كنت أسلك الطريق السريع من بيروت إلى الجنوب… ماضياً في دربي، عاملاً بقوانين السير، متنكِّباً حزام الأمان، ملتزماً الأدب الذي يتأكَّد في الغريب، ولا سيما في أجواء التسيُّب والفوضى التي تعيشها البلاد هذه الأيام. ما أسأت لراكب ولا اعتديت على راجل، ماضٍ مع سيل متدفق من مئات أو آلاف السيارات، حين اعترضنا صبيَّان أو شابان، قطعا الطريق بدراجتيهما، راح أحدهما يشير إلينا ـ بسبابته، وأحياناً بإيماءة من رأسه ـ بالتنحي عن سمْتنا والانصراف عن دربنا، وسلوك طريق جانبية، فحُشِر السيل، وكأنه انصب في قُمع، تجاه طريق فرعية ضيقة، تنتهي إلى زقاق، وصرنا نطوي الأذرع ونقطع الأمتار بالساعات! الغريب أن قطع الطريق إلى الجنوب لا يخضع لفلسفة الإلتحاق القسري والدفع الإجباري تجاه العصيان المدني، عبر منع الناس من مزاولة العمل، وبالتالي شل مرافق الدولة وتعطيل الحياة العامة، فهذه الفلسفة، على وهيها وركيك أدلتها، لا تنطبق على العائدين من بيروت إلى بيوتهم في الجنوب! بل بدا واضحاً أن منطلق المضايقة مذهبي بحت، كما شرح مرافقي وبيَّن، مستدلاً بهوية المنطقة والبلدة التي قطع أهلُها الطريق على الناس. أفقد الموقفُ الثوارَ كلَّ تعاطف في قلبي، وقلب مشاعري إلى غيظ وغضب، وصيَّر الامتهان والإذلال الذي لاقيت أو أحسست، حنقاً ونقمة! كما أزال صورة الثورة أو الحِراك الذي يتطلَّع أو يرجى منه إنهاء الظلم ومكافحة الفساد، ومسخها إلى شغب وممارسة جائرة مجحفة، وسلوك متعسف أهوج يقوم به سفلة أوغاد، ما صنع ـ في واقع الحال ـ وضعاً وحالة تحضُّ على التمسُّك بالفاسدين، وتحمل على تمني دوام دولتهم وبقاء سلطتهم! فقد كانت تمنع تحكُّم صبيٍّ رذل بآلاف الرجال، يسوقهم مع مركباتهم وعوائلهم كقطيع أغنام، باسم الثورة وإسقاط النظام!

ترى، مَن له أن يشعر بما أُعاني ويدرك مبلغ ضيمي ومدى ظُلامتي، وغيري ممن صفعتهم المهانة وقهرهم الإذلال؟!.. ما زلت أفكر في الأمر، وأصرف وقتي في الزحام وأشرد بهذا الهاجس، حتى توالت عليَّ صوَر “الجوشن الصغير” ولا سيما فقرات: وكم من عبد أمسى وأصبح مغلولاً مُكبَّلاً في الحديد بأيدي العُداة لا يرحمونه، فقيداً من أهله وولده، مُنقطعاً عن إخوانه وبلده، يتوقَّع كلَّ ساعة بأيِّ قتلة يُقتل، وبأيِّ مُثلة يُمَثَّلُ.. وكم من عبد أمسى وأصبح يُقاسي الحرب ومُباشرة القتال، قد غشيه الأعداءُ من كلِّ جانب بالسيوف والرِّماح وآلة الحرب، يتقعقع في الحديد، قد بلغ مجهوده، لا يعرف حيلة ولا يجدُ مهرباً، قد أُدنف بالجراحات، أو مُتشحِّطاً بدمه تحت السَّنابك والأرجُل، يتمنَّى شربة من ماء، أو نظرة إلى أهله وولده لا يقدر عليها.. وما يتلو كلَّ فقرة من قوله: وأنا في عافية من ذلك كلِّه، فلك الحمد يا ربِّ من مُقتدر لا يُغلب، وذي أناة لا يعجل، صلِّ على محمد وآل محمد واجعلني لنعمائك من الشَّاكرين، ولآلائك من الذاكرين…

