عين الحياة، نبع ليس في جبل قاف، ولا أعماق بحر الظلمات، لا يجري في اليونان أو اليابان، ولا يطلب في الصين، ولا يناله مَن في عقيدته ظنين، وعن الخير بضنين… إنه في كربلاء، أُعدَّ لنجباء، عرفوه في الذر وآمنوا به في السماء، ها هم يتقاطرون من كلِّ فجٍّ عميق، قد علموا مشربهم، يريدون ما يشرف على البيت العتيق، يروون ظمأً من زمزمه، ويعفِّرون جباهً بخاتم تربته وميسمه، يجدِّدون به عهداً ويمضون معه بيعة، يسوقون بين أيديهم هديهم، صدوراً مشرعة ترغم الأهواء والشهوات وتتحدَّى الشرور والشيطنات، ويقودون أرواحاً متألقة تستهين بالطعون ولا تبالي بالاعتراضات، وتدوس بأقدامها الشبهات وتسحق التشكيكات!

هنا عين الحياة، نبعها الذي مَن اغترف من معينه غرفة، وتناول من زلاله جرعة، خلُد إلى الأبد، واتصل بالأزل… قدَر مَن يمضي ربانياً ويصير إلهياً، فيكون سرمدياً، إذ تُزيل الرشفة كلَّ متعلقات الأنا، وتقشع ظلمات النفس وتقودها لخالص الرجاء وصحيح المنى، تنجلي الحجب وتنزاح، ويلتقي الحق ويرى ما تمناه موسى بطورٍ فانثنى عنه بكفَّي معدم.

بعد الله تعالى الذي لا يخلو هنا من بقعة ولا يغيب للحظة، رأيت في هذا المسير العرشي والمسعى الملكوتي أخاً لي فرَّقتني عنه العقائد والأفكار، صديق حميم هجرني لأنني “أضعِّف المجاهدين” و”لا أوالي ولي أمر المسلمين”، فأصطف بذلك في جبهة الأعداء وألحق بالمستكبرين!.. كان يسبقني ويتقدم عليَّ بخطوات، دنوت منه، فلا محلَّ للصلح وقطع الخصام أفضل من هذا، ولا حين خير من الساعة، التفت نحوي قبل وصولي وهتف: إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفنِّدون! تعانقنا طويلاً، وبكينا نشيجاً، وراح ينثر: انتشلتني عبَرات تحادرت مني في مجلس عزاء، بعد قلب اكتوى بلوعة المصاب، فانكشف لي الغطاء وانزاحت الحجب وظهرت الحقائق، كنت ـ أي أخي ـ في تيه وضلال، فجئت مسترشداً تائباً، وجدت الأبواب مشرعة لنائم انتبه قبل الموت، وغافل استيقظ قبل الفوت، فأدرك بالحسين كل عيد، ليوافي صحباً قضوا في ربى الطفوف أضاحي.

إنني أرى الحقائق الآن، أشهدها واضحة جلية، وأتطلَّع إلى عين الحياة في كربلاء، لا بشروط نمليها على صاحب الحوض، ولا بضوابط نرسمها لمفجِّر العين وحامل اللواء! بل وفق قانونه وعلى نهجه وشرعه، نشعلها ثورة وقياماً حيث ثار وقام، ونلتزمها قعوداً وسكوناً حيث التزم داره وكان حلس بيته…

‏رأيت هنا مَن تصطف في مرآب منزله أكثر من عشر سيارات فارهة، بينها رولزرويس وبنتلي وبورش ولامبرجيني وفيراري، من الترف وحياة البذخ ما يناهز عيشة الملوك والأباطرة في القرون الوسطى، رأيته ينام على الأرض متقرفصاً، وقد اتخذ من حذائه وسادة! وأعرف فتى تقدَّر ثروة أبيه بثلاثة مليارات دينار، طلب من أحد المواكب دوراً يحقِّق له عنوان خدمة الزوار، فاعتذروا لكفايتهم، ثم استدرك أحدهم وعرض عليه تنظيف المراحيض، فقبل وفعل، وما زال مرابطاً هناك، ينتظر خروج الزائر ليزيل مدفوعاته ويطهِّر المكان للتالي! وهنا متغطرس متكبر، يتجنب التسوق في الكويت حتى لا يخالط عامة الناس، فلا يبتاع حاجاته إلا من هاوس أوف بيجان في بيفرلي هيلز كالفورنيا، أو بوردون هاوس في لندن، أو لوي فيتون في باريس، وهو يعاني من رهاب التلوث والميكروبات، لا يكاد يلمس شيئاً إلا بادر لتعقيم يديه… رأيته يشرب من وعاء سبقه إليه غيره، ويتناول الطعام بملعقة معدنية (ليست من الستيل المصقول) لم تغسل بعد الاستعمال السابق! ورأيت رجلاً أعرفه في قمة مواقع السلطة والقرار في بلده، كان يجمع القمامة، ويكنس النفايات.

‏هنا تنكسر النفوس وتتحطَّم كل أنا، ويقوم الجهاد الأكبر… هنا ترقى الأرواح وتصعد لتحف بالعرش وتبلغ الذروة التي تُلحِقها بسادتها. إنه الباب الذي فتحه الحسين، والسفينة التي أبحر بها سيد الشهداء.. فُلك النجاة، وهؤلاء الناجون الأحياء.

