قيل للنملة: إن الأرض تدور حول نفسها، فلعلك تصابين بدوار! فضربت برجلها ونادت غاضبة: لأوقفنها. وبال طفل في نهر نياغارا، فحسبت أُمه أن الشلالات هناك من إدرار وليدها، وتنهد متأفف ضجر، خرج إلى شاطئ المحيط الهادئ في البيرو، فخال أن التسونامي في اليابان من نفخته.
في عالم التعيُّنات الوجودية العلمية، عند نهاية “العماء” الذي لا يدركه فكر ولا يتعلَّق به اسم أو صفة أو رسم، كان أول الظهورات، سواء من الغيوب كالعقول والأرواح والنفوس، أو الشهادات كالأجسام والأفلاك، هو الصادر الأول والعقل الكل والحقيقة المحمدية، فالحق لم ينعزل عن الخلق إذ لا تعطيل، ولا مغلولية ليد الجليل، كما لا تداخل وحلول يفضي إلى التشبيه ويخلُّ بالتنزيه، بل توحيد في صميم التجريد.
في “مصباح الهداية” للسيد الخميني: [إنَّ الأحاديث الواردة عن أصحاب الوحي والتنزيل في بدء خلقهم عليهم السلام وطينة أرواحهم، وأنَّ أوَّل الخلق روح رسول الله وعليٍّ صلى الله عليهما وآلهما، أو أرواحهم، إشارة إلى تعيُّن روحانيتهم التي هي المشيئة المطلقة والرحمة الواسعة تعيُّناً عقليّاً، لأن أوَّل الظهور هو أرواحهم عليهم السلام. والتعبير بالخلق لا يناسب ذلك، فإنَّ مقام المشيئة لم يكن من الخلق في شيء، بل هو “الأمر” المشار إليه بقوله تعالى: “ألا له الخلق والأمر”، وإن أُطلق عليه الخلق أيضاً، كما ورد عنهم “خلق الله الأشياء بالمشيئة والمشيئة بنفسها”. وهذا الحديث الشريف أيضاً من الأدلة على كون المشيئة المطلقة فوق التعيُّنات الخلقية من العقل وما دونه]. ويقول رحمه الله في “شرح دعاء السحر”: [وهو المشيئة المعبَّر عنها بالفيض المقدَّس، والرحمة الواسعة، والاسم الأعظم، والولاية المطلقة المحمدية، أو المقام العلوي، وهو اللواء الذي آدم ومن دونه تحته، والمشار إليه بقوله: “كنتُ نبياً وآدم بين الماء والطين، أو بين الجسد والروح”، أي لا روح ولا جسد، وهو العروة الوثقى والحبل الممدود بين سماء الإلهيَّة وأراضي الخلقيَّة، وفي دعاء الندبة قوله عليه السلام: “أين باب الله الذي منه يؤتى، أين وجه الله الذي يتوجه إليه الأولياء، أين السبب المتصل بين الأرض والسماء” وفي الكافي عن المفضَّل قال: “قلت لأبي عبدالله عليه السلام: كيف كنتم حيث كنتم في الأظلَّة؟ فقال: يا مفضل كنَّا عند ربِّنا ليس عنده أحد غيرنا، في ظُلَّة خضراء، نسبِّحه ونقدِّسه ونهلِّله ونمجِّده، وما من ملَكٍ مقرَّب، ولا ذي روح غيرنا، حتى بدا له في خلق الأشياء، فخلق ما شاء كيف شاء، من الملائكة وغيرهم، ثم أنهى علم ذلك إلينا”. والأخبار من طريق أهل البيت عليهم السلام بهذا المضمون كثيرة].
