يحكى أنَّ فاخورياً رشا صانعاً في معمل منافس، أن يدسَّ مادة اخترعها في التربة التي يُعدُّ منها الطين، تنقِّيها من المدَر بيُسر، وتصفِّيها من الشوائب دون عناء النخل، لكنها بعد أن تُعجن وتُصنع وتُطبخ في الأفران، فتغدو خزفاً وجراراً وأكوازاً، لا يلبث أكثرها أن يتصدَّع ـ بعد حين ـ من تلقائه، أو يتهشَّم ويتفتت لأدنى صدمة وضربة! كان زملاء العامل المرتشي يحاورونه في مادته تلك، ويحاججونه في خطرها وخبثها، وأنها علَّة فساد عجينتهم وسرُّ فشل صناعتهم وكساد بضاعتهم، يقدِّمون له الأدلَّة وينقضون ما عنده من حُجج، وهو ماضٍ في شأنه، لا يجيبهم إلا بما يذكي الحوار ويعمِّق الجدال، ويصرف الوقت ويقطعه!

يغفل كثير من المؤمنين العاملين في حقل التبليغ الديني، والناشطين في الحراك الثقافي في الساحة الإيمانية، عن خلفية الظواهر المحدَثة والتيارات الطارئة، وتنطلي عليهم الخدع التي تخفي منطلقات الشخصيات التي تقف خلفها، والجماعات والأحزاب التي تنهض بها، وتغيب عنهم حقيقة الأهداف التي يرميها أرباب الآراء المخترعة، وغايات المذاهب المبتكرة. فتراهم يستغرقون ـ بجدٍّ وهمَّة ـ في قراءة المقولات ودراسة الأفكار، ينظرون في أدلَّتها نقضاً وإبراماً، إسقاطاً وإثباتاً، تضعيفاً وتصحيحاً، استبعاداً وترجيحاً، وينهمكون في ذلك بولع ويتمادون بإدمان، حتى يغدو الاحتجاج والسجال همهم الأكبر وشغلهم الشاغل. غافلين أن أوَّل ما ينتج عن هذا الإستغراق والانسياق والدأب والمثابرة، هو خروج المحدَث المبتَدَع عن بِدعيَّته، وزوال شذوذه وغرابته، فإنَّ فرط تداول الشيء وكثرة تناقله، يُذهب الاستيحاش منه ويُزيل القُبح عنه، ما يحقِّق لأصحاب البدع هدفهم ويدنيهم من غرضهم!

والخطير الجلل هنا، أنَّ عملية الجدال والحوار هذه، ترجع بالحقائق إلى دائرة الشك والسؤال، وتعيد وضع المسلَّمات على دكة البحث والدراسة، وتنكفئ بالمذهب وتقفل إلى موقع بناء أُسسه وتشييد ركائزه وإرساء قواعده، وكأنه ما برح على شفا جرف هار، أو يشكو ضعفاً ويعاني عجزاً، بل فراغاً وخواءً جعله مضعضعاً وخلَّفه مترنِّحاً، حتى طالته تشكيكات هؤلاء الصعاليك، وهزَّته ترَّهات واهية! ما يفضي إلى اهتزاز الإيمان بكلِّ عقيدة، والشكِّ في كل مبدأ وشريعة! والحال إننا أمام مذهب من القوة والإستحكام، ما صمد أمام أعتى الهجمات، وقاوم أشد الضغوط والسطوات، وانتصر في أقسى الحروب والنزاعات، منذ اللحظة الأولى التي جمع فيها رسول الله صلى الله عليه وآله عشيرته، وعيَّن أميرالمومنين عليه السلام أخاً له ووزيراً ووصياً وخليفة، حتى ساعة وفاته وقيام السقيفة، صمد التشيُّع في عهود الخلفاء، وثبت أمام طغيان الأمويين وويلاتهم، وقاوم بلايا العباسيين وفجائعهم، فالأيوبيين ومجازرهم، والمماليك وعتوِّهم، والعثمانيين واستبدادهم، حتى عصر الإستعمار والدولة الحديثة وعهود الإستقلال، لم يترك كلُّ هؤلاء، حكام جور وعلماء سوء ومذاهب نُصب، حيلة لينالوا من التشيُّع إلا عمدوا إليها، ولا سبيلاً لتحريفه إلا سلكوه، ولا أداة لإبادته والقضاء عليه إلا استخدموها، بطشٌ وتنكيل وقتل وتهجير، إقصاء واضطهاد، وبغي وإجحاف وقهر واستضعاف، كل هذا عجز أن ينال من مفردة واحدة في هذا المذهب الصلب المتين، ويهزَّ لبنَة في هذا الحصن الحصين، ويُحدث ثغرة في هذا الصرح الراسخ المكين، الذي قام على مداد العلماء، وسقته دماء الشهداء، ورعته يد السماء وعناية الأولياء.

