من السذاجة بمكان أن يحسب أحدٌ أنَّ ما يجري في الساحة الإيمانية الشيعية من فوضى ومحدَثات، على صعيدي العقائد والأفكار، والسلوكيات العامة والممارسات، هو تعثُّر عارض واستثناء عابر تمرُّ به الساحة من أزمة مفاجئة ألـمَّت بها وأمر طارئ وقع لها، ظهر في أداء مريض هنا، وسلوك شاذ هناك، وارتباك وفوضى غمرت الأجواء وطغت على أصل الأداء…

حفل غنائي ومهرجان راقص في افتتاح دورة رياضية، يستبيح حرمة واحدة من أقدس مدن الشيعة وأكثرها خفراً وأعظمها شأناً: كربلاء… يريدون أن ينتزعوا شجواً وكمداً اندك في “كربها” أبداً، وينهوا لوعة وجوى ما انفك في “بلائها” سرمداً، وكأن جرحها النازف قد رقأ واندمل، وقلبها النَّصِب الدنِف قد عوفي وبرئ. أم تراهم حسبوه قد أمسك أن يضرب ويخفق؟ فما عاد يبعث في شيعته النبض، وبرجاء حياته حييت قلوبهم؟ وبضياء نوره اهتدى الطالبون إليه منهم؟ ومن قبل نقلت وسائل التواصل الاجتماعي بثاً مباشراً لداعر سافل، تعدَّى فيه على شخص الإمام الكاظم عليه السلام، بما بلغ الكفر البواح، وذلك من مقهى يقع في مدينة جده أميرالمؤمنين عليه السلام. وفي لبنان يقيمون حفلاً غنائياً صاخباً في يوم استشهاد الكاظم عليه السلام بلا مبالاة ودون أدنى اكتراث، وهناك دعوة لتكرار الحفل في ليلة استشهاد الإمام الباقر أيضاً… وهكذا تمضي المناسبات المقدسة الحزينة، لتنقلب أفراحاً، وفي أحسن الحالات ندوات ومحاضرات، وبرامج تثقيفية وأنشطة اجتماعية من قبيل تعليم المؤمنين وتدريبهم على قواعد الإسعاف، أو تلقي دروساً في الطاقة الإيجابية والسلبية، وفي أحسن الأحوال أو أسوئها (لست أدري، هل اللبس الشيطاني يغلب هنا أم التخفيف من القبح ببديل شريف) تكون حلقات القرآن ودروس تعليم التلاوة والتجويد، أو أي شيء يصرف عنوان العزاء ويحول دون الحزن والرثاء والبكاء، لتتحول فجعة عاشوراء ورنَّة العرش وصرخة تصكُّ سمع الملكوت، إلى أوبرا تحكي “تراجيديا شيعية راقية”، بل “ميثولوجيا” تدرج الحدث في الأساطير وتسطره في الخرافات، فتلقي “الحداثة” عصاها ويستقر بـ “التنويريين” النوى، كما قرَّ عيناً بالإياب المسافر، فقد أضناهم هذا الترحال الطويل، وآن لهم أن يلتقطوا أنفاسهم ويستريحوا شيئاً، بعد أن حققوا وضعاً جديداً للواقع الشيعي، ينسلخ به عن حاضره ويتنكَّر لماضيه! ولا أبرِّئ بعض المؤمنين الحسينيين من المسؤولية، ممن عمد لأداء انتهى بهم للانخراط في هذه المؤامرة من حيث لا يدرون، ومشاركة القوم جريمتهم وهم لا يشعرون! حين سمحوا لأنفسهم بالاجتهاد، وتطوير أنماط العزاء، خارج الأصالة الموروثة في الشعائر الحسينية، فأحدثوا وابتدعوا، ما فتح الباب لهؤلاء وأفسح لهذا الفساد والإفساد، فما دام التجديد والتطوير مباحاً، فليُقم كلٌّ الذكرى ويُحيها كما يرى ويشاء!

وقبل هذا الفجور، والسلوكيات المارقة والأفعال المتهتكة الماجنة، كانت هرطقات وزندقات، أداء “علمي” واتجار فكري، أسقط التراث (من أحاديث معصومة ونتاج علماء)، واستباح المسلَّمات (من عصمة الإمام وعلمه، إلى ميلاد المهدي وظهوره بالسيف، مروراً باعتماد عدالة الصحابة والعمل بالمصالح المرسلة)… خلَط ودلَّس وكذب وافترى، وراح في الدجل وتسفيه العقول وخطاب العوام ما شاء له الشيطان، فلم يقصِّر “الحبتري” في استدراك ما فات “فضلة الشيطان” حين عاجله وسبقه عليه الموت، ولم يوفِّر ”الإصلاحيون” شيئاً مما نادى به الملحدون ورفعه العلمانيون.

علينا أن نعي، ونقف ببصيرة على حقيقة ناصعة جليَّة، هي أننا أمام مرحلة جديدة وطور متقدِّم بدأت تدخله الحركة الإسلامية، وأنها بصدد أخذ الواقع الشيعي والانتقال به معها، إلى حيث تذهب وتتحوَّل, وهي في العراق وإيران ولبنان، ومن بعد في بلاد الخليج، إنما تدفع ثمن قبولها في “المنظومة”، والموافقة على “منحها” السلطة، أو تبذل كُلفة إصدار ترخيص ذلك وإجازته، وأنها تقدِّم “الرسوم” المقررة لحصولها على “جواز” أو “سمة” دخولها “النادي” وانتسابها لـ ”المحفل”. إنها ـ بهذا الأداء ـ تستصدر شهادة الاعتراف بها، وتجتاز “الاختبارات” اللازمة لذلك، وهي ”تتكيَّف” بما يجعلها جزءاً منهم… كل ذلك من ديننا وعقيدتنا، وعلى حساب شعائرنا وشريعتنا!

