في خضم البلاء وفيضان الوباء، وقد بلغت أمواجه الذروة، وغمر سيله البلاد والعباد، وعمَّ كلَّ سهل وواد، ما زال المضلُّون يُمعِنون في الزندقة، ويسرفون في التيه والغطرسة، لا اتعظوا شيئاً قليلاً، ولا ارعووا حتى قدراً يسيراً! هذا والطوفان يأخذ الأرض من حولهم، وهم يعتلون صهوة الغرور، ويركبون ظهر المكابرة، ويأوون إلى جبل القدرة والسلطة، يرجون أن يعصمهم… يلقون هراءهم ويسوِّقون غطرستهم! ها هم يرمون خُلَّص الموالين لأهل البيت بـ “الشيرازية”، ويقذفونهم بـ “التشيُّع الإنكليزي”!

دع عندك المزايدين من أصحاب الدكاكين، “غِزيَّة” و”ياسرية”، وما شاكلها من محاولات صبيان متسلِّقين، حوانيت تتَّجر بالدين، وتسوِّق كلَّ ما يرفعها ويميِّزها عن مجموع المؤمنين. إفراط في كلِّ شيء، واندفاع لا يرقب شرعاً ولا يعرف حدّاً، حتى يكون الولاء ومظاهره، من القول بالفضائل، وزيارة العتبات، وإقامة الشعائر، حكراً عليهم وحصراً فيهم… لا شأن لنا بهؤلاء الذين لا يشكلون عُشر معشار مجموع العاملين في الساحة الإيمانية. فإذا تجاوزت هؤلاء المزايدين، فلا أحد في المؤمنين ينفي الأسباب، ولا عاقل يزعم أنَّ السلب لا يعلق هنا، ولا يتحقَّق في هذي الرحاب، وتعبير الآية الكريمة “وطهِّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود”، يقرِّر حقيقة نسبة التضايف، ويقرُّ بوقوع ما يترتَّب عليه التطهير، من عروض النجاسات وتعلُّق الملوِّثات، ومن ثمَّ، لُحوق ما إلى ذلك من النقائص والسلبيات الطبيعية، الواقعة في سلسلة العلل والأسباب. فالبيت الحرام يمكن أن يُنتهك، والكعبة المقدسة قد تُنتهب، فتسرق كسوتها، وركنها وحجرها الأسود، وقد لا يكون الحرم مأمناً للناس، بل سبباً وموضعاً للروع والقتل! كما قد يخلط بعضهم بين الجعل والإرادة التشريعية، وبين الأخرى التكوينية، فـ “كتب ربكم على نفسه الرحمة”، و”الشمس لا ينبغي لها أن تدرك القمر” لا يمكن أن تتخلَّف، لكن “كتب عليكم الصيام” و”القتال”، يمكن أن تتخلَّف بإفطار العصاة، وقعود المخلَّفين من الأعراب عن الجهاد، وكذا قوله تعالى “ومَن دخله كان آمناً” تشريع يحكم بحُرمة البيت الحرام، وأمان من يلوذ به، لكنه لا يمنع ـ في التكوين والطبيعة ـ من سريان العِلل وجريان الأسباب، فتُقصَف الكعبة بالمنجنيق حتى تُهدم، ويروَّع اللائذون بها ويُقتلوا أو يقعوا في الأسر.

هناك مؤمنون متَّزنون، عقلاء بصراء، صادقون مخلصون، يعتقدون بقُدس مراقد الأئمة الأطهار ومناعتها، فيقصدونها، وفيهم فقهاء وعرفاء وحكماء وفضلاء، وكذا عوام بسطاء، مراهنين على غلبة البركة والمعنى على الحسِّ والمادة، وقهر الفيضُ المقدَّس الأسبابَ والعوامل الطبيعية، راجين تفوُّق الجود والكرم، والكمالات المطلقة المكنونة هنا، في هذا الكنز المخفي، على العِلل والقيود المادية الحاكمة في غير مكان، ويأملون بتحقق الكرامة وحصول المعجزة هنا، يتضرَّعون ويضجون وينادون: “يا من سبقت رحمته غضبه، ها نحن على أبواب رحمتك، نرجوها من البيوت التي خصصتها بها، لتكون معارج تأخذنا إليك، ومهابط لعفوك ورحمتك”. وهذه كلُّها أمور عقلية شرعية، والذين يمارسونها أو يؤمنون بها، هم السواد الأعظم من أبناء الطائفة، فهل هؤلاء كلهم “شيرازيون”؟ وهل ما ينادون به من فكر وعقيدة هو “تشيُّع بريطاني”؟! ما هذا الخطَل والهراء، أيُّ إفك هذا وبهتان، وتلفيق وهذيان؟ بالله كيف لمؤمن يدَّعي التشرُّع والإلتزام أن يرمي نخبة المؤمنين وصفوة المتدينين الكرام بهذه التهمة، ويقذفهم بهذه الفرية، ثم لا يبالي؟! أي دين هذا وأية عدالة، وأية دولة إسلامية وولاية فقيه هذه؟!

