“للصنع ما أبقى التحمُّل موضعاً، فدع الصنيعه”.
لا شأن لنا بالملاحدة والزنادقة والمرتدين، ولا بالسماويين والوثنيين، ولا حتى بأتباع المذاهب الأخرى من المسلمين، فمدار الحركة في الأرض ومرتكز التدبير في الكون، وعلل بقاء الحياة على هذه البسيطة وازدهارها، أو تراجعها وانحطاطها، هو هذه النخبة المصطفاة، والعُصبة المنتجبة من بني آدم: شيعة أميرالمؤمنين، الفرقة الناجية والفئة المستضعفة الوارثة. وفي هذا أحاديث كثيرة، من قبيل قول النبي: “ياعلي أنت وشيعتك الصافون المسبحون، ولولا مَن في الأرض منكم ما نزل من السماء قطْرٌ”. وقول الصادق: “بهم يشفي الله السقيم ويغني العديم، وبهم تُنصرون، وبهم تُمطرون، وبهم تُرزقون، وهم الأقلُّون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً وخطراً”. وفي حديث: “إذا أنت أحصيت ما على الأرض من شيعة علي (فاستثنيتهم)، فلست تلاقي إلا من هو حطب لجهنم، إنه ليُنعَم على أهل خلافكم بجواركم إياهم، ولولا ما على الأرض من شيعة علي ما نظرتَ إلى غيث أبداً”. وفي آخر: “والله لولا ما في الأرض منكم، ما رأيتَ بعين عُشباً أبداً، وما أنعم الله على أهل خلافكم، ولا أصابوا الطيبات”. إنَّ مَن يعنينا ويعني السماء، ويحفل به مَن يدبِّر الأمر ويبرم القضاء، هم الشيعة، الذين عليهم المدار في قراءة الأحداث والمراقبات، والنظر في إبطال السوانح ودرءِ الكوارث ودفع البلاءات، وإنما الطامة والنكبة، والنائبة والجائحة، أن يسقط هؤلاء، وتنهار هذه النخبة، ويغور الماء في نبع الحياة. فمن سيأتي البشرية بماء معين؟!
منذ أن تولت قيادة حداثوية ضالة زمام الأمور، وتسنَّمت زعامة حزبية منحرفة الحكم والرئاسة، وأتباعها في سقوط وشيعتها في انحدار، وفي تسافل وانهيار، نزلت بهم تبعات الأوزار، وصيَّرتهم في إقفار وإدبار، بل، لو انجلت الغبرة وانزاح الستار، لرأيتهم يسعون بأقدامهم إلى الخزي ويطلبون من تلقائهم العار! قيادة هوجاء ساقت الفرقة الناجية نحو المروق والزندقة، وزعامة رعناء أخذت المذهب الحق إلى حدود المحو والزوال والتلاشي والاضمحلال، وهي تحسب أنها تحسن صنعاً! تنقِّيه من دسِّ“الإسرائيليات”، وتنزِّهه من عوالق “الخرافات”، وتبرِّؤه من إفك “الأساطير”، ثم تنفي عنه القعود والتقية، التي حفظته وأبقت عليه كل هذه القرون والسنين!
والخطب الجلل، والفادح المستجد الأجلُّ، أنَّ هذا الأداء تجاوز نطاق أتباعه وتياره، وتخطَّى حزبه وأشياعه، وبات يعمُّ الشيعة كلَّهم، يهدِّد بُنيانهم المصون، ينذر بخرابه، ويتوعَّد شملهم المبارك وجمعهم الميمون، يؤذن بتمزيقه وضياعه. فنحن، بعد الضلال والانحراف العقائدي، أمام طغيان استثنائي غير مسبوق، واستبداد خرافي قلَّ نظيره، قاروني فرعوني نمرودي، كِبرٌ وغطرسة واختيال، زهو وصلف وغرور… وأضف ما شئت من مرادفات هذا اللفظ ومشتركات هذا المعنى، فلن تظلم أو تتجنَّى، ولن تُغرق أو تبالغ وتسرف. ومن يقف على بواطن الأمور في إيران وعموم ساحة الحركة الإسلامية وقيادات الأحزاب الدينية، ويطَّلع على خفايا ما يجري هناك، ويحيط بالطريقة التي يتم التعاطي فيها مع الحوادث، وتمضي بها معالجة القضايا، على صعيدي القيادة والإدارة، سيذهل من حجم التيه والجبروت، ويروع ويفزع من العتوِّ والغطرسة التي تملأ أعوان القيادة وأركان النظام ومن بيدهم الزمام!