كل ما تراه من فعل وحراك في نطاق “تحرير” المرأة، وإقحامها في ميدان العمل من جميع أبوابه، وإدخالها في النشاط الديني والاجتماعي والسياسي بكافة أشكاله، والعبث في قانون الأحوال الشخصية من ميراث وحضانة وتمكين وقوامة، والتحايل على الأحكام الشرعية في الخدر والحجاب، ونداءات المساواة في الحقوق والواجبات، هو ضريبة وثمن لا بد أن يُدفع، وإلا فلن يجتاز الامتحان وينجح في الاختبار مَن يريد اللحاق بركب الأشرار!

وكل ما تراه من حماية للحبتري وجهود لتسويقه، ومساع للتطبيع مع فضلة الشيطان، بدأت من لحظة موته وساعة حمل جنازته، وما زالت قائمة، وما يظهر بين فينة وأُخرى وينتشر من أفلام ومقاطع لمعمم يقود الشباب في تمارين رياضية ويعلِّمهم المصارعة، وآخر يشارك في مسابقات لهوية، وثالث يجمع القمامة ويكنس الطرقات، ورابع تلتقط معه النساء صوراً (سيلفي)… وكذا ما تراه من تخلٍّ عن الحزن والعزاء، ودخولٍ في الفرح والبهجة، ومسايرة للثقافة الغربية أو غير الدينية في اللهو والطرب الغناء، وتدليس يصرف المؤمن عن المعاني الحقيقية للرحمة الإلهية ويُلبس عليه فيها، حين يُغفِل موارد الغضب والنقمة الربانية، وكذا عرض “اليسر” في الدين تسيُّباً وتهتكاً وإباحية، وتسويق الاختلاط والعلاقات المحرمة تحضُّراً ومدَنية، وتناول الميتة والشبهات رُخصة وسعة، وما إلى ذلك من معالم الأداء الحداثوي الذي تنهض به الحركة الإسلامية الشيعية وتقوم به بمختلف الطرق والوسائل… هو جزء من الصفقة، وحصَّة من الثمن الذي عليها أن تدفعه، لتُقبل في “المنظومة” وتُدرج في اللائحة، فتدخل في الحكومات والوزارات والبرلمانات، وتحظى بنصيبها من السلطة وما يترتب على ذلك من جاه ومال، فقد نشأت في تعاليمها وثقافتها، وترعرعت في عقائدها على قيم الدنيا ومرتكزات العيش، مما لا يطيق النبذ والإقصاء، والإهمال والانزواء، والاستخفاف بفكرة الانشغال بالآخرة عن طلب الأولى، واستهجانها وإن حكمت سيرة أئمة الهدى عليهم السلام والصالحين من أتباعهم على مدى التاريخ…. وما تراه من حرب عسكرية أو أمنية تطال الحركة الإسلامية هنا، وحصار اقتصادي ينال منها هناك، وضغوط ومناكفات لا تكاد تنقضي وتنفك، هي مناورات وتكتيكات، وضرب من المفاوضات لزوم عقد الصفقة وإبرام الصيغة النهائية للاتفاق، الذي يحدد الحصص والأحجام، ويرسم النطاقات الممنوحة والمساحات المبذولة.

باختصار شديد، القوم عازمون على مواكبة معطيات العصر ومفردات المدنيَّة، وقد فرغوا من النزول على شروط الماسونية، وهم على استعداد لليِّ عنق العقيدة والشريعة ـ حتى الدق والكسر! ـ في سبيل هذا التماهي والمواءمة، بما يرضي القوم عنهم ويحقق لهم الحضور الذي يرجون ويتطلعون.

هذا ما وقع من قبل وجرى على المسيحية في عصر النهضة، وانتهى إلى إحداث مذهب جديد باسم الإصلاح الديني (البروتستانتية)، ولم يحسم أمر الدين في واقعهم وتستقر مجتمعاتهم على شكل “مرضي” عنه، إلا عندما نجح أرباب النهضة ورجال التنوير في اختراق الكنيسة (الفاتيكان)، والنفوذ في قمة الإكليروس والبابوية وشخص الحبر الأعظم… وهذا ما كان من حال الزيتونة والأزهر، ولم يبق إلا النجف الأشرف، ورجال لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة في قم المحتلة!

وما زال الرجاء في رحمة يستنزلها الوحيد الخراساني والصافي الكلبيكاني حين يخرجان حفاة في موكب عزاء الزهراء، والأمل في عناية يلتمسها السعيد الحكيم حين يدفع عربة لمعوَّق في طريق زيارة الأربعين، ثم الرهان على مرجع أعلى رسم بقاني الحمرة نطاقاً حول النجف الأشرف، لا يسمح لوارش حداثي أو متوغل تنويري أن يدنو من أسس الاستنباط وطريقة بناء المعارف الدينية في مدرسة آل محمد.

Posted in

التعليقات