لا ينكر مسلمٌ فريضة الجهاد ولا يجحد مؤمن واجب الدفاع، وليس لأحد أن يغالب حكماً هتف به الشارع المقدَّس في الكتاب والسنة والعقل والإجماع، إنما يحجم العلماء والبصراء ويتوقف الأكياس والألبَّـاء في “الرايات”، يرتابون من أصحابها والذين يحفُّون بها ويدعون إليها، يشكُّون في اتصال “قناة الفيض” التي تنحصر الرعاية أو العناية الخاصة لإمام الزمان عليه السلام بها وعبرها، فتنحدر على نوَّابه، وتنساب في المسارب المشروعة والمرضية لدى جنابه، وقد سرت من قبل على عهد الخميني فعصفت ريحاً في صحراء طبس، كريح عاد، صرصر عاتية، سخَّرها عليهم ثلاث ساعات كانت كافية، تصادمت فيها الهيركوليز بمروحيات البلاكهوك والسيكورسكي والشينوك، همدت كلُّها وتهاوت حطاماً وأشلاءً، وغدا القوم صرعى كأعجاز نخل خاوية. وكذا تنزَّلت بالأمس القريب على يد السيستاني، وجرت بيُمن زهده وإخلاصه، حشداً شعبياً ونهضة جهادية عارمة، أوقفت أعتى منظمات الأرهاب والتكفير على الإطلاق، ودحرتها حتى اقتلعت جذورها من العراق، وقطعت عن بلاد المقدَّسات دابر النفاق…
قد لا يرمي العلماءُ صاحبَ الراية بأنه طاغوت يُعبد من دون الله، ولكنهم شهدوا وما زالوا يشهدون أنه ينصر الضلال ويعين المضلِّين، يمدُّهم بالمال ويحوطهم بالرعاية ويمنحهم الحماية، يعضدهم ويمكَّن لهم، وما الحيدري وحب الله وفضل الله إلا أمثلة ونماذج، يحارب بهم الشعائر الحسينية، ويعمل جاهداً على تقويض الحوزة والمرجعية، فشجَّع المزيفة واصطنع الوهمية، وأخضع ما استطاع منها فجعلها (لأول مرة في تاريخ الشيعة) حكومية، وشنَّ على الأخرى الحقيقية الأصيلة، التي رفضت وعصت حرباً خفية، وما انفك يصرُّ ويمضي في ذلك، عبر منظمات حكومية ومؤسسات ثورية، ومنظومة أمنية وإعلامية ضخمة، جمع لها المرتزقة وجنَّد العملاء، وشكَّل جيشاً ألكترونياً تفرَّغ لمحاربة الأصالة ومناكفة الولاء وإسقاط المقدَّسات، ما بلغ (مؤخراً) ابتذال ألقاب الأئمة الأطهار وصفاتهم واسترخاصها، فإلقاؤها يمنة ويسرة، وخلعها على كلِّ شارق وغارب.
وكما يلمس العلماء وسائر الناس غلَبة التواضع ونكران الذات في المجاهدين الإلهيين العاملين بإذن المرجعية الحقَّة، المتمتعين بالمشروعية والمتصلين بها، فيظهر عليهم التواضع واللين والرفق بالمؤمنين، وكذا الخشوع والشكر والإنابة لله تعالى، سواء في التضرُّع والدعاء وطلب العون والغوث، أو في إرجاع النصر وعزو الظفر لتسديده تعالى ومدده… يغلب ـ في الفريق المقابل ـ التبجُّح والادِّعاء، والزهو والاستعلاء، ويفيض طغيان القوة والسلطة، وتتفجَّر غطرسة الكبر والخيلاء، وهذا خطابهم مشحون بالانتقاص والتعيير، ورمي غيرهم بالجبن والتخاذل، وكأن الآية عندهم “رحماء على الكفار أشداء بينهم”! فتراهم يراعون “الآخر” أيما مراعاة، لا ينالون من عقائده ولا يمسون مقدساته ويحافظون على مشاعره، لا يجرحونه بكلمة، أما المؤمن عندهم فهو ذليل مهان، لا كرامة لمعتقداته ولا حرمة لمقدساته.
ولكن مع هذا وذاك، لم يتعرَّض العلماء لهم بالصدِّ والردع والإنكار، تركوهم وقناعاتهم، لهم أن يحاربوا أمريكا ويقاتلوا إسرائيل، ويقوموا لدفع الظلم وإنعاش الحق، ولم تقابلهم الساحة الإيمانية إلا بـ “عاشت الغيرة وأنعمت الحمية، وأفلحت الشجاعة وأنجحت التضحية”، وبالدعاء لهم، بل إخراج الصدقات لسلامتهم ودفع البلاء عنهم، والبكاء على قتلاهم وإعانة عوائل شهدائهم، والنهوض بكل ما تمليه الإنسانية، والأُخوَّة الإيمانية، وحفظ التواد والتراحم… لكن دون الالتحاق بهم والانضمام إليهم!
