كنت أحسب أنَّ جيل العظماء، عبود غفلة وعبدالأمير الفتلاوي وعطية الجمري وابن نصار وهاشم الكعبي وعبدالحسين الأعسم وعبدالحسين الشرع، وهذه الطبقة العرشية، حالة وِتر لا تتكرر، وعهد مضى لن يعود، قنط الدهر أن يسخو بمثلهم ويجود. زمن جميل ليس لنا إلا نعيش ذكراه، والتحسُّر على افتقاد نظائر لنجومه، وأقران لأفذاذه… حتى رأيت أنَّ نتاج الشعراء الشباب، عادل أشكناني وعلي العسيلي ومحمد الحرزي، ليس نفحة هبَّت لوهلة، ولا قريحة جادت لمرَّة، إنما هي عين متفجِّرة ما زالت تسيح، ويعبوب متدفق ما انفكَّ يجري ويفيض.
لا تفسير لـ “ظاهرة” هؤلاء الشعراء المبدعين، في بُعدي: الجودة والإتقان، كما في الخلوص من شوائب الانتماءات، والانقطاع في الانتساب إلى مخدومهم سيد الشهداء… إلا ما شملهم من عناية ربانية ورعاية مهدوية. فجيِّد الحبك هذا ورائق السبك، ودقيق الوشي ورشيق النظم، الذي ما زال يشنِّف الأسماع ويخلب القلوب وينشي الألباب، يلتقط من معاني الولاء نوادرها فيصيغها، وينقِّب في المظالم عن مجهولها ومخفيِّها، ويتحرَّى من الفضائل مغمورها ويتقصَّى مهجورها، مما تعاقب على ظلمه العدو والصديق، وتظافر على كتمانه وطمسه البعيد والقريب… يستخرجها ويضيء عليها، ينضِّدها ويرصِّفها، فيبعثها ويبثها، لتخلق ثقافة عامة، تحقُّ الحق، وترسي ركائز تقاوم نهج الضلال، من هذا الثغر والرباط. وكذا حالهم في هديهم وسيرهم وطريقة مشيهم وعيشهم، الموفقة في الانقطاع إلى أوليائهم، المتَّزِنة الوقورة، المترفعة عن الخفَّة والابتذال، المتنزِّهة عن اللوث بآفات العصر والناجية من ابتلاءات الزمان!.. لا يكون مثل هذا التوفيق إلا لسابق إنعام منهم ـ سلام الله عليهم ـ وإفضال، وتسديد وإقبال، خصُّوا به هؤلاء وأنالوه أولئك السعداء.
وقد يُرجع بعضهم الأمر، إلى عموم ما يحظى به هذا الجيل من فرص لم تتح للأجيال السابقة، أن ينشأ المرء في بحبوحة من الأجواء الإيمانية، ورغد من انتشار الثقافة الولائية، وسعة في الحال من الرزق الوفير والطعام الزكي الحلال، فيكون أمام مائدة زاخرة بالطيِّبات، ينهل من “فلينظر الإنسان إلى طعامه” ما شاء، فيرقى نحو أفق يتخيَّر فيه بين الألوان وينتقي من الجفان. لم تكن الفرصة متاحة في السابق إلا للأوحدي، ثلة قليلة من السعداء، كأبناء البيوتات العلمية، وسكَّان الحواضر والحوزات، ومجاوري العتبات، وبعض الأُسر الملتزمة ذات الصلة بالعلماء، شكَّل مجموعها شريحة محدودة وفئة صغيرة، لم تبلغ يوماً ظاهرة سارية، ولا كانت حالة غالبة يعيشها المجتمع، أو تعيش فيه بوفرة وكثرة، كما هي اليوم… لكن عند تدقيق النظر، تجد أنَّ الأمر، إضافة لهذا الواقع العام ”الجديد” في الساحة الإيمانية، يعود لعناية خاصة شملت بعض المؤمنين، ورعاية صرفت عنهم البلاء ونفت الشقاء، ما يكشف عن سعادة بالغة وحظ وفير، لسرٍّ إلهي، لعلَّه في طهارة المنبت وسموِّ نيَّـة الوالدين، أو لجهد وإخلاص من العامل نفسه، ومثابرة قادته نحو هذا الفلاح والنجاح… فالفتنة صارت في الوفرة، وفي السموم المبثوثة في مبذول “الطعام”، وهي لا تقل خطراً وإغواءً، عن أصل غيابه والمضي في الصيام، وعن الفراغ والقحط والجدب الحاكم في العهود السابقة، وما عانت منه الأجيال السالفة. فالساحة الإيمانية اليوم متشعِّبة الطرق، ملتوية الدروب، متنوعة المسالك، وهي مزدحمة بالفرص ومكتظَّة بالخيارات، وهذا التشابك والتداخل يخلق لَبساً مضلِّلاً ويورث اضطراباً مُقلقاً، لا ينجو منه إلا من سبقت له من الله الحسنى…
