من أكثر ما يشغل المؤمن العامل ويقلقه، يربكه في مسيرته الدينية ويؤرقه، يجعله بين إقدام ينشد الصواب ويرجو السلامة ليغنم وينعم، وإحجام يحذر التيه والضلال، يخشى أن يصرعه ويهلكه، نداء يستصرخه ويدفعه من هنا، وهاتف يزجره ويردعه من هناك… قوله تعالى: “يوم ندعو كلَّ أُناس بإمامهم”، هاجس الفلاح في إصابة تعيين الإمام واختياره، والشقاء عند تضييعه وافتقاده. فالظاهر أنه لا يكفي المرء أن يكون صالحاً تقياً ورعاً، ولا يغنيه أن يجاهد بماله ونفسه، وإن بلغ الذروة التي ليس فوقها برٌّ، أي أن يقضي شهيداً ويُقتل في سبيل الله… حتى يتخذ لنفسه “إماماً”، يتطلَّع ويتحرَّى، يتفحَّص ويتقصَّى، فيجد بغيته ويقع على ضالته. لا بد أن ينتسب لفرقة أو فئة، ويلحق بحزب أو جماعة، ويحمل هوية ويحكي مدرسة، ويأخذ بحُجزة ويتبع راية. فالإمام والقائد والهادي والمرشد هو أساس كلِّ عقيدة وعمل، ومدار كلِّ توفيق ونجاح، ودونه “وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً”.
ونحن وإن فرغنا من هذا الأمر وسلكنا سبيل النجاة فيه، وقعنا في معضلة الغيبة، وليس لنا في عصر غيبة الإمام إلا بدائل نتخذها علامات تدلُّنا عليه، وطُرقاً تأخذنا إليه، نرجو أن تكون صحيحة وصادقة، ونحرص ألا تكون مخطئة أو كاذبة، فنطلب الأعلم والأعدل والأجمع للشرائط، الذي تتم به الحُجَّة وتتحقَّق وصية الغائب العزيز. والشيعة عند بداية الغيبة اتبعوا إمامهم عبر السفراء الأربعة، وما زالوا منذ انقضاء عهد السفارة، يمضون على بيِّنة ويتبعون الحوزة والمرجعية نظاماً يمثِّل ـ في مجموعه ـ النيابة العامة عن إمامهم، يعالجون من خلاله البلاء الذي نزل بهم، ويداوون جرح فقْد وليهم. وما انفكت، في عرض هذه المسيرة الممتدة، دعواتٌ تقوم وحركاتٌ تظهر، تريد أن تصادر موقع الحوزة وتسقط المرجعية، وتلتف على الأصالة والموروث المقدَّس الذي تحمله، وتجشمت كل العناء وقاست أشد الصعاب لحفظه، تتداوله وتتعاهده جيلاً بعد جيل، وتتناقله وتتوارثه كابراً عن كابر. وقد انتشرت هذه الحركات المريبة والدعوات الباطلة في زماننا وغلبت، وطغت وامتدت، حتى سرى الشك وبلغ التشكيك وعمَّ أكثر الساحات وأوسع النطاقات، وصار حمَلة الحقِّ (في النخب العاملة في ميدان التبليغ والإرشاد الديني) قلَّة، وإن كانت الأكثرية الساحقة والأغلبية الكاسحة من الأمة المؤمنة، ما تزال على الأصالة والتمسك والعمل بالموروث التقليدي.
والمعضلة الأخرى التي يعيشها الناس مع “الإمام” والآية الكريمة، أنَّ الأمر هناك، في القيامة والمعاد، حيث يُحشر المرء ويُنادى بإمامه، لا يمضي بالادعاء وينجَز بالدجل، ولا يتم بالحيلة وينقضي بالتدليس، ولا ينطلي بالالتواء والافتراء، مما يفعلون هنا في الدنيا، فهذا يوم تبلى السرائر، وتنجلي الحقائق وتشهد على الإنسان جوارحه ووجدانه، فهو على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره. ولو جُلت على الساحة وألقيت السمع وأرسلت النظر، لرأيت المؤمنين، بعد الناس، في أرجائها أهواءً ومشارب، وأسراباً ومسالك، كلُّ حزب بما لديهم فرحون، وكلُّ جماعة تدَّعي أنَّ الحق فيها، وغيرها في الخرافة والقعود، أو الجهل والرجعية، أو في الخيانة والعمالة!
