من وحي حديثٍ صدحت به الروح وشدَتْ، شكوى حملها مُضنىً، ونجوى بثَّها عارف… استلهم. يقول: قيثارتي مُلئت بأنَّات الجوى، لا بدَّ للمكبوت من فيضان. صَعدتْ إلى شفتي بلابلُ مهجتي، ليبين عنها منطقي ولساني. أنا ما تعديتُ القناعةَ والرِّضا، لكنما هي قصة الأشجان. أشكو وفي فميَ التراب وإنما، أشكو مُصاب الدِّين للديَّان… فيأتيه جواب شكواه: كلامُ الرُّوح للأرواح يسري، وتُدركه القلوبُ بلا عناءِ. هتفتُ به فطار بلا جناحٍ، وشقَّ أنينُه صدرَ الفضاء. ومعدنه ترابيٌّ ولكن، جرت في لفظه لغةُ السماءِ. لقد فاضت دموعُ العشقِ منِّي، حديثاً كان عُلويَّ النِّداءِ. فحلَّق في رُبى الأفلاك حتَّى، أهاجَ العالمَ الأعلى بُكائي. تحاورت النجومُ وقلن صوتٌ، بقرب العرش موصولُ الدعاء. وجاوبت المجرَّةُ علَّ طيفاً، سرى بين الكواكب في خفاءِ. وقال البدرُ هذا قلب شاكٍ، يواصل شدوَه عند المساء. ولم يعرف سوى رضوان صوتي، وما أحراهُ عندي بالوفاء!

من رائعة إقبال اللاهوري هذه اقتبس العنوان والفحوى، دون النظم والبيان، فهو لا يحسن الشعر وإن أحبَّه وتذوَّقه. كما أنه خالف إقبالاً في نحو الإرسال، فلم يبثها الله تعالى مباشرة، بل قصد باباً واتخذ وسيلة، ولم يبعثها طائشة ويرسلها هائمة، حتى تسمعها الملائك، وتعلم بها النجوم والكواكب، بل سطرها بمداد وحبسها في صحيفة، رقَشها ونمنمها ووشَّها، ثم ضمَّها إلى بعضها وطواها كلفيفة دفينة، ووديعة ثمينة، ناولها ضريح سيد الشهداء، مخدومه الأول وشفيعه المؤمل…

فاض الخاطر وسنح الخيال، فكتب بيراع رشيق وخط أنيق:

سيدي، عبدك القِن، ومملوكك المحض، المقرُّ بالرقِّ والتارك للخلاف عليك، الموالي لوليك والمعادي لعدوك، ضاقت به الحيلة وانقطعت الوسيلة، فخطَّ ما يرجو به الفوز والأمان، راجياً هِبة تخلعها أو صدَقة تجريها على متسوِّل، مدَّ يد الاستعطاء ولوى عنق الاستجداء ببابك، ومرَّغ وجه الخضوع وأرخى دموع العشق على أعتابك، يريد علامة يعرف بها رضاكم! فليتك تحلو والحياة مريرة، وليتك ترضى والأنام غضابُ. وليت الذي بيني وبينك عامر، وبيني وبين العالمين خرابُ. إذا صحَّ منك الودُّ فالكلُّ هين، وكلُّ الذي فوق التراب ترابُ.

مولاي! لست أحمل متاعاً لآخرتي، ولا أملك بضاعة أمهِّد بها قبري لرقدتي، ولا تحفة أفرش بها لحدي لضجعتي. أفنيت بالتسويف والآمال عمري، وضيَّعت بالأماني والأحلام حياتي… لم أحصِّل علماً يبلغ الكفاية، ولا أجدت وأتقنت عملاً وأخلصت فيه الغاية. وها أنا أطوي كهولتي وأُثقل الخطى نحو شيخوختي، أجرُّ أقداماً لا تطاوعني، وأرعى بدناً ما زالت أوجاعه تغالبني، فلا أفرغ من علَّة حتى تنتابني أُخرى، ولا أُداوي طرفاً حتى يشكو طرف، ولا أُعلل عضواً إلا ويعطب آخر. أخشى أن انتقل خالي الوفاض، وانقلب صفر اليدين، أقلِّب كفيَّ بحسرة، وتغلبني عيناي بعبرة…

بلى، يقولون أنني بالغت في التولِّي لكم وأغرقت في التبرِّي من عدوِّكم! حتى أسرفت، فلم أقف عند التبري من أعدائكم فحسب، ووِردي الدائم لعنهم، أختم ألف مربَّعة فأُلحقها بأُخرى، أنذرها لحاجاتي، وأعيش بها حياتي، أحسبها كفارة لذنوبي، وممحاة لآثامي ومجنَّة تدرأ عني وواقية تحميني… بل أنا أتبرأ من“شيعة” ينتسبون إليكم ويزعمون موالاتكم، إن هم انتقصوا ذرة من حقِّكم!

