من أعظم ما يمكن أن يحلَّ برسالة سماوية، وينزل بدين إلهي، أن يُحمَّل ضدَّه ويُرمى بنقيضه! فلا شيء يزري بالإسلام ويفسده مثل مغالطة تسلبه كُنهه ومصادرة تقلب جوهره، ولا سيما حين تأتي متنكِّرة خفيَّة، وتأخذ موقعها مندسَّة، وتستقر في الأنفس متوغِّلة، فيحملها أهل الدين وينادي بها أربابه، يحسبون أنهم يعزِّرونه ويوقِّرونه! إنها كارثة لا يشعر بها إلا نبيهٌ ألمعي، وطامة لا يدركها غير حصيف لوذعي. والمؤلم أنَّ “المثقفين” و”المتعلمين” الذين يفترض أنهم أكثر الناس “علمية” في تلقي الأفكار ثم قبولها أو رفضها، وأشدُّهم تمسكاً بالتخصُّص ونزولاً على معطياته، تراهم ينساقون مع الجنوح والشذوذ، ويجارون نهجاً إعلامياً تهريجياً، بل أداءً سوقياً، يدغدغ عواطف العوام، وهمجية تحاكي نهج المتهتكين الطغام!

زعموا أنَّ الدين مريض، وأنهم شخَّصوا علَّته ووصفوا دواءه… وراحوا في “علاج” يجهز ـ في الواقع ـ على روحه، ويستخلف مكانه جسماً غريباً،  أو يستعيض عنه بروح جديدة متباينة مع الأصلية، وذلك عبر دسِّ السموم، وتزريق جرعات من عقاقير لا يسع المدمن عليها تركها، ولا يطيق متعاطيها فراراً منها، ما يورث وينزل موتاً بطيئاً… هذا هو ما فعلته وتفعله الحداثوية، سواء كانت إلحاداً صريحاً وعلمنة ظاهرة، أو مبطنة خفيَّة عبر الحداثة الدينية، وذراعها “الحركة الإسلامية”، حين أخذت الدين ونحت به تجاه المادية والحسية، وما يسمَّى بالعلمية والعقلية (والعقل والعلم منه براء)، فقد أقحمته أو دسَّته في مشروع دنيوي، يغيِّر حقيقته ويبدِّل ماهيته، يمسخ روحه ويتلف جوهره.

فمقولة الإسلام يجاري العلم ويلتزم العقل، ويواكب العصر ويحاكي التطوير والتحرر والحداثة، وما إلى ذلك من شعارات عصر النهضة وحركة “التنوير”… ساقت الإيمان للعلمنة، والدين للدنيا، وأخذت تزرع في النفوس طلب الرفاه والسعة والدعة، وإعمار الأرض، وراح أربابه ينافسون “الذين من قبلهم،كانوا أشدَّ منهم قوَّة وأثاروا الأرض وعَمَرُوها أكثر مما عَمَرُوها”، كل ذلك باسم الدين وتحت غطائه، وبمزاعم الدعوة إليه! وكأن الآية الكريمة: “وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا”… معكوسة أمرت بـ “وابتغ الدار الدنيا ولا تنس نصيبك من الآخرة”! وأنها اعتبرت الانشغال بالآخرة وبث ثقافتها، هو رجعية ممقوتة ومن الإفساد في الأرض! لا أنها أنزلت الإنشغال بالدنيا منزلة البغي والفساد، ونادت: “ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين”.

هكذا غدى الغيب في قاموسهم جهلاً ورجعية، وأصبحت الروحانية جموداً وانفصالاً عن الواقع، وأمسى الإيمان بمختلف معطياته وشتى ميادينه، سفهاً وقفزاً على “العقل”! ومن هنا صار الثراء قيمة وهدفاً، وكذا القوة والملك وكل ما ينتهي إلى الاقتدار والانتصار، مما يدغدغ المشاعر ويلهب العواطف ويجتذب بريقه العقول الواهية ويقنع النفوس الضعيفة، رهينة الحسِّ وأسيرة المادة، الغارقة في معطيات الشهود، والغافلة عن “الحقائق الكبرى”، وعالم عظيم يحيط بها، ويحلِّق فوقها، ويكمن وراء ما تلمس وتسمع وترى.

والأمر ليس وليد اليوم أو نتاج هذا العصر، بل كان دائماً وأبداً حيلة الشيطان ومكيدته، مذ غلبت دعوة الحرص على “الاستقرار”، ومنع “الفرقة” و“الاختلاف” في الأُمة، ما أمضى غصب الخلافة الإلهية وسوَّق لعزل الأئمة، ثم الزهو بالفتوحات والفخر بالإمبراطوريات الأموية والعباسية والعثمانية، وما يسمَّى بالعصور الذهبية للدولة الإسلامية. وتفوَّق الاعتزاز بالعديد والعدة، على عظمة الغيب وما يستنزل النصرة الإلهية ويُظهر “يد الله” عياناً ويبرزها جهاراً في: “كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله”، و“بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين”! وصار الاعتداد بالقوة العسكرية والتفوُّق العلمي، مما يقع في الوجدان ويقنع الغافلين من العوام. حتى انتقل في عصرنا الفخر من المنصورين بالملائكة والرعب والريح (التي أسقطت الطائرات الأمريكية في طبس)، الى المتكئين على الصواريخ القاهرة، والرادارات الدقيقة، والمباهين بالقدرة الألكترونية (التي أسقطت الطائرة الأمريكية المسيرة قبل شهر)، ثم على المال والصناعة والازدهار، مما لا يُنكَر في نفسه ولذاته، ولكنه من أخطر ما يكون حين يأتي في سياق يسقط الحداثة والتطوير على الدين ويكتسح بلغته الإيمان والعقيدة.