الحسين القادم من “هناك”، والشاهد لما وقع في تلك الحضرة، التي يورث تصوُّرها البهت والبكم، ويلقي المتفكِّر في حيرة وذهول، فإذا خرج منه عاد إليه، حتى تندك الجبال ويخر موسى صعقاً. وسيد الشهداء لم يحضرها ويشهدها فحسب، بل كان من أبطال العرصة وصنَّاع الحدث، المندكين في النور المحمدي، فالأربعة عشر كلُّهم نور واحد وحقيقة في ذوات متعدِّدة، حضر عليه السلام ما جرى في الصقع الربوبي أول ما تشعشع وأفاض، والفيض أزلي سرمدي، فلتجر سفينتك هنا ما حملها بحر تعقلك. الحسين الذي به يكشف الله الكرب، وبه ينزل الغيث، وبه تسبِّح الأرض التي تحمل بدنه، وتستقر جبالها عن مراسيها، الحسين الذي إرادة الربِّ في مقادير أموره تهبط إليه وتصدر من بيته، والصادر عما فصِّل من أحكام العباد. الحسين القادم من ذاك العالم الملكوتي والوجود الجبروتي، الذي منَّ الله علينا به، فجعله في بيوت أذن أن تُرفع ويذكر فيها اسمه، وجعل صلواتنا عليه وما خصَّنا به من ولايته، طيباً لخلقنا، وطهارة لأنفسنا، وتزكية لنا، وكفارة لذنوبنا… هذا الحسين، المتجلبب بهذه العظمة التي ترى، وما خفي أعظم، صار مَدِيناً لحزب سياسي ظهر أواخر القرن العشرين الميلادي، بعد آلاف أو عشرات آلاف السنين من نزول آدم إلى الأرض، حزب نسب نفسه إلى الله، ولعلَّه أُسس على تقوى، لكنه ـ بلا أدنى شك ـ مضى على ضلالة وسقط في غواية وهوى في تيه، وصار في كِبْر وزهْو، وبات في غطرسة وطغيان، فأمسى حليفاً للسلطان، وأضحى ولياً لإبليس، وأصبح حزباً للشيطان!
الحسين الذي نزل في النشأة الدنيوية وحلَّ في عالمنا، هو الذي أقسم الله بعزَّته وجلاله أنه ما خلق سماءً مبنية، ولا أرضاً مدحيَّة، ولا قمراً منيراً، ولا شمساً مضيئة، ولا فلكاً يـدور، ولا بحراً يجري، ولا فُلكاً يسـري، إلا لأجله وفي محبته… صار منتهَك الكرامة، مُراق ماء الوجه، لولا جهاد هذا الحزب! ولولا بطولاته وصواريخه وطائراته المسيَّرة، لتبدَّدت دماء سيد الشهداء وضاعت في “رمال” كربلاء!
الحسين الذي تلوذ الملائكة بمهده، ويعوذ الخلائق بقبره، الذي برجاء حياته حييت قلوب شيعته، وبضياء نوره اهتدى الطالبون إليه، الحسين نور الله الذي لم يطفأ ولا يطفأ أبداً، ووجه الله الذي لم يهلك ولا يهلك أبداً، الحسين الذي أتته زمر الملائكة، وانحدرت عليه أفواج الجنِّ تطلب نصرته، فلم يأذن لها… يزعم حزب الله أنه حفظ كرامته أن تذهب، وعزَّته أن تزول، وماء وجهه أن يراق ولا يبقى!
الحسين الذي يقبِّل الكُمَّلُ أعتابه، ويتمسَّح العظماءُ ببابه، ويتمرغ الأوتاد في ترابه، وفي سبيله يلطِّخ قمم العلم والورع والرئاسة أمثال البروجردي وجوههم بالطين، وفي حبِّه يطفر أمثال بحر العلوم في ركضة طويريج كالمجانين، ويعرِّي أمثال القمي صدورهم ويدخل في اللاطمين، ويفلق أمثال الدربندي هاماتهم ليحسب على الجازعين… يهوي به حزب الله ويستخف، حتى يمنَّ عليه، ويظهر نفسه منعماً متفضلاً ومحسناً إليه!
وإنما يلحق الحكم الحزب، مع إن الفعل والجرم من عضو واحد فيه، لأن الأسس والأصول الحزبية تقرُّ بمبدأ التضامنية والتكافلية، فالحزب عصبة واحدة، يحمل أعضاؤه تبعات أفعال بعضهم. ثم للنصرة التي أولوها المجرم، والحماية التي وفَّروها للجاني، والعون والنهضة التي فزعوا إليها، بدل أن يضربوا على يده، ويحملوه على الإعتذار.