كنت في حيرة من أمري، بماذا عساني أن أمدح الراحل العزيز السيد جعفر مرتضى فأوفيه بعض حقه، وفي الأقل الأدنى لا أبخسه شيئاً من فضله؟ فبعض الإطراء انتقاص! كثيرة هي المزايا والسجايا في هذا السيد الجليل، ومتنوعة الخصال والفعال في هذه القامة الشامخة، ومشهودة المكارم والفضائل في هذا الطود الأشم… ولكني لمَّا راقبت مشاهد التشييع، ولاحقت بيانات التأبين، بما حقَّق الفرز وأمعن في التموضع ورسم الخطوط وشكَّل الصفوف، انكشفت لي المحمَدة الحقَّة، وظهرت الفضيلة الكامنة والشيمة الأهم والأخطر! ورحت في مقارنة بينه، وهو في ساحته قطب الولاء، وبين الهالك محمد حسين فضل الله، قطب النصب ومظهره المندس في الصف الشيعي (ولا يحسبن غافل أن رميه بالنصب إغراق وإجحاف، فهناك من الأدلة والشواهد ما يحمل على الجزم بأن الرجل ممن يحسدون آل محمد على ما آتاهم الله من فضله، وأنه كافح ما تمكَّن لجحد فضائلهم ونافح ما استطاع لصرفها عنهم. وتكفيك مراجعة كتاب العلامة السيد علي أبوالحسن “سبعون آية في آل محمد” رصدها في فضائل علي وآله، صرفها فضل الله في تفسيره “من وحي القرآن” إلى غيرهم، أو تجاوز مواضعها وأهملها! على الرغم من اعتراف المخالفين وإذعانهم بها، فماذا يعني النصب غير هذا؟!)…
لقد رأيت أنَّ أعظم ما في السيد جعفر هو انتماؤه، والراية التي عمل تحتها، والإمام الذي أبى أن يستبدل به سواه، كما فعل ويفعل غيره! ولا سيما أن الدنيا أقبلت إلى السيد جعفر مرتضى ودنت منه الزعامة حتى وقفت على أعتابه، وما زالت تطرق بابه وتستأذنه الدخول لتسلم له العنان وتلقي بين يديه القياد، فحزب الله الذي كان وما زال يعاني معضلة “الشخصية العلمائية”، ويشكو افتقاد “الرمز الديني الوطني”، ما كان ليجد بين المؤمنين به وبالجمهورية الإسلامية، مَن يداني السيد جعفر علماً أو ينافسه فضلاً، أو يقرب منه تقوى ونزاهة وإخلاصاً، وكذا الحال في غزارة الإنتاج ووفرة العطاء، وحتى في الصلات والعلاقات التي تربطه بعِلية القوم في قم وطهران…
لكنه رضوان الله عليه لم ينزل على الشروط، ولم يبع دينه ويفرِّط بقناعاته لمال وزعامة وشهرة، وآثر الإنزواء، الذي ما زال يزري به حتى عزله عن مجرَّد الاستئناس برأيه والتماس مشورته في صميم تخصصه (القضايا التاريخية)، ناهيك بالسياسة والشؤون العامة! وقُدِّم عليه جلف أهوج معقَّد، يقلب الإمامية زيدية، يمسخ المفاهيم ويقلبها حتى توافق مقولات الثورة والقيام، وينسف التراث بأداء يهتك العلم، ويشكِّل جريمة بحق جهود السلف من العلماء، وكارثة على الأمة على جميع الأبعاد.
لم يتخذ السيد جعفر إماماً غير أميرالمؤمنين وأولاده المعصومين، ولا ارتضى غير المرتضى، لم يضارع في قضية الزهراء عليها السلام ولم يصانع، ولم تغلبه المطامع، لا داهن ولا جامل، وجاهد بشجاعة وقاوم ببسالة قلَّ لها النظير، وصمد أمام الضغوط التي أطبقت عليه واعتصرته، ليوقف كتاباته وإصداراته في الدفاع عن الزهراء عليها السلام (وبعضها جاء من القيادة الإيرانية مباشرة!)، وامتدت الشيطنات حتى هلك الضال المضل، فأرادت الضغوط أن تحمله على المشاركة في تشييعه، فأبى، ثم في الأقل الأدنى، تقديم العزاء لبنيه وأهله، لكنه وتد في الأرض قدمه، ونظر أقصى المشهد، فلاحت له صوَر خيانة الدين، وظهرت له ملامح إضلال المؤمنين، فأبى ورفض… مضى في طريقه، وقال كلمة الحق بحكمة جنَّبته المعارضة وخلْق المشاكل والصعاب للمتصدين للشأن العام، وأبقى على الحدود التي تحفظ البيت الشيعي، بأداء لا يخالف التقية وطريقة لا تجانب الفطنة والكياسة، كما كان يرى ويتصوَّر رضوان الله عليه.