سيدي! لقد عشت حياتي كلها، مذ وعيت، لم أُجالس لكم عائباً ولم أمدح قالياً، لا وصلت قاطعاً ولا واليت لكم عدواً. لقد قضيتها محارباً كل مَن نال من مقاماتكم بحرف من كلمة، معادياً كل مَن أزاحكم عن مراتبكم وإن بمقدار أنملة، مقاطعاً كل مَن مَسَّ شعرة من ولايتكم المطلقة، مخاصماً كل من شكَّك في مصائبكم الفادحة وخطوبكم الجليلة. ما زلت في صراع وعراك مع مَن يلتمس الأعذار لأعدائكم ومناوئيكم، ومشاحنة وصدام مع كلِّ مَن ينتقص من فضائلكم وينفي كراماتكم ويجحد معاجزكم، وفي حزازة وضغينة ونزاع لا ينتهي مع الحداثويين الذين يناهضون الثلاثي المقدس في دينكم: آثاركم وتراثكم، ثم الحوزة العلمية والمرجعية، فالشعائر الحسينية…

سيدي، ما أبقى لي هذا النهج من صديق ولا ترك لي من رفيق! رثَّت حبال المودَّة بيني وبين كثيرين وانفصمت عراها، وَهت قواعد المحبة بيننا وتقوَّضت دعائمها، شنأني الناس وتجهموني، كرهوني وأبغضوني، مقتوني ونبذوني، فبتُّ وحيداً لا أُخالط الناس، منعزلاً لا أجالسهم… بارت تجارتي، وكسدت بضاعتي، وهجرني رفقتي، من فرط ما اختلق المضلون الأكاذيب بحقِّي، ونسجوا الأباطيل عنِّي، وحاكوا المؤامرات عليَّ، ودبَّروا المكائد لي، حتى بلغوا مبلغهم في الهتك والتسقيط، والتشويه والتقبيح، والبهت والافتراء… ولكني ما وهنت ولا ضعفت، بل ما اكترثت لهم ولا اعتنيت بهم، فلا شكوت ولا تبرَّمت، ولا  لمت ولا عذلت، أغفلتهم وأهملتهم حتى كأن لا خطر لهم، تجاهلتهم فما كأنهم حضور، انصرفت لشأني وتشاغلت بعملي، وهو تعريتهم ومكافحتهم…

أما قرابتي من صحب وأهل، فتدثروا بأردية الحكمة وعلوا منابر الوعظ وادعوا النُهى والحِجى، ولبسوا أقنعة النصح والإرشاد وتسنموا مواقع الحرص والإشفاق، وراحوا يذكِّرونني بالتقية ويكررون عليَّ فوائد المداراة، وأنا أعلم باليقين أنهم بين رعديد خرِع، ومنخوب ضرع، قصِفٌ قصِم، أجبن (كما يقال) من حجَل، لا يطيق حرباً وبرازاً ولا يتحمل شدَّة وعراكاً، فيداري جبنه بإسداء النصيحة، ويختبئ وراء الاعتدال والوقار، فأُصنَّف ـ من تلقاء هذا وذاك ـ في الحِدَّة وأُلحق بالتطرُّف والشدَّة، بل والغلظة، وكل ما فعلت أنني عملت بقوله تعالى: “إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً”… يدعوني هذا إلى الحصافة ويريد الخوَر والخنوع، ويطالبني ذاك بحسن الخلق والمجاملة ويريد الدجل والنفاق، ويأمرني ثالث بالهوادة ويقصد المداهنة والضراعة. في النهاية والغاية عليَّ أن أسكت وأتتعتع أمام الضلال، وأن أخرس وأبكُم عن الباطل، كما يفعلون، وأن أبحث عن دنياي في ثنايا ديني، وأُؤمن مصالحي  في مطاوي معتقدي. وبين يدي أمر إلهي يقودني ونصٌّ علوي يسوقني، وإرشاد من الغيب يحدوني وهو يشيِّع أبا ذر إلى الربذة: “يا أبا ذر، إنك غضبت لله فارج من غضبت له. إن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب منهم بما خفتهم عليه. فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عما منعوك. وستعلم من الرابح غداً، والأكثر حُسَّداً. ولو أن السماوات والأرضين كانتا على عبد رتقاً ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجاً، ولا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل. فلو قبلت دنياهم لأحبُّوك، ولو قرضت منها لأمنوك”. إن كعب أحبار زماننا، يظهر اليوم في نهج التغريب والحداثوية والعصرنة، فلا أطيق صبراً، وتيار الضلال ومساعي الإضلال تنتحل الحركية والجهاد والإصلاح والحرص على صورة الدين والمذهب… وأنا أعرفهم دجالون مدَّعون، وأبصر بهم خراصون أفاكون، فلا أملك صبراً دون فضحهم وقتالهم.

وقد ختم رسالته وأنهى عريضته بـ: “ولن أبرح يا سيدي حتى أحظى بالجواب، وأعود منك بتحفة تسكِّن خاطري وتبرد لوعتي وتشفي غليلي، أخرج بها من غربتي وآنس بها وحشتي”!.. لكنه استسلم لقدره، وهو يرى أن لا معجزة ظهرت ولا كرامة انبلجت، فعاد كسير القلب، يلملم جراحه، ويجمع شتات نفسه، يصبها في فكرة جديدة ينطلق منها في الدفاع عن الحق، وخطَّة يقطع بها طريق الزيغ والإغواء… علَّه ينقذ بعض المستضعفين الأيتام، تلبسه واقية تكفيه ما ينتظره من ضغطة القبر حتى نهاية الصراط.

لما عاد من سفره وبلغ وطنه، تفقد متاعه، فإذا الرسالة في رحله! خولط الرجل وحسب أنه نسي إلقاءها في الضريح، ثم عاد وتذكر جيداً أنه فعل!… نشرها ليعيد قراءتها، وإذا في نهايتها، بغير خطِّه:

“نصرتنا فنصرناك”!

والمستقبل عندهم ماضٍ لليقين من تحققه، وانعدام الريب في وقوعه.

Posted in

التعليقات