عزَّ علينا أن نتخذ هذا الموقف، ولكن ما الحيلة ونحن على مفترق لم يترك لنا خياراً غير التبري من الضلال، فإن كنتم خالدون، فنحن لا محالة ميتون، وفي العالم القادم لا عباس الموسوي ينفعنا، ولا صبحي الطفيلي، ولا حسن نصرالله، فهؤلاء إن لم يكونوا أسوأ حالاً منَّا، فهم مثلنا يبحثون عن شفعاء… كل الأمل في دمعة على سيد الشهداء، وصرخة تردُّ أباطيل المتنكرين له، ووقفة أمام المنقلبين عليه.
التحليلات كثيرة في حصار الحزب والكيد والمكر به، والأقوال أكثر في سقوط العملة وانهيار الاقتصاد وفقر الناس والبلاء والوباء، ولكننا هنا نلاحق أسباب انقطاع المدد الإلهي، وأسرار تعطُّل الغوث الرحماني، وعلل إعراض ولي الله عن فئة تستخف به وتغيِّبه وتهوي بولائه وتنحدر إلى حدود الاسم والدعوى، ثم تتخلى عن هذا أيضاً وتلاحق وهماً يصنع لها مجداً دنيوياً وعزاً ظاهرياً…
من المؤلم أنَّ هذا الانحدار صار نهجاً وثقافة في أداء الحزب وسيرته، فلا نكاد نفرغ من ضجة حول سقطة عقائدية، حتى تلحقها أخرى، ولا ننتهي من هتك لمقدس، حتى يُشرع في تالٍ جديد، وكأن قراراً سرياً يجري تنفيذه، يأخذ الحزب إلى هوية بعيدة عن التشيُّع، ومُفارقة لأوليات الولاء. ولعمري سيطول وقوف السيد حسن أمام الشهداء الذي سقطوا في هذا الطريق، وسيواجهونه بالقيم والمثُل والفلسفة التي حملتهم على الجهاد والشهادة، فثكلت الأمهات وفجع الآباء وتيتم الأبناء وترمَّلت النساء، وكل آمالهم أن تبيَضَّ وجوههم أمام الحسين والزهراء، وإذا بقائد الحزب يصبح حسين العصر، وولي فقيهه علي الزمان، وإذا بالإمام الذي بيمنه رزق الورى وثبتت الأرض والسماء هو بحاجة إليهم، وهم الذين يخلعون عليه مكانته أو يحفظون له كرامته!
هنا قتل الدين وذبح المذهب، بل هتك العقل وذهب الوقار! لما جاء مسكين مكتوم الأجل، مكنون العلِل، محفوظ العمل، تؤلمه البقَّة، وتقتله الشرْقة، وتنتنه العَرْقة، هوى بضعفه وعجز عن الطلب كما الذباب والأرباب… جاء ليخلع العزة على ولي الله الأعظم، ويهب الكرامة، أو يحفظها لمن يدير الكون بيده! وما زال التعس يغالب، يرفع إلهاً ويعلو بوثن، يتملَّق زعيماً ويتذلل لرئيس، والآية تلاحقه: “يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إنَّ الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب”… هنا، في ظلال هذا الأداء، استبيحت الكرامة وتسافلت القيم، وسقطت الأقنعة، وهلكت الوجوه وذهبت العزة وانماث الإيمان.