لن نكون الطير أو الفرخ الذي نهض من عشِّه قبل أن يستوي جناحاه، فسقط فأخذه الصبيان يتلاعبون به. لن نتعجَّل ونهدر الأرواح، فالله لا يعجل لعجلة العباد، فهذه الدول والحكومات لها آجال كآجال البشر، ولإزالة جبل عن موضعه أهون من إزالة مُلك لم ينقض أجله وتتصرَّم أيامه. ولو كان لأحدنا نفسان فيقدِّم إحداهما ويجرِّب بها، ثم يستقبل التوبة بالأُخرى، لهان الأمر، ولكنها نفس واحدة، إذا ذهبت ضاعت الفرصة وذهبت والله التوبة. ونحن نعلم أن الرجل ما كان يطيع أئمته وهو وحده في مشهد، مغمور مجهول، يلاحق علي شريعتي ويترجم لسيد قطب، فكيف يطيعهم اليوم وقد ارتفعت من حوله الرايات وخفقت الأعلام، وجمعت له الأموال، وحفَّ به الجند والتفَّ الأعوان، وثنيت له الوسادة ونُصب العرش وأُعطي الصولجان!؟
لتقاتل إيران أمريكا أو تصالحها، هذا شأنها، فهي دولة عظمى في المنطقة، لها مصالحها وسياستها، التي قد تقتضي عقد صفقات وإخراج مسرحيات، تستغفل العوام وتغرِّر بالسذج، فيُنذَر العدو ويبلَّغ بساعة الصفر، لتُقصف معسكرات خالية، فلا يجرَح، ناهيك بأن يُقتَل أحد… لتفعل إيران ذلك، ونعم ما تفعل، فتنجي بلادها وشعبها من دمار شامل كان ينتظرها إن هي انتقمت حقاً وضربت فأوجعت، ولعلَّ الرد الأمريكي كان سيبلغ في نهاية الأمر القصف النووي، وليس ترامب الأصهب بأكثر إنسانية من ترومان الأعرج، أما السيد الخامنئي فقد أفتى بحرمة صُنع القنبلة الذرية واستعمالها، فلا مانع ولا رادع!
ولكن، ليس لإيران ولا لأتباعها أن يُلزموا غيرهم بانتهاج دربهم والمضي في مسيرتهم، ولا أن يلوِّحوا لمن يأبى ويمتنع بعصا الإرهاب الفكري، أو التهديد بالتصفية الجسدية والإرهاب الأمني…
ولعل ظهور العجز الإيراني سواء في عملية الانتقام المسرحي، أو في الارتباك والاضطراب الذي ولَّد خطأ إسقاط الطائرة المدنية (حتى الكنديين من ضحاياها هم من أصول إيرانية)، كان من خفيِّ الألطاف!.. وإلا فإن العقل الجمعي الشيعي المشحون عاطفة، المعبأ حماسة وثورة من جرح الغدر والغيلة التي استهدفت قادة قاتلوا داعش وأنقذوا البلاد والعباد من شرِّها، كان يأخذ الساحة إلى مواقع واصطفافات بعيدة عن العقل والحكمة، وعن المرجعية العليا، ويهوي بها في أحضان الجمهورية الإسلامية، وأيد غير مؤتمنة ولا تتمتع بالكفاية، لا الشرعية ولا العملية، وهذا ما استدركه السيد السيستاني دام ظله في شجبه للانتهاكات والاعتداءات التي طالت العراق من الطرفين الأمريكي والإيراني على السواء، وإدانته كل ما ينال من السيادة والاستقلال ويحول دون الأمن والاستقرار. هكذا مال بالكفَّة فاعتدل الميزان، وعاد بالأمر إلى نصابه. وهنا عاودت أسراب الذباب الألكتروني دويَّها، وشاعت همهمة وعمَّ تطاول على المرجعية، وشنشنة نعرفها من أخزم، الأمر الذي أفاد الحقَّ كما أضرَّه! ففضح خطاب التدليس وكشف أداء النفاق الذي كانوا يلقون به العوام، من قبيل مقولة “السيدين العليين الحسينيين”، وأضرَّ من حيث هتك المرجعية العليا، فتطاول السفلة على الطرائق والوجوه، وتحامل الصعاليك على العرانين والسراة، وبغى الأراذل على الأشراف والهامات.
وخلاصة الحال ومختصر المقال، أن الأمر يدور مدار الراية، إذا حملها فقيه جامع للشرائط، يمثل نيابة حقيقية عن الإمام عجل الله فرجه، تبعه المؤمنون وامتثلوا قيادته، وإذا تسنَّمها مدَّع من أبناء الحداثة، باطل العقيدة، منتفي العدالة، فلن تتبعه الساحة الشيعية، وحسْبه الذين يقبضون مرتَّباته، ويعتاشون من خيراته، وهم حزب مغلق وجماعة محدودة.