إنَّ الأداء الصحيح الذي يجب أن يحكم التعامل مع هذه النظريات والتيارات وأربابها، هو تجاهلها في مادتها وتفاصيلها، وترك نقضها وتفنيدها لذوي الفضل والاختصاص في الحوزة العلمية، والانصراف في جهدنا الإعلامي لأمرين: الأول: فضح التردِّي الخُلقي لهذه الشخصيات، وسقوط عدالتها، وتعريتها في عدم نزاهتها، من حيث غلبة الأهواء فيها، والأغراض الشخصية عليها، وكيف أنها متهالكة على المال، مستميتة في نيل السلطة وتحقيق الشهرة، كما في الريبة التي تحوطها والشكوك في خيانتها وارتباطاتها، سواء الحزبية والفئوية، أو العمالة لدوائر المخابرات الأجنبية أو الإسلامية المتزندقة أو الناصبية. وكذا في خوائها وافتقادها ما يسمح لها بالتنظير والاستنباط من كفاية علمية. ثم العمل على ترسيخ الطريقة المتَّبعة في تأكيد تحصيل الفقاهة وبلوغ الاجتهاد، وكيفية ثبوت التخصُّص الذي يسمح للمرء بالتصدِّي لهذا الحقل ويبيح له الخوض في ذاك، وهي طريقة المشيخة والإجازة، وعدم الإنبهار بالاستعراضات التي لا تعني أكثر من جمع ولصق المعلومات، وفي أحسن الأحوال، المقدرة على التتبع والاستقصاء، يوفِّره البحث الإلكتروني، أو فرَق عمل ومجاميع متفرِّغة، يُصبُّ عليها المال صبّاً، لا تعني شيئاً في الميزان العلمي الذي يرتكز على العمق والدقة والإحاطة والقدرة على التطبيق. الثاني: الانصراف لبيان الحق الذي نحمل، وعرض الأصيل النقي مما نملك، الذي لو أحسنَّا تقديمه وأجدنا بيانه وتسويقه، لهفت إليه النفوس وتعلَّقت به القلوب، وأقبل عليه الناس بشغف، وتلقَّوه بشوق ووَلَه، وعزفوا عن ذاك الدجل والسفه.

علينا أن نميِّز بين الرجال ونفرِّق بين الحالات، هناك حراك إعلامي ينطلق من أداء التكليف الشرعي، ونشاط تبليغي تحدوه اللهفة لإرشاد المؤمنين وإنقاذهم، سعيٌ لا يطلب إلا الأجر، وجهد لا يرجو غير الثواب، قد يلحق على إثره العاملَ المخلص ـ عرَضاً ـ الصيتُ والشهرة، ويتبعه حُسن الذكر وطيب السمعة، وثناء المؤمنين ودعاؤهم. و”عرَضاً” هنا تعني إرادة الله التي ترى صلاح الدين والخير في بروز هذا وارتفاع نجم ذاك، بعد أن كان الخير في بقائه مغموراً، والصلاح في استمراره منزوياً مجهولاً! وبين ما يكون طلباً للنجومية وسعياً للشهرة، وتهالكاً على المال والجاه والسلطة، وتبعاً لمناهج ضالة، وقيادات مضلَّة، ومرجعيات مزيفة باطلة، بل خدمة لدوائر مخابرات، وأجهزة ما انفكَّت تضمر للتشيُّع الشرَّ وتحيك المؤامرت.

إن هذه الظواهر الشاذة والطفرات الغريبة التي تدَّعي الحداثة وتنادي بالإصلاح وتزعم التنوير، ما هي، إن دقَّقت وتدبَّرت وتأمَّلت، إلا حراك أجوف يخدم حزباً ويتعصُّب لزعيم، وفعل من صوَر حبِّ ظهور، والتكسُّب والإتجار، وطلب الشهرة والسلطة والمال، ضربٌ من الاستئكال بالدين، والتحايل به عليه. وإلا، لو كانت تنشد إصلاح المعارف الدينية وتنزيه المذهب حقاً، لكان خطابها متوجهاً إلى المعنيين بالأمر مباشرة، منغلقاً عليهم حصراً، فما شأن الساحة الإعلامية وعوام المؤمنين بمباحث أُصولية ورجالية وفلسفية وكلامية في غاية التعقيد؟ محلُّها الوحيد هو الحوزة وأروقة البحث والمداولة بين ذوي الشأن والاختصاص؟ لماذا تثار على الملأ، ويهيج الغبار حولها في وسائل التواصل، ويعلو في الفضائيات الضجيج؟