أداء ينمُّ، بعد الغطرسة والطغيان، عن فقد الإحساس، وينبئ عن انفصال القيادة عن الواقع، وجهلها بالحقائق، وما ولَّد المآسي وخلَّف المواجع، وأنها تعيش أبراجاً عاجية تحجبها، وفضاءً طاووسياً تخطر فيه مرَحاً كأنها خرقت الأرض أو بلغت الجبال طولاً، وشملَة مخملية تغطِّيها أو رداءً حريرياً يلفها، لا في البُعد الحسيِّ الجسمي، فلربما التقى القائد بالناس، وانفتح على الحياة وخاض في الأوساط، تلقى التقارير واستطلع الأجواء وأحاط بالفضاء، بل في البُعد الذهني والنطاق الفكري، حين يصمُّ الذهن ويقفل الفكرإلا عن مسارب شقَّها المرء لنفسه، ومنافذ فتحها على هواه ومشربه، بما لا يزعجه بنقض ورفض، ولا يبرمه بنُصح وإلحاح ونقد، ولا يضجره بشجب وتنمُّر واعتراض. وهذا وليد آفات روحية وعُقَد نفسية، لحق بها وجُمع إليها، خرَسٌ في الحاشية وبُكْم في البطانة، وهي بين سكرى بالسلطة، منتشية بالجاه والشهرة، توافق ربها الأعلى في الزَّهو والعنجهية، وبين جبانة تخشى مصير ميرحسين موسوي ومهدي كروبي، ومضارِعة مداهِنة، ترقب مصالحها، وتحافظ على مكاسبها، وما جنت من حطام هذه الفانية.
عندما يتصدَّى المرء للرئاسة دون أهلية، ويتولى الإمارة بلا كفاية، ويبلغ المقام وينال السلطة ويحظى بالمال والجاه والشهرة، قبل أن يفرغ من تهذيب نفسه، واستئصال الأنا من ذاته، بمَحْق الأهواء وترويض الشهوات، فيتضرَّع: “اللهم لا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تُحدِث لي عزاً ظاهراً إلا أحدثت لي ذلة باطنة عند نفسي بقدرها”، لا لقلقة تقف عند التراقي، بل صدقاً وإخلاصاً يجتثُّ الآفات ويستأصل الأمراض، أو يهوي عليها بمطارق الترويض والتطويع… فإن النتيجة هي ما نرى من تيه وضياع، وتعاقب البلوى ونذُر الشقاء! قائد غافل، نرجسي حالم، استوطنه الشيطان واتخذه مرتعاً وملعباً، يصول في حناياه ويجول في صدره، حتى استلب عقله ومسخ فكره، فما عاد يرى الأشياء إلا مقلوبة، ولا تطيب له الصوَر إلا معكوسة منكوسة! وبطانة لا تألو خبالاً وشراً وفساداً، تُلحق به العنت، وتجلب له الشؤم وعليه الضرر، علِم بذلك وعلِمت، أم جهل ولم تعلم.
وها قد حلَّ البلاء.
نزل الفقر بالناس، وما زالت الأصفار تحذف من عُملتهم وتهوي بقيمة نقدهم، ولحقت الفقر الردَّة المقنَّعة، فكَفر العامة، لما عزوا ما نزل بهم إلى الدين، وأرجعوا ما يقاسون إلى الإسلام وشريعة سيد المرسلين، فهذا ما يدَّعيه الحاكم والزعيم، ويحتجُّ به ويتسيَّد عليهم باسمه، ثم بعد الكفر جاء حصار خانق، يفلج المعامل والمصانع، ويجمِّد حركة التجارة الاقتصاد، ليلحق الحصار قتال والتحام عسكري هنا وهناك! والقوم في سكر السلطة يرتعون، وفي غفلة الجاه والإمرة يمضون ولا يكترثون!
حتى جاء الوباء يتفشى، والمرض يسري ويفتك، عطَّل الأعمال وأغلق المتاجر، وشلَّ المواصلات، وأقعد الناس وحبسها في بيوتها، والقوم ماضون في عتوِّهم، قائمون على غيِّهم وجحودهم، يعظمون لاتهم والعزَّى، ومناة الثالثة الأخرى! لا أحد ينيب إلى ربه، ويتضرَّع إلى جبار السماوات والأرض، فيلجأ إلى وليه، ويستجير بصفيِّه، ويتوسل بحبيبه! البلاد على وشك الإفلاس، والشلل يضرب كلَّ مرفق، ويغلب كلَّ الناس. ولا عِرق للتوبة يضرب في هذه الأجساد الجامدة، ولا قطرة من عرق تتفصد من جباه متجبرة وهامات متكبِّرة، إن سجدت يوماً، فلأصنام ذواتها، ولأهواء لذَّاتها، وصوَر أو أوثان صنعتها، لا من تمر وطين، بل من سقيم أفكارها وشيطان آرائها، صبَّت الدين في قوالب مادية حسيَّة، وصاغتها عجلاً ما زالوا ينتظرون خواره. الحديث يدور عن صيغة كونية جديدة ستحكم العالم، تقلب الوقائع وتنسف المعادلات، والقوم في غفلتهم وسباتهم، مسترسلون في أناشيدهم ورقصهم! ما كأن شيئاً يجري، ولا قارعة ستهوي!