إنَّ نقض أطروحة القوم ودحضها متاح وميسَّر في مثال قرآني يقرِّر أصلاً طالما تمحورت حوله الأديان، هو القربان. ولك أن تتأمل في هذا الشاهد الذي يحكي علامة الحق “الذين قالوا إنَّ الله عهِد إلينا ألا نؤمن لِرسول حتى يأتينا بِقُربان تأكله النار، قُل قد جاءكم رسلٌ من قبلي بالبيِّنات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين”:

ماذا لو نادى اليوم مُصلح بأنَّ علامة الحقِّ الذي يدعو إليه والدليل على رشده وصوابه، هو إتلاف أفضل حصاد المُزارعين، وحرق أسمن شياه الرُعاة؟! ونافسه “مصلح” آخر كان ينادي بالتوفير والاقتصاد، وأنَّ الإحراق إتلاف وهدر ينمُّ عن جهل وسفه، أو عن تغييبٍ للعقل ونزعةٍ موغلة في التخلُّف! وأنَّ الحق يندب إلى تحسين الإنتاج ووفرته، ونماء الاقتصاد وازدهاره، لا “الهراء” الذي يدعو له منافسه، و”التخريص” الذي يقول به خصمه. ثم مضى هذا الثاني في نهجه، ووظَّف العلم وطوى مراحله وتقدَّم بأطواره، وعمد لدارسات مخبرية وبحوث ميدانية، في سبيل تحقيق أفضل الإنتاج والحصاد، حتى اكتشف السرَّ في سمن هذه الشاة دون سواها، وفضل هذا البُرِّ على غيره، ليبلغ معادلة السلالات والخارطة الجينية للكائنات… ترى، أيهما سيتبع الناس، ولمن سيكون قصب السبق واليد الطولى في التأثير عليهم؟!

إنَّ الحركة الحداثوية بمختلف عناوينها وشعاراتها: الإصلاحية الوقحة التي تفرض العطب والفساد في الدين، والتجديدية السمجة التي تفرض أنه يتآكل ويهترئ بتقادم الزمان! والتنويرية الجائرة التي تحسبه متاهة وتراه ظُلمة!.. مشروع دنيوي لا علاقة له بالدين، ولا بالحياة القادمة التي تنتظرنا عند موتنا وفي معادنا، وهي تريد ـ إن أحسنَّا الظن بها ـ “أكثر مما عمروها”، وتهدف ـ إن ارتبنا وأسأنا الظن ـ القضاء على الدين، وصرفه أو إفراغه من محتواه ومسخ جوهره، وهي على كلِّ حال مشروع شيطاني بامتياز. من هنا فإنَّ كل ما تراه من محاولات نبذ التراث والحديث الشريف، ومساعي التشكيك بالفضائل والمنازل، والنيل من العقائد والشعائر، والدعوة إلى تغيير الأحكام والالتفاف على مناهج الاستنباط، تصبُّ في هدم البنية القائمة، لصالح منظومة جديدة تقوم على معطيات العلم (التجريبي) لا الإيمان الديني، والفكر الإنساني لا الشرع الإلهي.

ولكن المعضلة تكمن في الميدان الإعلامي والحرب البلاغية والدعائية، فإن أخطر الأدوات هي أكثرها لبساً، وهي التي يعسر ردُّها ويصعب دفعها، لشبهات استحكمت في أذهان العوام، وتركُّبات تراكمت من معطيات الحياة، من قبيل مقولة التفوق العلمي والصناعي والانتصار العسكري والازدهار المالي والرفاه المعيشي، وغيرها التي تحتل موقعها في الوجدان البشري، ومكانها في الحب والتعلق والزينة… فمن له اليوم أن يطرح: “الهدر” (القربان)؟ وأنه جوهر الإيمان، وعلامة الحق ورضا الرحمن!؟

إنما جاء الدين لتنبيه الإنسان وإرشاده، والأخذ بيده نحو عالم آخر قادم، هو الحياة الحقيقية، دون هذه التي تعبِّر عنها الأحاديث الشريفة بالقنطرة (فاعبروها ولا تعمروها)، والكتاب العزيز باللعب واللهو “وما هذه الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون”، و”اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور”. والقوم مستغرقون في جمع حطامها، غارقون في غرورها، متحايلون على أنفسهم وعلى غيرهم بخطاب شيطاني، يعلمون في قرارتهم أنه كذب ودجل ونفاق.

*     *     *

توفي اليوم المرحوم السيد علي رضا الحائري، أحد أساتذة الحوزة العلمية في قم المقدسة، ومن تلاميذ الشهيد الصدر من قبل. والراحل العزيز كان من أنصار الأصالة والقلَّة الولائية المتبقية في جسم الثورة الإسلامية. كان حسينياً يجزع ويطبِّر ويدوس الجمر حافياً في عاشوراء، وغيوراً على الدين يحارب الضلال، وفي طليعة الذين تصدُّوا لفضل الله. وبعد، فإنَّ له فضلاً عليَّ لن أنساه، هو توظيف علاقاته (فهو صهر الشيخ المشكيني رئيس مجلس الخبراء، وعديل الريشهري وزير الإطلاعات) لإنقاذي من السجن وما لحقني من ظلم من القوم، وقد ذهب في ذلك وبلغ غاية وسعه ونهاية جهده وطاقته. فجزاه الله خير الجزاء، وتغمَّده برحمته الواسعة، وألحقه بأجداده الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم.

Posted in

التعليقات