من السذاجة والغفلة بمكان أن يعمد مؤمن ناشط ومخلص شريف إلى التفنيد العلمي والردِّ الإستدلالي على إثارات العسر والحبتري وحبِّ الشيطان، وما دونهم من سقط المتاع كالهرِّ والبطريق ومومس الأحساء، ناهيك بوزغ عبَّا وفيروز إيرلندا وعورة المعهد، وأضراب هؤلاء الأخلاط والأخياف، فينشغل أحدنا بإثبات نسبة “التفسير” للإمام العسكري عليه السلام، وملاحقة من أيِّ نسخ “البصائر” نقل العلامة المجلسي في “البحار”؟ وتفاوت موقف الشيخ الطوسي تجاه محمد بن سنان بين ما جاء في “الغيبة” عما ذكره في “التهذيب” و”الاستبصار”، و”حجيَّة القرآن” دون السنة، وغير ذلك من إثارات وتخرُّصات لا يمضي علينا شهر، وأحياناً جمعة، دون واحدة جديدة، تسقط كزرق النوارس على الشاطئ، أو سلح الكلاب الضالة في جحورها الرطبة وأوجارها المنتنة. الحقيقة أن لا “حبُّ الله” يكترث بالحديث ويأبه لصحَّة سنده واعتباره، فيحرق ما استطاع من تراثنا، ويردم ما وسعه من بحار أنوارنا في سبيل تنقيته ونبذ الدسِّ فيه، ولا “الحيدري” يهتمُّ بالحكمة المتعالية ويتقطَّع حسرة على الفلسفة، فيهوي بمعول خُرقه وسفهه، ويميل بسيف حقده وعُقد إخفاقه وفشله، ليدمِّر ما تطاله يده من المنظومة العلمية الأصيلة التي تبني معارفنا الدينية، ولا “العسر” يحرص على التشيُّع أو يبالي بحاله، فيهجره الرقاد مما يعلق به من شوائب، ويسهد ليله من تشوهه وتخلُّفه! ولا “طالب” يعنيه سند الدعاء أو قاعدة التسامح في أدلة السنن، التي تحمله على طرح “مفاتيح الجنان” وإلغائه من حياة المؤمنين، كما فعل بالمذهب وتنكَّر وغدر بالطائفة، وهي تحت القصف في 2006، وراح “الصهر” يستجدي الأمان له ولعمِّه من السفارة الأمريكية، لا شيء من الدين يعني هذا، إلا بقدر ما يعني “طوني” الإسلام، أو يعني “الخياط” الذي اعتمده ممثلاً للتشيُّع وناطقاً باسمه، فوقع الذباب على القمامة والوضر.

من الغفلة والخطأ أن ننشغل بردود علمية وأبحاث ودراسات تبطل مقولات القوم وتفنِّد أُطروحاتهم، وكل الأجوبة على إثاراتهم وشبهاتهم تمَّ الفراغ منها منذ أمد بعيد، وأُشبعت، بل قُتلت، بحثاً في الحوزات، وكل ما علينا، إن اعترى أحد الضعفاء الشك، أن يوجَّه للمصادر، ويُرشد إلى كتب علمائنا ونتاجاتهم في هذا الأمر وذاك. لننصرف إلى وظيفتنا في فضح وتعرية هؤلاء، وكشف حقائقهم، وخلق جدار وقائي يحاصرهم ويطوِّقهم، يفصلهم عن أبنائنا وشبابنا، ويزويهم عن بيئتنا، يقينا شرورهم، ويتركهم يتآكلون في دوائر مغلقة، ويغلون في قوقعة أو بوتقة، ويدورون حول أنفسهم ليهووا في مجرى تصريف وبالوعة، أو في قدح كزوبعة! وتوجيه الطاقات وصبِّها في نشر فضائل آل محمد وإقامة شعائرهم وإحياء أمرهم. لا أحد من هؤلاء فيه عرق من غيرة أو حمية أو شكيمة، ينبض على أهل البيت أو يضرب غضباً لهم، ولا أحد من هؤلاء يحرص على صورة التشيع ويخاف على المذهب الوهن، ولا أحد منهم يعنيه غير مصلحته الدنيوية، إنهم زمرة صعاليك ولفيف أوغاد، حثالات أقوامهم وسفلة مجتمعاتهم، وسقاطات تستأكل بالدين، غلبتها الأهواء والمطامع فسخَّرت نفسها للشياطين.

