منذ العشرين من رجب، كانت الجموع، من مختلف البقاع، تزحف نحو الكاظمية… ومع الضغط على حشود الزائرين، وحظر المواكب، وقطع الخدمات عنهم، انخفضت المليونية السنوية إلى نحو ثلاثمئة ألف زائر، أغلبهم من سكان بغداد والكاظمية.

وفي خضم الإصطكاك العفوي بين الزائرين المندفعين، والسلطات العاملة بتكليفها في منع التجمُّعات، ما أسقط عشرات نقاط السيطرة، حين اقتحمت الوفود الحواجز ومضت في زحفها نحو باب الحوائج والمراد… كان من الطبيعي أن تتراجع الخدمات حتى كادت أن تنعدم. فتزاحمت الجموع وتراكمت الوفود، وتكدست، بعد الزيارة، أمام موكب وِتر يسقي الماء، فشرب عشرات الآلاف من نفس الإناء، وتجمعوا أمام آخر يقدم الطعام، فتعاقب الألوف على نفس الملعقة والماعون… وتلاشى الالتزام بالتعليمات الصحية والإرشادات الطبية حتى انعدم وبلغ الصفر، وخلق مشهد ألزم المراقبين قلوبهم، وأنزل بالمسؤولين الروع فانتابهم الخوف وسكنهم الوجل، ودبَّ معه الفزع من عواقب ستظهر بعد حين.

ولم يوفر الأطباء تهديداتهم، ولا تريثوا في إخلاء مسؤوليتهم، وأعلنوا أن النتيجة الأولى ستكون في الحد الأدنى، بين ٣٠ إلى ٣٥ ألف إصابة كورونا، ستظهر، في أسوأ الأحوال، بعد إسبوعين!

نحن اليوم في العاشر من شعبان، مضى الإسبوعان، والثلاثة، إن حسبنا لبدء الزيارة من إسبوع سبق الخامس والعشرين من رجب… والزوار جميعهم، دون خرق واستثناء واحد، في أتم صحة وأكمل عافية، لم يصب شيخ منهم ولا كهل!

لا نُقرُّ أو ندعو إلى تجاوز الإرشادات الطبية، ولا نشجِّع على التنكر للأسباب والعلل الطبيعية، ولا الاستخفاف بسُبل العدوى وانتشار الوباء، هذه كلها محترمة وواجبة الاتباع.

لكننا لا نغفل المعجزة ولا نستخف بيد الغيب وننكر الكرامة، ولا نتخطى واجب الدعاء وضرورة الرجاء، بل وحتمية الإجابة، إما بعاجل حاضر، أو آجل مدَّخر، يوفَّاه الداعي في صحيفة أعماله…

هل من تفسير لنجاة الزوار غير عناية موسى بن جعفر صلوات الله عليه؟ هل من سبب حال دون إصابة الزوار بالداء وشمولهم بالوباء غير تدخله التكويني صلوات الله عليه وإعمال ولايته في صرف الداء عنهم؟ هل من تفسير غير أنه وافاهم عند حسن نواياهم وصدق إيمانهم وإخلاص قصدهم؟!

في الحديث الشريف عن عبدالله بن عطاء قال: “قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجلان من أهل الكوفة أُخِذا فقيل لهما: ابرآ من أميرالمؤمنين. فبرئ واحد منهما وأبى الآخر، فخلي سبيل الذي برئ وقتل الآخر؟ فقال: أما الذي برئ فرجل فقيه في دينه، وأما الذي لم يبرأ فرجل تعجَّل إلى الجنة”.

ببساطة ووضوح، هناك نهج للعاشقين المتيَّمين لا يمكن تعطيله، ومسلك للذاهبين في إيمانهم إلى آفاق تهيمن على الحس والمادة، وتحلِّق ما شاء لها ربها في سماء الغيب، لا تصحُّ إدانته وتقبيحه.

هناك متفقهون في دينهم، يثابون على نواياهم، وهناك متعجلون للجنة، يوفقون لزيارة إمامهم وصلته وإعمار مشهده، ثم يحظون منه بالكرامة، وتكتب لهم النجاة والسلامة. فطوبى لهذا وحسنى لذاك.

Posted in

التعليقات