منذ أن غرقت “التايتنك”، تلك السفينة العملاقة المدهشة، والناس، من أهل الخبرة كانوا والاختصاص، أم من المغرمين بالقصص والأفلام السينمائية، في اختلاف حول أسباب غرقها، منهم من يرجعه إلى الجبل الجليدي الذي غفل عنه القبطان، أو السرعة المفرطة التي أمره بها مدير الشركة مالكة السفينة، أو غير ذلك من أخطاء بشرية وآلية وعيوب مصنعية… وهناك مَن يرجع الأسباب لكلمة أطلقها بعض الملَّاحين من طاقم السفينة عند تدشينها أو ساعة الإبحار بها، وهو يرقب هيكلها الخرافي ومداخنها العملاقة، قال: “حتى الله لا يقدر على هذا المارد”! وعندنا، وفقاً لمنظومتنا الدينية المستقاة من القرآن والسنة، فإنَّ كلمة الكفر هذه، هي التي فعَّلت الأسباب، وساقت المقادير نحو هذا المصير. كلمة أو فعل منكر واحد، كفيل بالسخط الإلهي الذي يحل بشخص أو قوم أو بلاد، ناقة تُعقر تبعث صيحة، تكذيب يرسل صرصراً ورجفة، مكابرة على الإيمان تبعث طوفاناً وجراداً وقمَّل، زهو بالغنى واعتداد بالقدرة وطغيان يورث خسفاً!.. لا أحد يجحد الأسباب الطبيعية، وسلسلة العلل التي تنتهي إلى هذه أو تلك النتيجة، لكن الدهريين والماديين والحسيين، يقفون عند الطبيعة وقوانينها، بينما يرجع الإلهيون ذلك ـ من بعدُ ـ إلى الله سبحانه وتعالى، ويفرضون مصاحبة يد الغيب لهذه العلَّة وتلك، بما يسوق الحركة ويقودها إلى نتائج مقدَّرة، ونهايات تجعل من القوى المعنوية الفاعلة في نواميس الغيب، العنصر والعامل الأكثر تأثيراً.
في مثل هذا اليوم قبل عقد مضى، نكست المحافل الماسونية أعلامها، وأعلنت العلمانية العالمية الحداد، ودقَّ النفير العام في جبهة الزندقة والنفاق، ونفخ إبليس الرجيم في صُوره مستنهضاً أولياءه… تداعى المتكسِّبون بالدين وهرعوا من كلِّ جانب وكنف، واستنفر المتَّجرون بالمذهب وانثالوا من كلِّ صوب وطرف، احتشدت المتردية والنطيحة، والتمَّ كل مراوغ مداهن محتال، وتجمَّع المنافقون قبل الدرك الأسفل، هنا في “ضرار”، ليُشيِّعوا جنازة طاغية جبَّار، متكبِّر تيَّاه، مختال متباه، تحدَّى الله، وبنى صرحاً يطَّلع منه على الأسباب ويقف على سرِّ حبِّ الشيعة لأهل هذا البيت، وعلَّة التفافهم واحتفائهم بهم، وتكريمهم لهم، دونه هو، ونبذهم بقية الشخصيات والرايات؟! وإن صدق لقب في هذا الشقي الهالك وانطبق عنوان فيه، فهو أول مَن تجاسر في هذا العصر على سيدة النساء في نفي فضائلها وخصائصها، والتشكيك في مصائبها، وسعى في تبرئة قتلتها، وأراد إنهاء قضيتها، وزعم بيان وانكشاف موضع قبرها… برزت الأبالسة كلها في الجنازة وظهرت، ولو انكشف الغطاء لرأيت المردة تطفر، ولسمعت رنَّة ونخاراً! اصطفت قوى الشرِّ وانتظم حلفاء الشيطان، واستعرض إبليس أنصاره: زعماء وقادة ووزراء ونواب وأعيان ووجهاء وأثرياء، ثم عمائم وقلانس وصلبان وتيجان، وغثاء أحوى يحف بالتابوت فيه قلق واضطراب، وبقية مما تركت المصارف وصكوك الودائع والأسهم والعقارات… يقابل هذه وهؤلاء، الإيمان ومَن يمثِّل ظُلامة فاطمة وحقَّ عليٍّ. فكانت المرجعية والحوزة والشعائر والفقه والعقيدة في جبهة، وفي الأخرى رتل الأحزاب والسياسة والمال والتجارة والإعلام… وبينهما راقص على هذا الإيقاع يزعم الاحتياط، ورعديد يطلب السلامة في الوقوف على التل، وصامت مداهن، خنوع مضارع، مقرٌّ ممالئ، أبكمته المصالح وأخرسته الفكرة في المال والعيال، فلم يُثبت في ديوان نصرة الحق اسماً، ولا نقش في لائحة المنكرين على الباطل رسماً.