لا بارقة ندم تلوح في هذه السماء المكفهرة، ولا نسائم روح تهب في هذه اليباب القاحلة، ولا حديث توبة واستغفار يدور هنا، بل هاتف يسبق كل استنكار، وحائط من سفَهٍ وعتوٍّ واستكبار، يعلو أمامك مستهجناً: “ماذا فعلنا، حتى نستحق النقمة والعقاب؟ دع عنك أحاديث الغيب وحكايات السماء، وابحث لنا، إن كنت قادراً عن علاج”! ما زال فرعون على جحوده وطغيانه ينادي أنا ربكم الأعلى! وما فتئ خدَّام بلاطه وجنده يحمون صرحه، ويذودون عن ملكه وسلطانه، ويتباهون أنهم من أعوانه. لم تغيِّر المحنة في القوم قليلاً ولا كثيراً، ولم تؤدبهم سياط الغضب والعقاب الإلهي شيئاً يسيراً. وبدل الانكسار والتضرع، والتذلل والتخضُّع، والعويل والبكاء، دخلت مفردات استكبارهم، ولغة تعاليهم، الميدان! فصار النداء والشعار: “سنهزم الكورونا ونُرغم الوباء”! ولا تسمع بين أنات المرضى، وفزع المصابين، ورعب الآخذين بأسباب الوقاية، مَن يتضرع ويخشع، وينيب ويتوسَّل، بل الأعين شاخصة إلى المختبرات، والقلوب معلَّقة بالمادة والأسباب!
أية بقرة أمرنا الله بذبحها فتعسفنا وماطلنا وتحايلنا، حتى ما كدنا أن نفعل؟! أية ناقة بخلنا عنها بشرب يوم، وطمعنا بعد حلبها، وظلمنا أنفسنا فعقرناها ونحرنا فصيلها، حتى ابيضَّت وجوه ثم احمرت، وها هي تسودُّ في ثالث أيام المهلة؟! أي حيتان مكرنا في حبسها لنصطادها لما رأيناها تأتينا شُرَّعاً يوم سبتنا، وتغيب يوم لا نسبت؟! أي عجل صغناه من حُليِّ نسائنا، فعبدناه حتى وقعنا في التيه؟ كيف صارت تزعجنا ندبة إمام زماننا، ويطربنا الهتاف باسم القادة والزعماء؟! كيف سمحنا لزنديق سافل، وحقير تافه، أن يكفر جهراً، فيسخر من إمام الزمان لأنه لم يظهر بعلاج يحمله للبشرية يداويهم من “الكورونا”؟ وحزب ديني يقدم مئات الشهداء باسم الله، لا ينبض فيه عرق من غيرة على إمام زمانه؟ فهل حقاً هو إمامه؟ وهل يراه حياً حاضراً، أم هو مثل القضايا الولائية الأخرى التي أضاعوها وباعوها، تاريخ وعاطفة وماضٍ يقبع فيه الرجعيون، ويعيشه القاعدون عن الجهاد؟! كيف لا يحل غضب الله وقد غلبت الأحزاب السياسية، الجاحدة لجوهر ولاية آل محمد، تسقط تراث ألف وأربعمئة سنة على واقع التقاطي، وتتبنى صناعة اللقطاء، تحتضنهم وتحميهم وترعاهم، وتعبث حتى ينادي مناديها أن يستبدل الله الإمام المنتظر بقائدها!؟ كيف لا تذلنا جرثومة ونحن “أموات الأحياء”، كما قال أميرالمؤمنين عليه السلام: “ومنهم تارك لإنكار المنكر بلسانه وقلبه ويده، فذلك ميت الأحياء، وما أعمال البرِّ كلُّها والجهاد في سبيل الله، عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الا كنفثة في بحر لجيٍّ، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقرِّبان من أجل، ولا ينقصان من رزق، وأفضل من ذلك كله كلمة عدل عند إمام جائر”. وهذا الجائر ببابنا، والمستبدُّ العاسف بين ظهرانينا، توغلت أحزابه في بيوتنا، ونفذ ضلاله في مساجدنا ومحافلنا، وطغى ظُلمه وفشا جوره وغلب شؤمه حتى عمَّ الأرض والسماء، ما استنزل المحن والبلاء!
كلما هاج بي الحنين، واضطرمت في نفسي الأشواق، وغلبتني الندبة والأنين، نشرت بين يديَّ المصحف الشريف، كتاب الله الكريم، ونظرت إلى نقش آياته، فرأيت صورة عديله وصنوه، شريك القرآن وإمام الإنس والجان، هذا صامت، حبيس رسم منقوش، ولفظ مقروء، وذاك ناطق، يحكي جوهراً لم يطقه بعدُ الوجود، فغاب وتوارى، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها، وازينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلها حصيداً كأن لم تغن بالأمس.
طالت حبال عوائق فمتى تعود به قطيعه؟ كم ذا العقود ودينكم هُدِمت قواعده الرفيعه؟ تنعى الفروع أصوله وأُصولُه تنعى فُروعه. فيه تحكَّم مَن أباح الـيوم حرمته المنيعه. مَن لَو بِقيمة قدره غاليت ما ساوى رجيعه. فاشحذ شبا عضب له الأرواح مذعنة مطيعه.
ليت السيد حيدر نظر اليوم رجيعة ودانقاً مثقوباً، يُشترى بحرمةٍ يهتز لها عرش الله، وتنصدع له الناحية المقدسة، فيُعرض مشرِّفها عنَّا، ويغضب جبارها علينا! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
التعليقات