أخذت عدتي لرجبية هانئة، مفلحة رابحة، أُجدِّد فيها عهداً قطعته مع أئمتي، وميثاقاً أبرمته مع سادتي، أولياء نعمتي، وأنا عبدهم القن ورقيقهم المحض، ثم عتيقهم العاصي، وعسيفهم الآبق الجاني، أطوف تلكم البيوت، وأستلم هاتيك الأركان، ألثم الأعتاب، وأعفِّر خداً على الضريح، وأقلِّب وجهاً على الباب، ألوذ بهذا المستَجار، أقبِّل ذا الجدار وذا الجدار، وحبيبي لا يتمنَّع أو مولاي لا يحظر ولا يحجب ، فمنبع الفيض متدفق، وهو ـ مذ كان ـ سمِحٌ جواد لم يعرف البخل، نديٌّ لم يحضره شحٌّ، وسخيٌّ لم يغلبه حرص، وهذا حمىً يضيف ويقري، لا يصرف لائذاً ولا يمنع عائذاً، لا يصدُّ ابن سبيل ولا مستعطياً مستجدياً، فكيف بمن قاده الشوق وساقه الهوى؟ وحمله الولاء ودعاه الوفاء؟!

بغتة وفي وهلة، وعلى حين غِرة، دهم المنع ووقع الصدُّ! قُطع سبيل الزيارة، وأوصد باب الوفد، فما عاد مُشرعاً ولا الضيف مُجاباً، وكأن النداء لا أهلاً ولا مرحباً! فيا للشقوة والعناء والبؤس واللأواء!

إنها سُنَّة كونية وضرورة طبيعية، كما للمرض والوباء الذي يحل بالأبدان قانونه، فإن للروح آفاتها وأمراضها، وللسبيل الروحاني والمنظومة المعنوية قوانينها وسُننها، تدخل جرثومة هناك في البدن فتعطِّل الجهاز المناعي، وتتوغل فتعطب التنفسي، وتنفذ فتفسد الدورة الدموية، وتقحم فتصيب العضلات بالفلج والدماغ بالشلل، حتى تخرج الروح وتفارق البدن، كذلك الأمر هنا، تفعل الكبيرة فعلها، من فسق وفجور، قلب في قوم لوط عاليها سافلها، أو ركون إلى ظلم أو جحد فضل، يحجب لطفاً طالما غمر، ويسدَّ باب فضل طالما عمَّ فلم يُشكَر ويقدَّر!.. هكذا تمضي موبقة قاصمة فتعطِّل محطة عظمى للعروج، ومنطَلقاً متفوِّقاً للسمو والصعود، وتتحرك فاحشة وتسري جريمة لتوصد باباً وتقفل حرماً ومزاراً… “واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة”.

لعمري، ماذا فعل المتغطرس المتعالي حتى غضب الحبيب وأعرض الطبيب؟ ماذا جنى الجناة واقترف الطغاة فحُرم الجميع؟! أية عصمة هتكوا فحُبِس الدعاء وقُطع الرجاء؟ ماذا فعلوا فأخرجوا الأمة من الكهف الحصين، وتركوا الناس بلا حام ولا مدافع ولا معين؟! كيف أخلوا الثغور فتسلَّق الأعداء الأسوار وتوغلوا في الحصون وأسقطوا القلاع!؟

دع عنك العوام، ومستضعفين يغترُّون بالهالات المصطنعة، ويؤخذون بخطر الموقع وخفر العنوان، ينخرطون في عقل جمعي يسوقهم كقطيع ويقودهم لعبادة الأصنام، من زعماء ومفكرين وقادة وعلماء، ما أنزل الله في طاعتهم من سلطان. لن نُغلب على بصائرنا ولن نُستغفل في ديننا، نحن نقرأ الحدث بوعي وبصيرة، وندرجه في موضعه القويم ومكانه الصحيح، لا يغلبنا الإعلام ببهرجته وزخرفه، ولن ننشغل بالزيف والريب وننصرف إلى الأوهام والأحلام. إنَّ ما يجري على الأمة من البلاء هو حصائد بؤر الشؤم التي غرسها إمام الضلال وزرعها تياره الحداثوي الضال، سقاها بآسن الماء، وغذاها بفاسد الطعام أو السماد، أُتخمت من سحت الأموال، وأُترعت من سُكْر الحكم وطغيان السلطان. إنها مواطن نزول البلاء التي اصطنعتها ولاية إيران ورعتها دولتها!