إن مَن يتدبَّر في أداء الشباب الولائي العامل في الحقل الحسيني، يستوقفه أمر التحاق بعضهم بالخدمة وانضمامه لركب الأصالة، منذ نعومة أظفاره وأول عهده بالتكليف والعمل في سبيل الدين، دون أن يشرِّق ويغرِّب، ويمرَّ بمرحلة تستزله فيها الشياطين وتجتذبه العناوين! كأنَّ يد السعادة أخذت بيده ابتداءً إلى جادة الصواب، ولطف العناية شمله قدماً فهداه خير سبيل وباب، فتجاوز أطوار التجربة، وتخطَّى معاناة التقلُّب في المناهج البديلة، والضياع في الخيارات والخطوط الموازية، سلك الهداية والرشد من البداية، ووقع على الصدق والقسط والعدل في الغاية، وأصاب الحق، فأوقف جهده وعطاءه ونذر روحه للحسين وإحياء ذكراه.
إنَّ أُولى مراحل الوعي والبصيرة في الحركة الولائية والنشاط الإيماني هي منع الخلط والتداخل، والعمل على الفرز والتصنيف، ثم التموضع والتهديف. وهذه قيمة مستقاة من هدي الحق سبحانه وسنته في الخلق، في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وميزان مرهف في التقييم، تميل به شعرة، وترجِّح كفَّته ذرَّة… على هذا مضى الرجاليون حتى أطلق على علمهم وعملهم “الجرح والتعديل”، وهم يشيِّدون قواعد الأخذ بتراث العترة الطاهرة. وهو منطلق اعتمادنا على الفقهاء والأخذ عنهم، في التثبت من اندراجهم ضمن “المؤمنين” و”العدول” و”النجباء”، بعد الفراغ من العلم الذي تشهد به وتثبته الحوزات.
وهو حراك دؤوب لا ينقضي، وعملية مستمرة لا تنتهي، فنحن في تقييم وتصنيف وجرح وتعديل دائم، وتحريات لا تنقطع ومحاكمات لا تتوقف… وكما هو الحال في “المعممين”، وفي الخطباء، وفي الرواديد المنشدين، كذلك الأمر في الشعراء، هناك مَن يُصنَّف على جماعة ويلحق بفئة، ويُحسب في عديد تيار وحركة، حزب سياسي، أو مرجعية باطلة (المرجعيات الأصيلة، لا تشكل أحزاباً ولا تتبعها جماعات منفصلة عن الأمة). وفي ساحة الخطباء وقرَّاء العزاء والرواديد والشعراء اليوم، صدريون يرجعون لمقتدى، وشيرازيون يلحقون أسرة، كائناً مَن كان ربُّها، وحداثويون يتبعون الحركة الإسلامية وأحزاب الحكومة الإيرانية، يرجعون للخامنئي وفضل الله وهذا اللفيف، وضرب رابع وخامس من تيارات وجماعات تتناهب المؤمنين وتشرذمهم، وتشغلهم وتلهيهم، وتصرفهم عن الولاء الحق، وتدفعهم عن الرشد والهدي والصواب (وكنت قد أعجبت بغير الثلاثة الذين ذكرت، حتى رأيت رثاءه لفضلة الشيطان فلفظته كما بصقة أو نخمة، ولا كرامة)… فإذا سلم العالم والخطيب والرادود والشاعر من هذه الآفة ونجا من تلك، تعرَّض لفتنة أخرى وخضع لبلاء ومحكٍّ جديد، وهو الصراع بين التكسُّب والإخلاص، والمعركة بين النزعة التجارية، والنزاهة والانقطاع للخدمة الدينية. ففي هؤلاء من لا يعنيهم الأمر إلا في مردوده المالي، ومنهم متهالكون على الظهور، مستميتون على الشهرة، وفيهم صرعى جمْع المريدين وحشد المعجبين!
