الأداء النبوي في الخطوب الجليلة، وتدبَّر في طريقة عمله في الحوادث الخطيرة، وهي التي تمس الدين وتنال من العقيدة، مما تحكيه الآية الشريفة “وألْقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرُّهُ إليه” عن ردِّ فعله على نكوص قومه وعبادتهم العجل…

إننا أمام غضبة إلهية، بل ثورة تتفجَّر من غيرة عقائدية وحميَّة ربانية، تلقى الألواح، وهي الصحف، أي التوراة وتعاليمها المدوَّنة، التي في سبيلها تلقِّيها انقطع عن قومه! واندفع يأخذ برأس أخيه، وراح يجرُّرة من لحيته!

أداء مزلزل صاعق، لكنه ـ في عرف الحق ـ يُنزل القضايا في محلِّها، ويُدرجها في موقعها، الذي يريده الله، فهنا كارثة وخطب، قد تزدريه الأعين الغافلة عن الحقائق، وتستوحشه الأنفس اللاهية بحطام الدنيا، وتستغربه العقول المنشغلة بالقشور عن اللباب والمأخوذة بالظواهر عن الجواهر، فتراه مبالغة وإفراطاً، وتصنِّفه تشدداً وتطرُّفاً..

هذا هو الأداء العقلائي الطبيعي في “الكوارث”، فالتاجر الذي عقد موظفوه صفقة خسر بسببها الملايين، سيقحم مكاتبهم صارخاً مزمجراً، معلناً طردهم ومتوعِّداً بمحاكمتهم واستيفاء خسارته من رواتبهم، فهذا هو حقُّ الحدث وواجبه، وهو الرسالة التي تبلغ القريب والبعيد بالخطوط الحمراء هنا، وترسم نطاق الوعد والوعيد.

هذه هي طريقة مواجهة أهل الضلال، وهو ما تستحقه القضية من أداء وآلية في العمل…

§ § §

إن قضية الزهراء حدٌّ فاصل، وحكم المراجع العظام بخروج فضلة الشيطان عن الثوابت والمسلَّمات، ومروقه عن التشيع والولاء، باتٌّ لا ينقض، وقد نقل الهالك إلى حفرته مثقلاً بعزة الإثم، لا آب ولا تاب، وما يمارسه ابنه الوزغ، من حمل رايته، وتوسيع دائرته، بفضائية لم تكن على عهده، وإرسال “عورة” يعوي من سعار لا ينقطع، حملت عليه أم لم تحمل… يقضي باستمرار المواجهة فلا مهادنة في هذا ولا مسامحة.

وهو موقف مراجعنا العظام قاطبة، السيستاني والوحيد والحكيم والصافي والروحاني، ومعهم أعلام الحوزة وأساتذتها… لا تفاوت بينهم ولا اختلاف على نصرة الولاء ومقاطعة الضالين المضلين.

وفي الكافي الشريف عن الجعفري قال: “سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: مالي رأيتك عند عبدالرحمن بن يعقوب؟ فقلت: إنه خالي. فقال: إنه يقول في الله قولاً عظيماً، يصف الله ولا يوصف، فإما جلست معه وتركتنا، وإما جلست معنا وتركته!؟ فقلت: هو يقول ما شاء، أي شيء عليَّ منه إذا لم أقل ما يقول؟ فقال أبوالحسن عليه السلام: أما تخاف أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعاً”؟!

Posted in

التعليقات