هنا الحياة، لا حيث كنا نحسبها حكومة عدل، والخانعين تحت نير الظالمين أمواتاً، ونرى الإمامة ثورة وقياماً، والقاعدين عنها ضُلَّالاً ونياماً! لعمري كم هم صغار تافهون، حتى ليغلبي الخجل والحياء كلما تذكرتهم يزهون بجهادهم ويفخرون بتضحياتهم، اخترقتهم الدنيا ونفذت في أرواحهم، وغلبهم الهوى وجرى مجرى دمائهم، فغدوا طوواويس يخطرون بريشهم، وينشرون أذيالاً تصنع قوس قزح، وتكرس الشيطان اسماً ورسماً!

حقاً إنهم صغار تافهون، في الهامش يقبعون، وعلى شفا جرف هارٍ يمضون، لا يؤبه لهم ولا يُلتفت إليهم، حتى كأن الضجيج الذي يقيمونه في عالمهم، والصخب الذي يثيرونه في دنياهم، زبد وغثاء، وعفط عنز يأتي من نثر أنوفهم، فيُقابَل بزجر راعيهم وهو يحاكيهم، ولمن أحسن النظر وتبصَّر، هو عراق خنزير في يد مجذوم… ولست مأخوذاً في حكمي عليهم بهذا السيل العظيم والجموع المليونية التي يتصاغر أمامها كل حزب وجماعة وفئة، ولا من وحي عظمة المقصود، ما تتضاءل أمامه كل طاعة وعبادة،‏ بل هي عظمة الحقيقة، والروح الملكوتية التي تصاحبها، وتمتد لتهيمن وتغلب باسم الله الأعظم.

كم استصغرنا عاشوراء واستهنَّا بكربلاء، كم حجَّمنا القضية بأحجامنا الصغيرة، وصببناها في قوالبنا الضيقة وصدورنا الحرجة! كم أهدرنا قيم السماء بهذا اللغو ومتسافل الخطاب، ثم كابدنا في نشره كل عناء! ونحن في غفلة أن الحسين سعى لحتفه لا لملكه، وتقدَّم لمقتله لا لحكومته، لم يحتل بحيلة ولا ناور بوسيلة، فكل الأنظار في عاشوراء كانت تتجه نحو الآخرة والحياة القادمة، لا هذه التافهة العابرة الخاطفة. في عاشوراء، رفعت الأشرعة في كل فضاء حتى ملأت السماء، واقتُلعت المراسي من كلِّ الأعماق، فتحررت جميع الأرواح، وأقلعت سفينة النجاة، وراحت تتهادى في خضم الطوفان، وتبحر في لججه البعيدة، وربانها ينادي ويحكي عن ولهه إلى أسلافه اشتياق يعقوب إلى يوسف، ومصرع هو لاقيه، وموت خُطَّ على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وعن حظيرة قدس تجمع فيها برسول الله لحمته، وقيامة يوفَّى فيها أجره…

كان المشهد في نسخته الدنيوية قتلاً وأسراً وذلاً وهواناً وهزيمة، وها هي صورته الملكوتية تتجلى عشقاً وتحرراً وعطاء وتضحية، وبذلاً وإيثاراً وتكافلاً وحمية، إنه صراع الأرواح والمعاني، وحرب القيم والمثل، وما الدنيا بما فيها إلا كورقة في فم جرادة تقضمها، فانخدع المغترون بنعيم يفنى ولذة لا تبقى، وغلبهم سبات العقل وقبح الزلل. ولو أعاد داعيهم عليَّ نداءه الأول الذي غرَّني به، فقال لو كنا حظوراً في كربلاء لما قتل الحسين وما سبيت زينب! وأن قائدهم هو حسين عصرنا وعليُّ زماننا… لقابلته وواجهته بـ: هبلتك الهبول، أعن دين الله أتيتني لتخدعني، أمختبط أنت، أم ذو جِنَّة أم تهجُر؟!

فإن لم يكن من الطواغيت وأئمة الضلال، وكان مغرراً به مثلي، لأخذت بيده، وجئت به إلى هذا المسير، وعلَّمته كيف يبكي وينوح، فيفتح المغاليق، وكيف ينكسر قلبه فيعتمر حباً وعشقاً، فتذل له وتطاوعه المقادير، يقول للشيء كن فيكون! ليعلم ويكتشف بنفسه أن هذا أداء يتخطى به أربابه حتى قوانين القيامة! فيقيم الله لهم محشراً خاصاً بهم، وقيامة تسبق قيامة الخلق، فيزفون إلى الجنان، والخلق في عرصات قيامتهم، في المحشر وعلى الصراط وأمام الميزان، يساقون إلى جهنم زمراً، كلما دخلت أمة لعنت أختها… ويرى التافهين الصغار، مستغرقين في بقعة ومتهالكين على برهة، لو جمعت إلى حجم الأرض والحياة عليها لما تجاوزت نقطة، ولا بلغت من بحر قطرة، ومن رمل الصحراء حبة، فكيف بها أمام الكواكب والنجوم والمجرات؟ وأمام العوالم التي تفصلنا عنا مليارات السنين الضوئية، وأمام كل ما في الكون من كائنات… لا شيء في عالمنا يمكن أن يقف وينهض، ويضاهي ويقهر، إلا هذا المشهد، والوجود يردد: أشهد أنك قُتلت ولم تمت، بل برجاء حياتك حييت قلوب شيعتك، وبضياء نورك اهتدى الطالبون إليك… وأشهد أن هذه التربة تربتك، وهذا الحرم حرمك، وهذا المصرع مصرع بدنك، لا ذليل والله معزُّك، ولا مغلوب والله ناصرك…

Posted in

التعليقات