ولا يخلص من هذا المخاض وينجو من هذا العراك إلا ثلة قليلة، ونخبة مصفاة، هم الحسينيون حقاً، لا لفئة ينتمون ولا في حزب ينخرطون ولا لجماعة ينتسبون، لم يتخذوا غير سيدهم مطاعاً ولا دون مخدومهم وليجة، لا يطلبون مالاً ولا يجدُّون وراء ظهور ونجومية، تعاهدتهم رعاية وكلأتهم عناية، دفعت عنهم شرور أولئك وهؤلاء، وصرفتهم عن مُبتدع الآراء والأهواء، فلم يسقطوا في “ابتكار” الصوَر، واستحداث الأشكال، ولم يبتلوا، كما ابتُلي غيرهم، بمغالاة في الولاء ومزايدات في أنماط العزاء، يحسب أحدهم أنه سبق زعامات الطائفة، وتفوَّق على تراث الآباء والأجداد، الذي سُفكت في سبيل وصوله إلينا أغلى الدماء. فإذا زلَّت بأحدهم قدَم من قلَّة خبرة وتسرُّع وغِرَّة، مُدَّت له يد أقلَّته عثرته وأسعفته، وتداركته رحمة أعادته إلى رشده وأنجدته.
وعلى الرغم من أنها شؤون وحالات متفوِّقة ثمينة، ومراتب وأطوار متقدمة خطيرة، ومقامات ومواقع عسيرة عزيزة… إلا أن الحسيني (الشاعر والرادود والخطيب) المنقطع لأئمته سينالها ويحظى بها، وستبلغ به الخدمة المخلصة ما سقط عنه علماء وهوى دونه عظماء، والنجاة بالحسين وسفينته الأكبر والأوسع مبذولة هنا في الدنيا، كما ستكون في الآخرة! وهذا من الخفي المغبون، كما الصحة والأمان، يعيشه الخدام بتلقائية، ويرفلون في ظلال جنانه بأريحية، وكأنه قدرهم الذي لا عجب فيه ولا غرابة! وإنما يعيه ويميِّزه مَن شرَّق طوراً في حياته وغرَّب، ولم يلق عصاه ويستقر به النوى إلا في أرذل العمر، حيث لا سعة تسمح بالنهل والتزوُّد، ولا مندوحة تتيح البذل والعطاء… وبعد، فهذه نماذج تُتمُّ الحجة، وتقدِّم الأُسوة، وتعرض للساحة وتبيِّن كيف للمنقطعين لسادتهم، المستغرقين في خدمة مواليهم، أن لا ترتهنهم الحزبية، ولا تأسرهم التيارات، ولا تستخدمهم الحوانيت والدكاكين التي تتَّجر باسم المذهب والدين.
قرأت جانباً من إصدار الأستاذ عادل أشكناني “الأربعون مصاباً”، فرأيته يسطر، قبل الأوزان والقوافي، وينظم مع الأفكار والمعاني، ملحمة في الخلوص من اللوث والنجاة من الزيغ، والإخلاص الذي يريد إبكاء سكان الملكوت، ويتوجه بتحفته لسيدة الوجود، وهنا الإكسير الذي يتيح لفتى يافع هذا الإبداع، ويفسح له ليزهو ويفخر: “ما زلت على دين جدتي”…
التعليقات