هل تحسبون أن هتك الحرمات وابتذال المقدَّسات ومحاربة أركان التشيُّع: الحوزة والمرجعية والشعائرالحسينية، سيمرُّ مرور الكرام؟! هل تحسبون أن تقادم الأيام يعني إلغاء سُنَّة الاستدراج والإملاء؟ ويُنسي قانون الإمهال؟! ها قد أخذ الوباء أرباب الدنيا وعمال الأبدان، غشيهم بياتاً وهم نائمون، وجاءهم ضحىً وهم يلعبون، وحرم المؤمنين، طلاب الآخرة وأرباب الأرواح، المزار فجأة، وهم وادعون فاكهون، يداهنون العصاة ويضارعون الجائرين الطغاة. أمنوا مكر الله “فلا يأمن مكر اللّه إلا القوم الخاسرون”!

أوَ تدري ماذا يعني أن تتظافر جهود عشرات آلاف الرجال الأجلَّاء، من العلماء والرواة والخبراء، والفقهاء والأخيار والوجهاء، من نُخب عصورهم وأفذاذ أزمنتهم وأشراف بلادهم وغطاريف أقوامهم، خاضوا غمرات الحوادث، وركبوا أكتاف الشدائد، واقتعدوا ظهور المكاره، تحمَّلوا الفقر والضنك، وقاسوا أنواع المحن والبلاء، أرهقتهم الصعاب ووقعوا في ألوان من الكبَد والعناء، هجروا الأهل، تغرَّبوا أو شُرِّدوا ونُفوا عن الأوطان، لوحِقوا وطورِدوا وأودعوا السجون، طعن بهم الحسَدة ووشى وشنَّع عليهم علماء السوء والنصب، فعُذِّبوا في سجون الطغاة، ونكَّل بهم سلاطين الجور والولاة العتاة، حتى قضى كثير منهم شهداء، كلُّ ذلك في سبيل تتبع وحفظ وتدوين تراث الأئمة الأطهار، ونقل أحاديثهم الشريفة، ما انتهى اليوم في الكتب الأربعة ونهج البلاغة والصحيفة السجادية، ومصنفات الحديث المبذولة مثل كتب الصدوق، والموسوعات الروائية كالبحار والعوالم والوسائل وغيرها من الكنوز التي لا تقدَّر بثمن. ثم يأتي صلمعة بن قلعمة، كلُّ خامل ذِكر نكرة، غلبته العقد وصرعته الآفات، وأسرته الأوهام وسقيم الأفكار، من البهبودي إلى مرتضى العسكري إلى آصف محسني لينسف ذاك الكافي ويطمر هذا البحار، فيعقبهم صعلوك جانح، ومنحرف تائه، مثل حب الله، فيُلحِق بهذا الطنبور نغماته وألحانه وضرب دفوفه، ليهدم الشيطان بمعوله، أو يهدم هو بمعول الشيطان، سيان، إذ اتحدا، سكن هذا وركن ذاك، يبدد أعزَّ تركة ويقوِّض أنفس تراث، لا يُبقي منه إلا ما استحسن واستمزج، وطاوعه في “اللامذهبية” التي يروم، ويخدم ربَّ عمله. قد يجهل العوام قيمة التراث ولا يدرك البسطاء ما يجري في هذا الميدان، ويخفى عليهم خطر هتكه وانتهاكه، ولكن الرساليون، العاملون في الساحة الإيمانية، من علماء وأساتذة وخطباء ومثقفين وباحثين وكتاب، يعرفون جيداً أنها جريمة لا تقل بشاعة وقبحاً، عن هدم أبنية العتبات في البقيع وسامراء! ترى، هل من سبيل لنزول الغضب والبلاء، وباب يفتح على المحن واللأواء، وسبب للتعس والشقاء، أكبر من هذا؟! ثم نعجب إذا أُوصد الحرم وصُدَّ الزائر ومنع المزار؟!