إنَّ هذا الذي يدينون ويقبِّحون، هو عقيدة الشيعة قاطبة، ومسلَّمات المذهب بلا شبهة ولا ريبة، ومما تجمع عليه الطائفة المُحِقَّة، لا يشذُّ عنها وعنهم إلا متخلِّف زاهق ومتأخر مارق. ففي الكافي الشريف عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في زيارة جدِّه سيد الشهداء: “وبكم تُنبِت الأرض أشجارها، وبكم تُخرج الأشجار أثمارها، وبكم تُنزل السماء قطرها ورزقها، بكم يكشف الله الكرب، وبكم ينزل الله الغيث، وبكم تسبِّح الأرض التي تحمل أبدانكم وتستقر جبالها عن مراسيها، إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم، وتصدر من بيوتكم، والصادر عما فُصِّل من أحكام العباد”، فإذا قصد المؤمن بيوتهم، وطرق أبوابهم، رجاء ما يهبط إليها من مقادير ويصدر عنها من إرادة، فلوى عنق التسول والاستجداء لسادته، ومدَّ يد التضرُّع لأئمته، نُسب إلى “الشيرازية” ورُميَ بالعمالة للإنجليز؟!

ولعمري، لو انبرى العلماء من قبل لنظير هذا السخف والإسفاف، فأسكتوا دعاوى نسبة ممارسة الشعائر الحسينية (ولا سيما التطبير) إلى “الشيرازية”، وهي قائمة رائجة قبل ولادة الجد العاشر للشيرازي، وأفتى بها من المعاصرين حين نشبت فتنة الشاميين، الميرزا النائيني وأكثر من ثلاثين فقيهاً من أقرانه وتلاميذه، بلغ كثير منهم المرجعية، لو تصدَّى العلماء لذاك العبث والوسواس الخناس في حينه، لما تجرَّأ القوم اليوم على هذا الهتك والابتذال، ولما تجاسروا على مسلَّمات المذهب وطعنوا بممارسات أبنائه، من عوامه وعلمائه، ورموا ولاءهم وتشيُّعهم لآل محمد بـ “البريطاني”!

وإن كان هذا يعني شيئاً من حال القوم، فهو يعني أنَّ الغشاوة ما زالت تقبع، والاستخفاف بالعقول ما فتئ يرعى ويرتع، والتسويق السفيه للفكر الحداثوي ما انفك يجتاح ويصفع! فينادى على كلِّ فكرة تخالف توجُّه السلطان، وكل عقيدة تباين معتقده، وكل رأي يخالف رؤية علي شريعتي ولا ترتضيها الوهابية المقنَّعة، ينادى عليها بالغلو! وهذا مما وقف عليه السيد البروجوردي قدس سره مبكِّراً، فشخَّص في كتابه “البدر الزاهر” الداء ووصف الدواء فقال: “كان السبب في ذلك يعود للقصور الفكري والعقائدي لبعض الشيعة، فكانوا لذلك ينسبون ذوي المعرفة الكاملة والعقائد الصحيحة من الشيعة إلى الغلو والإفراط”. ولكن من هوان الدنيا أن عادت السطوة للمقصِّرين، والغلبة للزنادقة والجاحدين. وهم طالما كانوا عامل هدم المذهب وجناح الضلال والمضلين.

فعن جابر الجعفي في حديث طويل له مع الإمام الباقر عليه السلام، جاء فيه: قلت: يا ابن رسول الله ومن المقصِّر؟ قال: ” الذين قصروا في معرفة الأئمة وعن معرفة ما فرض الله عليهم من أمره وروحه”. قلت: يا سيدي وما معرفة روحه؟ قال عليه السلام: “أن يعرف كلَّ من خصه الله بالروح فقد فوض إليه أمره: يخلق بإذنه ويحيي بإذنه، ويُعلم الغير ما في الضمائر، ويعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وذلك أنَّ هذا الروح من أمر الله تعالى، فمن خصَّه الله تعالى بهذا الروح فهو كامل غير ناقص، يفعل ما يشاء بإذن الله، يسير من المشرق إلى المغرب في لحظة واحدة، يعرج به إلى السماء وينزل به إلى الأرض، ويفعل ما شاء وأراد”.

