ترى لماذا اتخذ السيد حسن نصرالله موقفاً معارضاً للانتفاضة الشعبية في لبنان؟! لماذا اصطفَّ مع السلطة الجائرة الفاسدة ضد الشعب المحقِّ المظلوم؟! وهل كان ذلك من الحكمة والكياسة في شيء، أم هو مما اضطر إليه وأُكره عليه؟!
سواء كان هذا الحراك الشعبي عفوياً بريئاً ومخلصاً نزيهاً، يحكي آلام الناس ويعكس تطلعاتها وآمالها، أم كان شيطانياً خبيثاً ملوثاً مريباً، دبَّرته أمريكا بلَيْل، والموساد في وضح النهار، ثورة تريد في الأرض الفساد، وتستبطن الشرَّ بالعباد والبلاد… على جميع هذه الاحتمالات، فإنَّ تموضع السيد والحزب ضد مطالب شعبية محقَّة، وأهداف إنسانية نبيلة، ونهج سلمي مشهود، هو خطأ فادح ووصمة في تاريخ الحزب ستترتب عليه نتائج كارثية. لا أحد يدعي أن السيد خسر بذلك تمام شعبيته وضيَّع كلَّ زعامته، لكنه فقد ولا شك الكثير منها، كما فقد صوابه وأضاع رشده في اصطفافه مع السلطة ضد الشعب! وهي خطوة تأتي في سياق سلسلة خطوات ومطبات ما زال يعثر فيها ويقع، فيقوم جريحاً يتوكأ، فلا يلبث أن يكب على وجهه في التالية، وهكذا حتى جاءت هذه القاصمة القاتلة….
يشهد الله أنني رأيت هذا النعش يُصنع، وتراءت لي الضربة الأولى من المعول الذي حفر هذا القبر، مع البيان المشؤوم الذي تحدَّى الزهراء عليها السلام وهو يأبِّن الضال المضل محمد حسين فضل الله… وقد تطلَّعت حينها بسذاجة، وعزمت أن أوصل رأيي وأُبلغه القوم، محذراً وناصحاً مشفقاً، بأنكم تحفرون قبوركم وتدقون المسامير في نعوشكم، فهذا حق حقيق، كما في النبوي الشريف، ما عاداه بيت إلا خرب، ولا عاواه كلب إلا جرب، ومن لم يصدق فليجرِّب! عقوبة عاجلة في الدنيا لمن حصَّنته العقيدة ومنعه الإيمان من العقاب الأُخروي، فنبَّهني عقلاء وأرشدني عرفاء بترك الأمر، فلا أُذن هنا تسمع، ناهيك بأن تصغي وتقنع، ولا عقل يعي، ولا صواب ورشد يهدي… فعن أميرالمؤمنين عليه السلام: “ينبغي للعاقل أن يحترس من سُكر المال، وسُكر القدرة، وسُكر العلم، وسُكر المدح، وسُكر الشباب، فإن لكلِّ ذلك رياحاً خبيثة تسلب العقل، وتستخف الوقار”، والقوم تلفهم سموم تلك الهبوب بنتنِها، وتزكم الأُنوف من حولهم بزنخها، اللهم إلا العلم، فلا نصيب لهم فيه!
وتوالت بعد ذلك ضربات معاول حفر القبور، وتعاقب رصُّ الألواح وطرقات المسامير لإكمال التوابيت وبناء النعوش، عبر تعس وشقاء بمحاربة الشعائر الحسينية والاستخفاف بها، وضلال عقائدي من المغالاة بالقيادة والذهاب بها عريضة، وملَكيَّة أكثر من الملِك، فالخامنئي نفسه يقول إنني لأضطرب وأرتجف من هذه الإطلاقات، ونصرالله يُكابر ويصر على تشبيهه بعلي ومقارنته بالحسين عليهما السلام!… وما هذه وتلك إلا مظاهر تعكس الخروج من الرعاية الإلهية، وتحكي فقد العناية الربانية، وتعني إيكال الله المرء إلى نفسه، وانقطاع المدد عنه، فلا هدي ولا تسديد من بعد…
وها هي الصورة تتَّضح، والاستدراج الإلهي يكتمل ويتبلور. وإلا كيف لسياسي محنَّك، وخبير مجرَّب، أن يقع في هذا الخطأ القاتل، فيصطف ضد شعبه، ويتنكَّر لأبسط مبادئه، المتمثلة في نصرة المستضعفين والدفاع عن المظلومين، ويتموضع في جبهة المستكبرين والفاسدين والسارقين؟! ويقدم على خطوة، تمثل انتحاراً سياسياً بجميع المقاييس؟ كيف لابن فلاح بسيط، لا بيك رأسمالي ولا أمير إقطاعي، لم يثرِ من أموال الدولة، ولا وظَّف قوَّته وسلاحه وسلطته في بناء امبراطورية مالية… أن يتردَّى وعيُه وتتخلَّف تحليلاته وتخفى عليه الحقائق، حتى يعجز عن قراءة الواقع الذي أدركه أقرانه فالتزموا الصمت، ورأوا أن يتجاهلوا أصل الموضوع ولب القضية، بينما خرج هو ليصرح ويتحدَّى الإرادة الشعبية العارمة (موجَّهة كانت أم عفوية) ببقاء الحكومة واستمرار العهد على رغم حراكها ونضالها، الذي رماه بالذهاب هباءً وبتضييع الوقت وإهدار الجهد؟!