وبينما انشغل المؤمنون بشكر الله على الخلاص من العجل وسقوط هبل، راحت الأحزاب تعيد بناء الوثن وترفع ثانية الصنم، جمعت همتها واستنفرت طاقاتها وانكبت على صبِّه في قالب كله شؤم وعار، لتقوم أسطورة طائر الفينيق من جديد، وتستمر الفتنة وتمضي الضلالة وتعيد. وإن ارتكس الخبيث في عالم الحقيقة وانتكس، كما أنشد مصطفى جمال الدين في إمامه: “هيا استفيقي يا دمشق وأيقظي تَرفاً على وَضَرِ القمامة يرقُـد”… نثر السامري ما ادخر من أثر الرسول، مبرَّات ومقاومة، وصاغ من حلي بيت المال وما تسوَّل من أموال الفقراء واختلس من الأيتام، فعاد العجل يخور، ومضت الفتنة قائمة دائمة، فطابت أنفس الطلقاء، وقرَّت عيون الماسون وفرح الأعداء!
هنا لعمري قد لقحت، ولم تنتظر ريثما تنتج، بل احتلبوا في الآن ملأ القَعب دماً عبيطاً وذعافاً مبيداً، وعرف التالون ـ في الحين ـ غِبِّ ما أسسه الأولون، ولم يحتاجوا لمن يتوعدهم بالفتنة ويحذِّرهم من البلاء، فقد عاشوه من فورهم، ورأوه في ساعتهم، وما زالوا تحت سيف صارم وسطوة معتد غاشم، وبهرج شامل واستبداد من الظالمين، جعل فيأهم زهيداً وجمعهم حصيداً… منذ تلك اللحظة المشؤومة، وتيار الجمهورية الإسلامية في سقوط متتابع، انتكاسة فاندحار، وهوي بعد انكسار، لم يرتق لهم فتق ولم يجبر لهم كسر!
إنَّ جحد حقِّ الزهراء، محور أصحاب الكساء، علَّة الخلق وغايته، سيعقبه ـ لا محالة ـ سخط وغضب وفقر وبؤس وشقاء! وضع يدك على حال إيران والأحزاب التابعة لها، وانظر ماذا جرى عليها من ساعة استخفافها بهذا الحق، ونصرتها الضال المضل وتكريمه، وانقض دعواي بمورد واحد نجحت فيه، أو كتب لها فيه الفوز والظفر، أو الراحة والاستقرار، ودع عنك مزاعم الآخرة، وهم أبناء دنيا، وينادون بتفوقهم فيها، ويزعمون نجاحهم في إصلاحها وإعمارها… ما زالوا من فشل إلى إخفاق، ومن كبوة إلى خيبة، ومن هزيمة إلى انتكاسة، وها هم اليوم في انهيار، لا ينافس تومانهم في السقوط إلا الليرة، ولا يفوق فقرهم وبؤسهم إلا ما حلَّ باليمن والشام، وتحوم سحبه، مع ذكرى الهالك وشؤم جنازته وتبعات نصرته، في السماء، تخيم على لبنان وتجثم عبئاً ثقيلاً ينقض ظهر الحزب، الذي باع دينه بما توهمه دنياه…
لو كان في القوم حكيم رشيد، أو متواضع لا تأخذه العزة بالإثم، لوقف على سرِّ هذه الهزائم المتلاحقة، وعرف علَّة العلل التي تدير المقادير، وتسوق التدبير، تأخذه لخير هناك ونعماء، أو لشرٍّ هنا وشقاء… وأنه تعالى ساخط عليهم غاضب، لاستخفافهم بحرماته، وعبثهم بمقدَّساته، وزندقة تسير بهم على ضفاف الكفر والإلحاد، وهم غافلون، يمشون مكبيِّن على وجوههم، مختالين مصعِّرين خدودهم، يحسبون أنهم يخرقون الأرض ويبلغون الجبال طولاً، والتربة من تحت أقدامهم لزجة ستزلقهم، والجرف هار سينهار بهم!
وبعد، فهذا صميم البنيان ولفيف الأعوان، الذين نالوا حصتهم من المكاسب ونسبتهم من الأرباح، يسارعون في ترك السفينة (المارد التايتنك)، يتبجَّحون بصفاقة بالويل على الزعماء، وينادون بوقاحة بالثبور على بطانتهم، وكأنهم من سكان القمر، في معزل ومنأى عن هذا اللوث والخطر، لم ينهضوا باحتجاج، ولم يعقدوا راية ويدافعوا عن خباثة ويسوقوا لغاية، بل لم يداروا فضيحة ويخفوا جناية!
لا الصين في الشرق ستنقذهم ولا فنزويلا في الغرب، وفي الحديث ”من تزيَّـا بغير زيِّـه فدمه هدر”، ومن خرج عن ثوبه وتخلَّى عن مذهبه وتنكَّر لأسباب عصمته ومقتضيات رحمته، ترك التشيُّع إلى العلمنة والزندقة، ومال عن الولاء إلى البدعة والضلال، وباع دينه لقيَم متحركة كالمقاومة والثورة والدولة، وعزف عن المرجعية إلى قيادة جاهلة معقدة، فقد استقبل البلاء، وطلب لنفسه الشقاء.. لن تسعفهم الرحمة وتدركهم العناية الإلهية، ولن يدفع الله عنهم اللأواء، ويحول أن يصطلمهم الأعداء، إلا عبر شخص واحد دون سواه، هو الحجة بن الحسن العسكري عليه الصلوات… فكيف السبيل وهم يتحدون دينه وعقيدته، ويستخفُّون بحرمة أمه، ولا يكترثون بعزاء جدِّه؟!.. عودوا إلى الله وافزعوا إلى وليه، “ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيماً“.
التعليقات