وعن الرضا عليه السلام: يا ابن أبي محمود، إنَّ مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا، وجعلوها على ثلاثة أقسام: أحدها الغلوّ، وثانيها التقصير في أمرنا، وثالثها التصريح بمثالب أعدائنا، فإذا سمع الناس الغلوَّ فينا كفَّروا شيعتنا، ونسبوهم إلى القول بربوبيَّتنا، وإذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا، وإذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم ثلبونا بأسمائنا، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم، يا ابن أبي محمود إذا أخذ الناس يميناً وشمالاً فالزم طريقتنا، فإنَّه من لزمنا لزمناه، ومن فارقنا فارقناه”.

إنَّ ما اعترى الساحة في الأيام القليلة الماضية، في ظل تفاقم الوباء، من مبادرة “الروحانيين الماديين” والمعممين الحزبيين، وتطوُّعهم بإغلاق المساجد والحسينيات، وترحيبهم بتعطيل المزارات، دون أن ترى فيهم ألماً لذلك وتوجُّعاً، ولا حزناً عليه وحسرة، بل اندفاعاً ولهفة… يحكي جفافاً في الفكر، وآلية “مكانيكية” في الفعل والحركة، لا تخضع إلا للحسِّ ومعطياته، ولا تكترث بشيء غير الحزب وأهدافه، حتى تخال أنَّ شعائر الله ومواقع طاعته كانت عبئاً يثقل كواهلهم، ولقمة طالما غصُّوا بها وشرقوا! وها هي الفرصة قد واتتهم ليلفظوها، وسنحت ليصرفوا الأمة عن تلك المواقع الرحمانية والمحطات الروحانية، ويأخذوها إلى ميدان الإعلام بزيفه، وساحة السياسة بقذرها ووضرها، ما يُفسح للشيطان، ويطلق يده، فلا يُغلُّ ساعة ولا يُكبَّل مرَّة! إنَّ هذا الأداء المفاجئ والصاعق في مسلك القوم، يدقُّ ناقوس الخطر من جهة، ويكشف ـ من جهة أخرى ـ فضيحة. فقد بان أنهم يرون المساجد والحسينيات والعتبات المقدَّسة شيئاً أشبه بمراكز ومقرات حزبية، فإذا أغلقت، يمكن أن تُفتح غيرها، وتساق الجموع إلى أخرى تؤدي غرضها! وكأن تعطيل هذه البقاع المقدَّسة أمرٌ هيِّن عابر وخطب صغير يسير، فلا مصيبة حلَّت ولا نائبة وقعت، ولا خطباً جللاً حقَّ أن يبكى عليه ليلاً ونهاراً، فإذا مات المؤمن على هذا أسىً ولوعة، ما كان به ملوماً بل كان به جديراً. بل إنك إذا تبصَّرت وتفحَّصت، ودققت النظر وأمعنت الفكر، رأيت فرحتهم واستبشارهم بالخلاص من روافد ولاية آل محمد، وما يحسبونه يقطع السبيل عن قيادتهم، ويسوق الناس ويأخذهم إلى غيرهم! ففي واقع الأمر وحقيقته، هذه ليست ساحاتهم، ولا هي ميادينهم، فلا غضاضة في تعطيلها، بل هو على الرحب والسعة!

كنا ننتظر بفارغ الصبر ونأمل ارتفاع النداء في غمار ظلمات الغضب وخضمِّ أمواج الوباء: “أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”، ونرتقب بشوق وتوق أن يخضع العصاة ويؤوب الجناة. ونتطلَّع بلهفة أن تصدر القيادة الإيرانية بياناً مباركاً يتوجَّه إلى إمام العصر والزمان عجل الله فرجه، أن “واغوثاه يا ابن الحسن، ظلمنا أنفسنا وعدَوْنا بجهلنا، ما كان لنا أن نحارب عزاء جدِّك الحسين، ولا أن نستولي على حوزة أبيك الصادق، ولا أن نمكِّن الصعاليك من دينك، ونبذل أموالك في دعمهم ورفدهم بما يغوون به شيعتك ويضللون رعيتك”، ثم يطأطئون حياءً من أُمِّه الزهراء عليها السلام، ويتبرؤون ممن جحد مصابها وأنكر ظلامتها، ويبكون ويلعنون الساعة التي نصروا فيها فضل الله وانتشلوه من قبره وأعادوا بعثه، لتنتشر الجراثيم ويتفشى الوباء.