أوَ تحسب أن مطاردة مؤمنين ملتزمين، وملاحقتهم من سطح إلى سرداب، ومن دار إلى بستان، ومن زقاق إلى قرية، ثم القبض عليهم وزجهم في السجون والمعتقلات، وكيل ألوان الهتك والإهانات، بجرم ممارسة هي في صميم الدين وقلب الولاء، أي الجزع على سيد الشهداء بالإدماء، وهم عاملون بفتوى فقهاء، ومقيدون بالشريعة الغراء! ثم يمضي كلُّ هذا بلا رقيب ولا حسيب، ولا زاجر ولا مانع، حتى يحسب الغافل أن بهؤلاء على الله هواناً، وللظالم الجائر كرامة؟! وكأن لا زهراء هنا تنظر إلى معزِّي ولدها، ولا إمام زمانٍ يرى ما ينزل بأحبائه ورعيته؟! أتراهم لا يسمعون أو يرقبون ما يفعل هؤلاء؟ مئات الإصدارات من الكتب والمجلات والنشرات، والإذاعات والقنوات الفضائية، ومئات آلاف مواقع التواصل الاجتماعي المجنَّدة أو المستغفَلة، تضجُّ بعواء كلابهم المسعورة، تشنِّع على الشعائر والسيرة الحسينية، ترميها بالخرافة، وتقذفها بالبدعة، وتفتري عليها بالجهل، وتبهت ممارسيها والقائمين عليها بالعمالة؟ ماذا عسانا نرجو ونحن نراهم ينهشون كلَّ هيئة ولائية، وينبحون كلَّ ساع وباذل فيها؟! ماذا ستجرُّ هذه الطامات والويلات، التي لا تداريها شيطنات السياسة، ودعاوى الانتصارات الوهمية، ومزاعم التفوُّق في غير حقل وميدان، على البلاد والعباد، وماذا عساها أن تفعل بالطائفة والأُمة؟!

تُرى ماذا ستُخلِّف الجريمة الكبرى والجناية العظمى في إخضاع الحوزة العلمية والمرجعية الدينية للسيطرة الحكومية؟ وإنهاء الإستقلالية التي ميزتها  منذ ألف عام ونيف، فتصاغرت أمام النجف وقم قريناتها الأزهر والزيتونة، وتضاءل شيخ الأزهر والإمام الأكبر قبال آية الله العظمى والمرجع الأعلى؟! بماذا سيعود هذا على وضع المؤمنين واستقرار أحوال المتدينين؟!

ماذا ترجو الأمة بعد أن استخفَّت جمهوريتها الإسلامية بفتوى سبع من آيات الله العظام، يتربعون على قمم الهرم العلمي والروحي للشيعة، ومعهم كبار أساتذة الحوزة والطبقة الأولى من أعلام الطائفة، وأسقطت حكمهم وابتذلت فتواهم بضلال فضل الله؟ جمعت طروس بياناتهم وصكوك إمضاءاتهم، ضمتها في قبضتها كما تفعل بالمناديل الورقية، وألقتها في سلَّة المهملات! وأمرت بتعظيم الضال المضل وتكريمه وتبجيله، وإحيائه من لحظة تشييعه! ما كأن جحْد مصاب الزهراء أمر ذو بال، ولا كأن التماس الأعذار والمبررات لقاتليها خروج من المذهب واشتراك في ذاك الزلزل!؟