هان الخطب عليَّ وسكن جرحي من ألم غيري، وغلبني الخجل من ترف ما أشكو وبطر ما أعاني. أعرضتُ عما جرى في الطريق وتناسيته، وأرحت قلباً وشرحت صدراً، ومضيت لشأني…

عند المساء التقيت أحد رجالات الجنوب وقمم جبل عامل. سيد مقاوم، لا بصاروخ وبندقية، ولا بسياسة ماكرة وأداء متحايل خادع، بل بجهاد مخلص يذود عن العقيدة، ودفاع صادق يرد عن المذهب، يحمل قلماً يردع الأدعياء الدجالين، ويمتشق يراعاً يهوي على المنحرفين الضالين، قلعة تحفظ المقدسات عن التشويه، وتصون الثوابت عن التحريف والتزييف، وحصن دون الخرافات والأساطير والأراجيف… وهناك تلقيت درسي وحظيت بموعظتي. في صومعة منفصلة عن كل الصخب الذي تضجُّ به الشوارع والساحات، سكون وطمأنينة لا تكترث برعب أهل القصور، وارتجاج خزائن البنوك، وهرج أروقة المؤسسات، ووجيب قلوب ذوي الحسابات، ولا تعرف القلق والاضطراب، لا تبالي بالحراك إلا بما يمسُّ الدين وينال من المؤمنين… حضر العلم وزهت الفضيلة، ودار الحديث وجال، بين الوسائل وجامع الأحاديث، وعن التهذيب والاستبصار، وطال الأسانيد والرجال، حتى انتهى، لمحض صدفة، إلى مفهوم الغضب والنقمة!

ذكر حديثاً يحكي أن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وآله رحمة، ويبعث القائم عليه السلام نقمة، أعادني إلى دعاء الجوشن، لكنه نقلني من آلام ومعاناة الأفراد، إلى ما يصيب محور الوجود ومفزع الموجود، ويعتري قلب عالم الإمكان، ويجيش فيملأ صدر إرادة الله ومجلاة أسمائه وصفاته، ومن قبل، كيف عسى الغضب أن يتحقَّق فيه سبحانه وتعالى، فتحلُّ نقمته على المجرمين العُصاة وتنزل بالعتاة الطغاة، وهو منزَّه عن الانفعال، لا يعتريه تغيير من حال إلى حال؟ وبعد أن يُحمل ذلك على المجاز الذي ينتهي في الحقيقة إلى عقابه، كما رضاه إلى ثوابه، فإن لله عزَّ وجلَّ وليّـاً من خلقه، يحكي آياته، ويجسِّد صفات أفعاله، فيكون مظهراً لها، بعد أن تعلق بروحه الإنسانية فتندك فيها، ويعيشها في ذاته البشرية فتطبعها وتصبغها.