دع عنك بعوضاً يطنُّ على وضَر، وصعاليك صاروا منظِّرين، وعمائم يُزكم نتنها الأنوف، ومساكين يسعون لتأمين أرزاق عيالهم فباتوا فلاسفة، يلتمسون أعذاراً للثلج في برودته، ويشكون للنار حرارة وللحجَر صلابة، ويستخرجون مبررات من مؤخرات القرود، وحقاً في آلهة البوذيين والهنود… فالحقيقة أنَّ الحزب في هذا معلِن مجاهر، صريح غير مُداهن، وإن وزَّع الأدوار، فكان فيه مُستخف أسرَّ القول، وسارب متجاهر بالنهار، لكن لا ريب أنَّ هذه العقائد باتت هي رسالته، والحداثوية هي فكره ونهجه، وقد حشد لها “شعراءه” وأطلقهم، وكما كان الشعراء في صدر الدعوة الركن الإعلامي الأكثر تأثيراً، يرفعون بمدحهم الأراذل، ويسقطون بهجائهم الأماجد، ويأبِّنون برثائهم الظلَمة، ويزيِّنون بوصفهم الباطل، ويحرِّفون بدعوى الحكمة الحق، يغوون بالغزَل ويضلُّون بالفخر، كذلك يفعل اليوم الذباب الألكتروني، وتزاول الفضائيات، وتشتغل الأقلام المأجورة، وتتعاطى العمائم الخاوية، تراهم في كلِّ وادٍ يهيمون، ويقولون جزافاً، وزندقة يفعلون. والحزب ماضٍ في ذلك بأداء تصاعدي لا يسمح لشيء أن يعيقه أو يضعف من وتيرته، يحدوه قرار واضح يروم طمس الهوية لصالح اللامذهبية، وركيزته الأولى في ذلك مسخ الولاء والتشكيك في الفضائل وإسقاط كل ما يميِّز المعصومين الأطهار، وأيسر سُبله إقرانهم الأنوار الإلهية بنماذج هابطة، أو بصوَر ووجوه عادية، يشهد الناس تدنيها و”بشريتها” الموغلة في العجز والضعف، والمفرطة في الفقر والحاجة، وهو أداء يمضي بمكر ودهاء، وغرور واستعلاء، وما زال ينحدر بعقائد أتباعه ويتراجع، حتى صاروا يبحثون في الأوليات، ويشكُّون في الثوابت، ما غيَّر الأُسس والركائز، وقلب الحرُمات وبدَّل المقدَّسات، وعبث ما شاء في الدين، وبدَّل في المفاهيم وزحزح اليقين!
ولعلَّ أجلى برهان على هذه الحقيقة، يُسقط حجة من يدَّعي ـ بسذاجة أو مواربة ـ معذورية الحزب، بفلتان الساحة، والقصور عن ضبطها، وصعوبة ملاحقة العناصر التي يصدر منها هذا الضلال… تعاطيه في القضايا السياسية، وجدِّيته في معالجة الأخطاء التي تقع فيها، وحزمه وجزمه في تصحيح المسار، ومن قبيل ما جرى في قضية نواف الموسوي وهو نائب في البرلمان، تطاول على بشير جميل زعيم حزب الكتائب، الذي كان قد تولى رئاسة الجمهورية برعاية صهيونية، فأُجبر الموسوي على الاستقالة لما أبى الإعتذار، وتولى رئيس كتلة الوفاء للمقاومة عنه الإستغفار، كلُّ هذا لأن الأمر مسَّ صورة حزب الله أمام السياسيين في لبنان، وأظهره حاداً شديداً متطرفاً، فلا أقيلت عثرة الرجل ولا غفرت زلَّته… أما مقدَّسات المذهب وحرمات الله، ومقام الأئمة الأطهار من آل محمد، ومن قبل ظلامة الزهراء التي عقدوا عليها صفقة سوداء، فلا بأس بأن تنتهك وتبتذل، بل يصدر الأمر للذباب والعمائم الخاوية بقرع طبول الترهيب، لإرعاب الأحرار الغيارى، وثنيهم عن الدفاع عن مذهبهم!
قد تسعف الإحصائيات الحزب في شعبيته، وفي حجم مستودعات أسلحته وذخيرته، وعموم عديده وعدته، فيظهر في نفوس قادته قوياً منتصراً، بل مكتسحاً… ولكنهم في غفلة عن أن القلوب بيد الله، يقلبها بين لحظة وأخرى، فينصرف الناس عنهم وتزهد بيئتهم فيهم. انظروا أين كان فضل الله في بلاد الشيعة وأين صار؟ وكم ارتفع طير الحيدري وكيف وقع. وأنتم على الإثر والتبع! للبيت ربُّ يحميه، سيسقط إيران والحزب وكل من ينخر في داخله ويعاديه، أما نحن، إن أفلحنا ونجونا، فكلاب في هذي المضارب، ننبح مَن يدنو من الحمى، ونطارد من يندس ويتوغل، بهذا نعتز ونتشرف.
“من كنك خواب ديده وعالم تمام كر، من عاجزم زكفتن وخلق از شنيدن”.
أنا أبكم رأى مناماً، والعالم كلُّه أصم، أنا عاجز عن النطق، والخلق عن السمع!..
التعليقات