من الجلي الذي لا يخفى أن السيد الخامنئي بروحه النرجسية، ونزعته الطوباوية، وأدائه المتحكِّم المستبد، وقع في أخطاء كارثية أفضت إلى إنهاء مقولة حكم الدين، وطي صفحة الحكومة الإسلامية، وأغلاق هذا الكتاب، بل ركنه على أرفف التاريخ، أو إيداعه صندوق الزوائد والفضول أو المهملات، ولن أخال عاقلاً ـ حتى ظهور المهدي عليه السلام ـ سينظر أو يقرأ فيه بعد اليوم. ولا أريد بهذا ما انتهت إليه البلاد من تردٍ معيشي وانهيار اقتصادي وفقر يكاد أن يكون كفراً… بل هو تضييع القيم الدينية وتبديل الشعائر الاسلامية وانقلاب المنكر معروفاً، وخروج الناس من دين الله ودخولهم في الوهابية المقنَّعة أفواجاً… وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. ولو سألت أتباعه وذبابه لاحتالوا وتحايلوا حتى برَّروا كلَّ خطئ وخطيئة، وأظهروه طاهر الذيل نقي الجيب، معصوماً لم يفتك ولم يظلم ولم يحبس ولم يشطح ولم يزل!
“الإنجاز الأعظم” الذي حققه الخامنئي في مسيرته الجهادية والعملية، هو أنه أثبت بالحسِّ والوجدان قبل الدليل والبرهان، ورسَّخ في أعماق العاملين الشيعة، على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم وتياراتهم، أنَّ الحق في منع القيام قبل الظهور، وأن المفاسد التي ترتبت على الدولة والجمهورية الإسلامية، على صعيد تشويه العقائد وتزييف الأحكام، بل على صعيد الحرية والاستقلال (الضلعين الآخرين الذين يشكلان مع “الإسلام” مثلث شعار الثورة)، هو أضعاف المنافع المجنيَّة والمكاسب المحصَّلة. ولو كفَّ المنافقون في صدر الثورة ولم يعمدوا للعنف والإرهاب، وتركوها لأمثال مهدي بزركان، بدل طالقاني وبهشتي ورفسنجاني، لكان خيراً للإسلام والتشيُّع، وهذا ما يسعى السيد السيستاني إليه اليوم، عبر منع الطلبة والعلماء من الدخول في السلطة وتسلُّم أية مسؤولية حكومية… ومن هنا فإن السيد الخامنئي مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى لطاعة المرجع الأعلى والتنحي والإستقالة.
لن يلحق جمهور الشيعة بالخامنئية، ولن يركنوا إلى الثورية الحزبية، ولن يتبعوا الحركة المريبة التي يقودها… لا يمكن لهذا الهجين الالتقاطي أن يغير هوية ترسخت عبر أربعة عشر قرناً، وما زالت تنتظر الفرج وترتقب العدل الإلهي والحق الحقيق في وارث الأنبياء وبقية الأئمة الأصفياء.
نحن بانتظار راية رسول الله العقاب، وعصاه الممشوق وسيفه ذي الفقار، نحن بانتظار قميصه الكرباس وعمامته السحاب، وناقته القصواء وبغلته دلدل. نحن بانتظار التابوت والسكينة، والعصا والحجر، والخاتم والبساط، نحن بانتظار آدم في علمه ونوح في فهمه وإبراهيم في حلمه وموسى في مناجاته ويوسف في جماله وداوود في بأسه وسليمان في ملكه ويحيى في عبادته وعيسى في زهادته… نحن بانتظار محمد في تمامه وكماله، وعلي يحكي مثاله. نحن بانتظار مَن يأتيه عرش سليمان المضيع أو المخفي في بيت المقدس قبل أن يقوم من مقامه، يلحقه البيت الأبيض قبل أن يرتد إليه طرفه، نحن بانتظار مَن يشير بيده فتتناثر الأقمار الصناعية وتتطاير الموجات وتتداخل الذبذبات فتتعطل الإتصالات، كما تخرس النواقيس وتتهاوى الأصنام والتماثيل. نحن بانتظار مَن يلتفت فتنصرف إرادته تلقاء القنابل النووية، فيمنع إطلاقها، ويفجِّرها في أرضها. نحن بانتظار مَن يعطِّل الآلة من رأسها، من تدفُق الطاقة في أسلاكها وحركة الأقسام داخل البندقية، إلى محركات المدرعات ومراوح النفاثات… نحن بانتظار مَن يعيد المعركة إلى قتال الشجعان وبطولة الفرسان، إغارة بالخيل وبرازاً بالسيف…
وحتى ذلك الحين…
“يا سدير إلزم بيتك وكن حلساً من أحلاسه واسكن ما سكن الليل والنهار فإذا بلغك أنَّ السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك”.
“الزموا الأرض، واصبروا على البلاء، ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا بما لم يعجل الله لكم، فإنه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق ربه وحق رسوله وأهل بيته مات شهيداً، ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته بسيفه”…
التعليقات