وهنا السؤال الأخطر والتساؤل الأكبر، تُرى ماذا أوقد غضب المتكبِّر القهَّار، وأسعر غيظ القوي المتين، وأذكى سخط العزيز الجبَّار، فحلَّت هذه الأسماء وتجلَّت هذه الصفات في وليه المنتظر صلوات الله عليه؟ فصار تِرةً ووتراً وثاراً وسيُبعث نقمة، يمثِّل “إنَّ الله عزيز ذو انتقام” و”إنَّا من المجرمين منتقمون”! لعمري، ما الذي أقضَّ مضجع هذا الولي المؤتمن على إدارة الكون وأسهر ليله؟ وهو شريك القرآن وحامل الفرقان، حارس الخلائق وحافظ الودائع؟ ما الذي آلمه وأشجاه، وأمضَّه وأعياه؟ فحمله أن يندب للعولة ويدعو لذرف الدموع والبكاء مع الباكين، والصرخة مع الصارخين، والضجَّة مع الضاجِّين؟ لعلَّ معالم المأساة ارتسمت بعض الشيء في نصِّ إحدى الزيارات وهي تعدِّد: “وهم بين صريع في المحراب قد فلق السيف هامته، وشهيد فوق الجنازة قد شُكَّت بالسهام أكفانه، وقتيل بالعراء قد رُفع فوق القناة رأسه، ومكبَّل في السجن قد رضَّت بالحديد أعضاؤه، ومسموم قد قطِّعت بجرع السمِّ أمعاؤه”… ولعلَّه ـ سلام الله عليه ـ كتم صوراً أخرى في نفسه، لم يبح بها، إلا كزفرات تدع المدائن بلاقع، والرياض يباباً وقاعاً صفصفاً.. ما زال يستحضر هتك خدر عمَّته تساق أسيرة من العراق إلى الشام، ويعيش قهر جدَّته من ردِّ قولها وتمزيق كتابها وإحراق بابها وكسر ضلعها وإسقاط جنينها، وما انفكت صرختها: “فلا دافع ولا مانع، خرجتُ كاظمة وعُدت راغمة، أضرعتَ خدَّك يوم أضعت حدَّك، افترست الذئاب وافترشت التراب، ما كففت قائلاً ولا أغنيت طائلاً، ولا خيار لي، ليتني متُّ قبل هنيئتي ودون ذلتي، عُذيري الله منه عادياً ومنك حامياً، ويلاي في كلِّ شارق، ويلاي في كلِّ غارب، مات العمد ووهن العضد، شكواي إلى أبي، وعدواي إلى ربي، اللهم إنك أشد منهم قوة وحولاً، وأشد بأساً وتنكيلاً”.. تدوِّي وتسري، تنتشر في الآفاق وتتجدَّد في الأزمان، لتقرع الأسماع الشاهدة، وتعيها الآذان الواعية، وتُلقَّاها النفوس الخاشعة، وكأنها ميثاق الإمامة وعهد الولاية، ومدار العصور الباقية وناموس الأزمان التالية، وكُنه الفرج وسر الإنتظار، ومعنى العدل الذي يختم الله به الدنيا ويرث الأرض ومَن عليها. وفي الحديث عن زكريا بن آدم قال: “إني لعند الرضا إذ جيء بأبي جعفر الجواد عليه السلام وسنُّه أقل من أربع سنين، فضرب بيده إلى الأرض ورفع رأسه إلى السماء فأطال الفكر، فقال له الرضا عليه السلام: بنفسي، لم طال فكرك؟ فقال: فيما صُنع بأُمي فاطمة. أما والله لأُخرجنَّهما ثم لأُحرقنَّهما ثم لأذرينهما ثم لأنسفنهما في اليم نسفاً، فاستدناه وقبَّل بين عينيه، ثم قال: بأبي أنت وأمي أنت لها. يعني الإمامة”…

هذا ما يستعر ويتلظى، فيستطير الأتمَّ الأعقل، ويملأ الأبصر الأكمل، ثم يفور منه الأعظم فالأعظم، يجيش مرجل غيظه، وتلتهب الحميَّة في نفسه، ثم يكبت تنمُّره وتسخُّطه، ويجحد تحرُّقه وتلعُّجه، حتى تقرأ الكائنات من حوله لهيب غضبه في محيَّاه، فيكدر الفضاء ويكفهر، وترتجُّ الأرض من خطوه وتتزلزل، ويتوثَّب الحنق في أنحائها، وتتطاير شظاياه في أرجائها، فتستقلُّ الأشياء رعدة يُقام لها ويُقعد، لا يستقر بها مكان ولا يقر عليها مقام، تكتم نهيماً وزمجرة، تتضوَّر جوعاً لما يؤجِّج سوْرتها، وتلتاع عطشاً لما يذكي غلَّتها… لا تدري هل تمدُّ المولى وترفده وتسعفه بمزيد، أم تواسيه وتعزيه فتخفف من فورته إلى حين اليوم الموعود، فيمضي ليكون صرحاً من غضب خالص، يتحقَّق فيه ثار الله ونقمته، فإذا قام تفجَّرت النقمة وغلب الثأر. يخرج في اثني عشر ألفاً إن قلُّوا، وخمسة عشر ألفاً إن كثروا، يسير الرعب بين يديه، لا يلقاه عدوٌّ إلا هزمه، شعارهم: أمت أمت. وما يزال يقتل بقتل الحسين، حتى لو قتل أهل الأرض كلهم ما كان سرفاً، وهو قوله تعالى “ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل”.