في هذه العقبة الكؤود، والثنية الخطرة الكنود، هذه خُطى حذرة متثاقلة، تلتمس مواضع النجاة بين طين لزج لازب، يُلصِق القدم ويركزها، فلا يقوى السائر على انتزاعها، حتى إذا فعل، اقتلعها وكأنه بتر ساقه، وفي أحسن الأحوال احتفى وفقد حذاءه، وكانت خطاه غرساً وإركازاً، في معرض الجرح والإعاقة في أية لحظة، ومن أدنى استدراج وغفلة. ومعها خطىً أخرى تمضي لتجتاز بيداء قاحلة، لا ماء فيها ولا كلأ، جدب وقحط وجفاف، ظمأ وضرام وأوار، واختناق من لفح الهجير ورمض الصحراء، يستشرف المرء فيه الهلاك، ويقطع الأمل في الخلاص والنجاة، وكلُّ لوعته وجُلُّ أساه، على أمير انتدبه فأرسله، ورفقة ائتمنوه وصحب يترقَّبونه، فهو رائد قافلة، ودليل رهط وحشد، وطليعة ركب وكوكبة!

بين طيش وإفراط، ومبالغة ومزايدة، تريد أن تصيغ الولاء وتصبَّه في قوالب صنعتها، وهي لا تملك إلا العاطفة، وعلماً لا يسمن ولا يغني من جوع، إذا نزَّهناها عن الغرض والمرض، وهو متحقِّق ـ ولا شك ـ في بعضها، الذي هو من دسائس الحداثويين، واختراقات الحزبيين لجبهة الولائيين، يمارس بفعله نزعة إسرائيلية تستنزل المعجزة تحدياً ورغماً، وتريد في كلِّ آنٍ مائدة من السماء، تكون له عيداً ولمباهاته وإفحامه خصومه كرامة ومزيداً. وبين أداء مادي حسي، وجمود وصنمية، لا نداوة روحانية فيه ولا طراوة معنوية، يحكي جفاف الدهريين، ويحمل روح الدنيويين، فكأن الحياة هي هذه الدنيا الفانية، والمعاد تقمُّص وتناسخ يرجعهم للملك الذي ساندوه، والقصر الذي شيَّدوه، والمال الذي جمعوه، فيحظون بهياكل أرقى من التي يقضون فيها الآن، وهذا شاهد ناطق بالدليل والوجدان، يستنسخ فضلة الشيطان، وهكذا سيفعل مع كل طواغيت الزمان.

وفي هذه الفتنة والمحنة، همسة في آذان الأحبة، تسبقها قبلة خضوع وامتنان، تطبع على أيديهم المباركة وجباههم الشامخة، فهذه كنوز وذخائر لا ينبغي التفريط فيها، تماماً كما هي العقائد والمعارف الراقية، ودائع ونفائس دونها الغالي والنفيس. ليس الولاء سلعة للإتجار، ولا بضاعة للمزايدة وقهر الخصوم والانتصار، إنه نسمة العشق التي تعلق بها الأرواح العارفة، والعبق الذي يأخذ المشام، والهوى الذي يسكن الأنفس، فلا يساكن إلا الجلال، فيترفَّع عن كلِّ وضيع وصفيق، ولا يجاور غير الجمال، فيزدري كلَّ سقيم وقبيح، إنه الإكسير الذي يمنح حمَلته المناعة، ويهبهم جرعة ملكوتية تضفي عليهم الحصانة وتجللهم الوقاية، فلا يخضعون لأرباب من دون الله، ولا يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، لا يملأ أنظارهم ولا تستسيغ ذائقتهم ولا يهضم فكرهم ولا يعمر قلوبهم إلا الإمام من آل محمد. وينزلون كل كائن في هذا الوجود، من إنسان وحيوان وجماد، منزلته ويدرجونه في مكانته، وفقاً لقربه من الإمام. فعالم الدين هذا يغدو أسمى من ملاك في نظرهم لأنه يخدم معارف آل محمد ويذود عنها، وهذا الناعي وذاك المنشد، بل هذه الأعواد والألواح الخشبية، وتلك القضبان المعدنية. والعقود الفضية والسبائك الذهبية، تكتسب الجلال والجمال، والقدس والمجد والفخر، حين تتصل بهم وتنسب إليهم. حتى لتكرم حمامة تحوم على قبابهم، وذبيحة تنحر في مضافاتهم، وكلب يحرس أو يبات في كهفهم… فيتفوَّق ويرجح على ألف “إنسان” ضال مضل.

Posted in

التعليقات