إنها دكاكين وحوانيت تتَّجر بعقائدنا، ويستأكل أصحابها بشعائرنا، ويعتاش أربابها من صفقات تبيع مقدساتنا! لا شأن لها ولا لهم بالدين، بل إن هؤلاء في حقائقهم ملحدون حسيُّون دهريُّون، لا يؤمنون بمبدأ ومعاد، ولا نبوة وإمامة، ولا غيب وملائكة، ولا بتدبير يحكم حركة الإنسان من وراء سبع سماوات، ناهيك بناحية مقدسة أُوكل لها الأمر وفوَّضها الله الولاية على الكائنات. فكم سيكون المشهد عبثياً حين تلاحق أحدهم في سند حديث شريف، وتجتهد في إثبات صحته أو اعتباره، والرجل لا يؤمن ـ أصلاً ـ بعصمة قائله، ويرى أن “الإمام” إنسان، تحكمه انفعالات، يحبُّ ويكره، يرضى ويغضب، فينفعل ويتأثر، لتصدر منه كلمة في مناسبة، وينقل عنه حديث لحدث، لا يمكن لهذا الحداثوي “المتعقِّل” و”المستنير”، أو قل الظلامي الإلتقاطي المستطير، أن يبني عليه ديناً وعقيدة، ويختطُّ منه خارطة تكشف إرادة السماء، هذا إن آمن بالغيب وصدَّق أن هناك “شيئاً” وراء الحسِّ والمادة! إنهم ماديون، نكحهم الشيطان وأوقب فيهم، فسكنتهم لوثته واعترتهم نشوته وغلبهم سُكره، شيطنة وزخرفاً وبريقاً. ولك أن تأخذ الخبر وتتحرَّى المكنون المضمر من فلتات ألسنتهم، ومن طيش صغيرهم الأرعن، الذي سخر من إمام الزمان وتحدَّاه أن يأتي بعلاج للوباء!

والغزِّي هو أحدهم، تاجرٌ يجمع الناس حول بضاعته، وصاحب حانوت ودكان، كانت “السفارة” و”خال بخده” سلعته، يدَّعي لقاء الإمام وتلقي التكليف منه، فلما كسدت بعد رواج، عمد إلى الولائيات والشعائر، فإذا تراجعت عنده ولم ترق لمموليه وأسياده، عرض غيرها وسوَّق لضدِّها، وراح يقبِّحها وينعت أهازيج الحماسة والرثاء التي تبعث في المعزين كل قيم الولاء والحب، والرقة والحسرة على المصاب، ينعتها بالهراء! وهو اليوم يبكي الحديث ويسوق الناس للعمل به بلا فقاهة ولا دراية! ولا ندري ماذا سيفعل غداً إن واجهه حديث يقطع عليه طريق الاستئكال والإتجار، وبماذا سينعت الأخبارية بعد كل هذه الوقاحة والجرأة على الشعائر الحسينية.

الغزي يكمِّل دور الحيدري، وهما معاً ينهضان بمشروع فضل الله وأحمد الكاتب وعلي شريعتي وسيد قطب وحسن البنا، والمنظومة كلها تخدم تيار الحركية الإسلامية الذي تقوده إيران، مهما ظهر متناقضاً في أفراده، ومتفاوتاً في نزعاتهم، متبايناً في مشاربهم، فإنه يرفد مجرى واحداً، يصبُّ في بحيرة الضلال ومستنقع الغدر والاستغفال: فوضى بناء المعارف الدينية، وسقوط موقع الحوزة والمرجعية.

لا حجاً يريد هؤلاء ولا عمرة! وعلينا العمل ببيان البصيرة والأخذ بدرس الوعي الخالد الذي ألقاه أميرالمؤمنين، في خبر طلحة والزبير، كما روى الطبري، [أن طلحة قال: ما لنا من هذا الأمر إلا كلحسة الكلب أنفه. بقي طلحة والزبير في المدينة أربعة أشهر يراقبان علياً من قريب، حتى إذا أيسا منه وبلغهما موقف عائشة بمكة، عزما على الخروج من المدينة، فأتيا علياً، فقالا: “إنا نريد العمرة”، فأْذن لنا في الخروج. فقال علي لبعض أصحابه: “والله ما أرادوا العمرة، ولكنهما أرادا الغدرة”. فأذِن لهما في الخروج بعد أن جدَّدا له البيعة، فخرجا من المدينة، والتحقا بركب عائشة. كما التحق بركبها بنو أمية، فإنهم كانوا يتربصون في المدينة، فلما بلغهم مجاهرة أم المؤمنين بالخلاف على علي، غادروا المدينة إلى مكة، والتحق بها أيضاً ولاة عثمان الذين عزلهم علي عن الأمصار، وهم يحملون معهم من أموال المسلمين ما يحملون]!

Posted in

التعليقات