ولا يعنينا بعد هذا أن يكره العالم المتمدن (الذي يرعى الفوضى الخلَّاقة) العنف، ويبغض الغرب الشدَّة، ويستهجن الآخر ما يحسبه فتكاً، ويدين ما يراه قوة مفرطة، ثم يستبشع مفهوم الانتقام ويستقبح فكرة الثأر، ويدرجها في الجاهلية والرجعية… هذا هو ديننا، لن نتنكَّر لقرآننا وآيات العذاب والعقاب والنكال والغضب والنقمة، ولا للأحاديث الشريفة والسيرة النبوية التي تحكي هذه الحقائق فكراً وسلوكاً وممارسة، ولن نتحايل على الأدلة العقلية ونتعسَّف لنركِّب ونلفِّق ما يوفِّق بيننا وبين الأديان الأخرى، فننبذ ونقبِّح ما حسَّنه الشارع المقدَّس في موضعه، ونقلب الصيحة والصعقة والموت الأحمر والأبيض والخسف والزلزال والفتنة والبلاء، والعرَق والعلق، إلى عبير الرحمة، وأية فذلكة أخرى عوراء تنفي عنا “التطرف” و”الإرهاب”! حتى ترضى عنَّا اليهود والنصارى، وتقبل الدول المستكبرة أوراق اعتمادنا. نحن مسلمون، نؤمن بجنة ونار، لهم منها مهاد ومن فوقهم غواش، وإنَّ لدى الله أنكالاً وجحيماً وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليماً، وسلاسل وأغلالاً وسعيراً، وماءً صديداً، وآخر يأتيهم إن استغاثوا، كالمهل يشوي الوجوه، وناراً تصلي الكافرين كلما نضجت جلودهم بدِّلت جلوداً غيرها! ومن قبل نؤمن بقصاص وحدود تُبتر فيها الأعضاء، وتجلد الظهور، وتقطع الأيدي والأرجل من خلاف، نعم، نحن نعلِّق ذلك على حكم  الإمام وإذنه، على خلاف غيرنا الذي يوظِّفها لأغراضه السياسية، فإذا رآها تعيقه و”تشوِّه” صورته، بدَّلها وغيَّرها، ونبذها وراء ظهره.

يقول دعبل: “لما انتهيت إلى: خروج إمام لا محالة خارج، يقوم على اسم الله والبركات. يميز فينا كل حق وباطل، ويجزي على النعماء والنقمات. بكى الرضا عليه السلام بكاءً شديداً، ثم رفع رأسه إليَّ فقال لي: يا خزاعي، نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري مَن هذا الإمام ومتى يقوم؟ فقلت لا يا مولاي، إلَّا أني سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من الفساد ويملأها عدلاً، فقال: يا دعبل، الإمام بعدي محمد ابني، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً”… هذا الرضا، الذي أدخلوه في ولاية العهد والحكم والسلطان، وضربت باسمه الدنانير، يجهش لذكر المهدي، ويرقب دولته بحرقة ويتطلَّع إليها بلهفة وحسرة.. ونحن خدعتنا الدنيا بغرورها، وغلبتنا قوتنا حتى صارت شيطاناً جعلنا ننسى إمامنا ونتجاهله، فغيَّبناه حتى كأننا استغنينا عنه!

Posted in

التعليقات