وكانت النتيجة المباركة لهذا الترفع والنزاهة، استقلالية نأت به عن التلوث بأية هوية غير الحوزوية العلمائية، والسلامة من تبعات الحزبية وويلاتها التي حطَّمت أتباعها وأهلكتهم وهم لا يشعرون، وها نحن نراهم مجرد آلات وأبواق أو حناجر في فرقة يشير إليهم “المايسترو” بعصاه، وأحياناً بإصبعه فقط، فيرددون ويعزفون، ويرفع هامان الصرح لفرعون، وتحمل عصبة المطبلين مفاتيح قارون…
ثم توِّجت رعاية الحق له في خاتمته وجنازته… وظهرت “يوم ندعو كل أُناس بإمامهم” في الجنازة، ودعي بها سيد جعفر مرتضى قبل البرزخ والقيامة ويوم الدين! يا لهذا الطهر والنقاء، والإخلاص والصفاء، والانقطاع عن الدنيا، والعلامة في السعداء… دعي الرجل، في آخر محطات حياته، بهويته، وعاش لغة الآخرة من فوره، وارتحل بين يدي نهجه وانتسابه من ساعته: الإيمان، الحوزة، الروحانية…
كثيرون تجتذبهم الأضواء، وتسرقهم الماديات، فينسلخون عن هويتهم ويخرجون من ثوبهم، سواء في المعاش أو الاخطر وهو الفكر والنهج، فترى عمامة غارقة في المذهب المادي والمنهج الحسي، لا تعرف الغيب في سلوكها وأطروحاتها، ولا ترى بصيصَ معنويات في خطابها، يريد أن يصيب الدين بعقله، ويقدِّمه بعليل فهمه… أمام هؤلاء تظهر قيمة السيد جعفر الذي بقي روحانياً، علمياً، ملتزماً متعبداً، فانعكس ذلك على جنازته،
جنازة حددت هوية الميت ورسمت نهجاً عاشه حياته.
حُمل بالتهليل والتكبير، واسم الزهراء يخفق على رؤوس المشيعين… لا إطلاق رصاص، ولا موسيقى جنائزية، ولا فرق كشافة الرسالة ولا المهدي، لا وزراء ولا نواب ولا أحزاب، لا ضباط وعسكريين، ولا ممثلين عن الرؤساء الثلاثة، لا قساوسة تبعت الجنازة ولا صلبان تدلَّت على الصدور خلفها، لا شيوخ عقل ولا عمائم إفتاء، لا قلانس ولا طرابيش، لا أجراساً قرعت ولا صفارات إنذار دوَّت!
خيراً فعل حزب الله حين دسَّ في الفيلم التعريفي بالسيد جعفر مشهداً للضال المضل فضل الله، فهذا التطاول والتجاسر هو من أهم ما يفصل الرجل عن الانتساب للحزب، وشكراً للسيد القائد، حين لم يجد ما يمتدح به السيد جعفر من أعمال وإنجازات وإصدارات وكتب دافع فيها عن الحق، تربط على قلوب أيتام آل محمد، إلا أن يثني على جودة أسلوبه وقوة قلمه! ثم فقد كل كفؤ جدير فانتدب ناصر الضلال الأول في حاشيته، والغاوي الأكبر في بطانته، محمد علي التسخيري، لينهض بحفل تأبينه! فلم يأب هذا المنحرف الخرف التصريح بأنه لا يجد نفسه يحظى بشرف التناسب والتعزية “لكنه أمر سيدي ومولاي القائد الإمام علي الخامنئي”..
هذه الضربات المتلاحقة، تحكي أحقاداً بدرية وحُنينية نعرفها، سبق أن أضمرها القوم له من قبل، وها هو العقاب يلحق السيد في موته وجنازته! وهذا من عظيم غفلتهم وتمام جهلهم، ولو انكشف لهم وعلموا، لظهر أنهم يتوِّجون السيد بأعظم تحفة، ويزفونه لآخرته بأجمل حلَّة: اللحاق بنهجه وخطِّه، وإمامهم غير إمامه! إنها جنازة فرزت الجبهات، ومنعت تداخل الصفوف واختلاط الأصوات، وهذا أعظم ما يفيد السيد جعفر في قبره وأُخراه، بل هو وسام يعلَّق على نعشه، وإن خالها بعضهم سهاماً يُرشق بها وطعوناً تنال من مقامه.
كنت أرصد تشييع الجنازة وأتابع مراحلها من بيروت إلى عيتا، وقد رفع أذان المغرب في الكويت، فرغت من صلاتي، فأخرجت صدقة عن روحه، وأديت صلاة الوحشة عنه، وكنت كئيباً، لا أدري أمن فقده؟ أم لبخسه حقِّه وعدم معرفة الأمة بقدره؟… فتداعى أمامي الحديث الشريف، والراوي يسأل الإمام: كيف أصنع بهذه الشيعة المختلفة الذين يقولون إنهم يتشيعون؟ فقال: فيهم التمييز وفيهم التمحيص، وفيهم التبديل.. إلى أن يقول: جعلت فداك فأين أطلب هؤلاء الموصوفين بهذه الصفة؟ فقال: اطلبهم في أطراف الأرض، أولئك الخشن عيشهم، المنتقلة دارهم، الذين إن شهدوا لم يُعرَفوا، وإن غابوا لم يُفتقدوا، وإن مرضوا لم يُعادوا، وإن خطبوا لم يُزوَّجوا، وإن ماتوا لم يُشهدوا، أولئك الذين في أموالهم يتواسون، وإن رأوا مؤمناً أكرموه، وإن رأوا منافقاً هجروه، وعند الموت لا يجزعون، وفي قبورهم يتزاورون.
إلى روحه الطاهرة، رحم الله من قرأ الفاتحة مع الصلوات.
اترك رداً على عباس بــن نخي إلغاء الرد