كم هو محرج أن يخرج الحزب من هويته ويتنكر لمنطلقه. ومهما اتقن المطبِّلون التبرير، وأجاد الأُجراء الدفاع والتصوير، وعمد المستأكلون للتفسير والتأويل، فالحقيقة أن حزب الله اصطف إلى جانب الأثرياء والقوارين، ودافع عن الطغاة والمستكبرين، وتخلى عن الفقراء والمستضعفين!.. وخذلهم عندالوثبة!
بعيداً عن الشماتة والتوبيخ، والمحاججة والتبكيت، وإنصافاً وعدلاً لا ينبغي الخروج منه، وموعظة ودرساً يجب الاستلهام منه.. كان يمكن لحزب الله أن يستغل الحدث ويركب الموجة ويكون الذراع العسكرية والأمنية للثورة، فيفرض إرادة الشعب بالقوة، يجمع الفاسدين في “ريتز” بيروت، أو السمرلاند (فيستعيد ذكريات نشاطه الأصلي!)، ويجبرهم على تسليم أموالهم، فيصادرها لصالح الشعب والدولة. بل يقوم بوضع دستور جديد، لبناء دولة حديثة عصرية، تتجاوز الطائفية وترسم نموذجاً في النزاهة والعدالة والمساواة والحرية، يُحترم فيها الشعب وتُصان كرامته وتُستوفى حقوقه، وعندها يسحب البساط من تحت أقدام المتآمرين أو المستغلين (إن وجدوا)، ويسجِّل إنجازاً يزهو به كل شيعي ما دامت الدنيا ودام لبنان… لكنه لم يفعل، لأنه فقد الروح الثورية، وما عاد يملك قراره، فقد تحوَّل إلى كتيبة عسكرية إيرانية، وها هو يُستخدم عصىً غليظة تلوِّح بها الدولة والنظام، يردع بها الشعب ويُفشل حِراكه ويُبطل آماله وأحلامه.
وبعد هذا وذاك، وفي عالم الحقائق، فإن الأحداث التي يمرُّ بها الحزب هي ظروف ساقتها الأقدار لتنبيه المغترين به، وإيقاظ النيام المستغفلين المأخوذين ببريقه، تعلن أن لا مقدَّس هنا ولا منزَّه، أنتم لستم أمام إمام، ولا مصحف شريف وقرآن، لا ضريح ولي، ولا قنديل في إفريز مقام… هذا حزب سياسي مثله مثل غيره، تحكمه المصالح لا المبادئ، وتديره المنافع لا القيم، لا يلتزم شرعاً ولا يمتثل خلُقاً، مثله مثل حزب الدعوة وحركة أمل وحزب الفضيلة والإخوان المسلمين وحزب التحرير… لا حين صال وجال كان حزب الله حيدرياً حسينياً، ولا حين أمسك وتخاذل كان يزيدياً أموياً، علينا أن نخضع أداء الحزب في كلِّ حدَث وواقعة لمعطيات الحدث ونتائج الموقف، فيصدر الحكم بالصحة أو السقم، ويندرج الفعل في الصواب أو الشطح… والنتيجة الأهم الأخطر التي نخلص إليها الآن هي أن لا مقدَّس في السياسة، لا ولي ولا قائد، لا دولة ولا حزب، مهما عظم اسمه وزها عنوانه، فانتسب إلى الدين والمذهب، بل لحقه لفظ الجلالة!
أما عند الموالين وفي قاموسهم فإن الإخفاق الحقيقي كان في اللهو عن تجدد الأحزان في الأربعين، عاشوراء الثانية، وضجة السماوات من عودة قافلة سيد الشهداء من رحلة الأسر والسبي، وفجعة الزهراء من شقِّ القبور ونبشها لدفن الرؤوس وإلحاقها بالأجساد الطاهرة… ولبنان من أقصاه إلى أدناه، من جنوبه إلى بقاعه، مروراً بضاحيته.. في شغل ولهو عن الله والسماء والحق! ولم تقف المأساة وتكتف حتى ألحقت بلاءها بتعطيل قوافل زوَّار حرم السيدة زينب في الشام، وكأن الغرض منها قد استنفذ، وعنوان التعبئة الذي سقط تحت لافتته مئات الشهداء، ما عاد يعنيهم، فقد فرغ من إنجاز المهمة السياسية، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
التعليقات