بالله أي بركة ستبقى وأية رحمة ستظل وتثبت، وهذا السافل الحبتري ينتهك حرمة أميرالمؤمنين عليه السلام بمنتهي الوقاحة والصفاقة، فيستخف ويسخر بما أجمع المسلمون وأطبقوا عليه، من زهده صلوات الله عليه، فيتهكم ويهزأ من بطنته! لا يدنوه معترض ولا يقربه رافض! فهو يتمتع بحماية السلطان وغطاء الدولة الإسلامية التي تحكم باسم التشيُّع؟!

بالله ماذا ننتظر ونحن نشهد أحد أعلام النظام، ومن صنَّاع القرار والطبقة الأولى في السلطة الدينية، المسمَّى بعلم الهدى وهو راية الضلال، بعد أن رمى مَن لا يؤمن بعصمة الخامنئي بالجنون، ينكر المعجزة وينفي أن ضريح الإمام وباب حرمه المنيف لا أثر فيه، ولا بركة ولا دواء ولا شفاء يرجى منه، والمؤمنون يتشافون من مئات السنين بتربته، ويتلقون إجابة الدعاء تحت قبَّته؟!

إنَّ هذه الفجائع الروحية والكوارث المعنوية، التي راحت تتعاقب وتتراكم في ظل صمت شبه مُطبق، لا ناصح معترض، ولا منكِر ولا ناهٍ، كفيلة بكلِّ بلاء وحقيقة بكل غضب وسخط، وها قد وقع!

إنَّ ما فعله فضل الله ويفعله الحيدري وحب الله والعسر وأضرابهم، وما تقوم به قنوات الكوثر والميادين والإيمان وما شاكلها، والمرتزقة الأجراء في “الحوزات” ومنابر الجمعة، وكافة المراكز الدينية الحكومية، وما يسوِّقه وعاظ السلاطين وعلماء البلاط، وما تبثه العمائم الحزبية في العراق والخليج ولبنان، من انتحال صفات الأئمة واغتصاب مقاماتهم وإسقاطها على جهلة سفهاء، وإضفائها على ظلَمة أدعياء، والعبث بالمعتقدات والثوابت، وما يشكل جوهر الولاية ومصب علَّة الخلق وغايته، ثم حصر كل الحق في نطاق السياسة والجهاد، وحكره في أربابهم وأسيادهم هؤلاء… خطوب تزلزل العرش وتضعضع الوجود والفرش، وتدمي قلب المولى في مغيَّبه، وتجرح الأئمة الأطهار في رسالتهم، وما بذلوا في سبيله الغالي والنفيس، وتجرعوا لأجله الهموم والسموم وخاضوا الأهوال والحروب وسكنوا ظلم المطامير!… فماذا عسى هذه أن تنتج وتصنع غير السخط والغضب؟!

إنها دعوة لتوبة نصوح، وأن نضج جميعاً ونفزع لإمام زماننا ونناديه: ”يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين”. وأولى الخطوات أن يخرج الواعون العالمون عن صمتهم وينهوا حكومة الضلال والإفساد العقائدي الذي يتهدد الهوية الشيعية الأصيلة، فـ “لا يقيم أمر الله سبحانه إلا من لا يصانع، ولا يضارع، ولا يتّبع المطامع”، ويعملوا بـ”لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يُستجاب لكم”، وأن ينهضوا بتكفُّل أيتام آل محمد، “الله الله في الأيتام، فلا تغبوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم” فيقوموا بدورهم، ويستدركوا ما فاتهم، ولا يتركوهم بعد هذا في تيه الضياع وطعمة لنيران الضلال؟… عسى أن تعود أبواب “بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه” لتفتح، وتفتح منها كوَّة على السماء، ونستمسك جميعاً بحبل الولاء.

Posted in

التعليقات