على طريقة الشمبانيا دون كحول، وبوركيني الشواطئ المختلطة، والرقص والدبك الإسلامي، والديجي الشرعي… يجري تسويق خروج المرأة من خدرها، والقضاء على حيائها وسحق احتشامها، والتكسُّب بالدفاع عنها واختلاق ما صار يعرف بحقوقها. ثم يبلغ البلاء مداه حين يفلس المستدل، أو يشقى، فيرمي خديجة الكبرى بمخالطة الرجال ومجالستهم، وهي أم المؤمنين، بل أُم سيدة نساء العالمين، وجدة فخر المخدرات من الأولين والآخرين، أصل نقيَّات الجيوب، ومنبع عديمات العيوب، اللاتي لا بيداً عرفن ولا سرى، ولا مجالس ولا نواد… حتى حسبت أن الكاتب أموي من الذين نسبوا للسيدة سكينة بنت الحسين ما يماهيها بنسائهم، وإذا به سيد ينتسب إلى الدوحة الهاشمية الشريفة، فوا أسفاه!
أكاد أجزم أن الرجل لم يبلغ في تحصيل العلوم الدينية شأواً ولا قطع شوطاً، ولا هو أوفى البحث حقه من التحقيق بما يسمح باستخلاص نتائج واستنباط مفاهيم دينية خطيرة… ولكن مما يشفع له، أنه، كما علمت، يمضي حراً ولا يخضع لسطوة الحزب، ما يعني أنه حيٌّ لم يمت، وثمة رمق يمكن أن يعود لينبعث منه نحو الحق ويأخذه إلى الصدق، فحريٌّ أن تفتح له نافذة، علَّها تنقله من عُجب وكبر ينفخ صدغه ويصعِّر خده، وعمَه وتيه يُطغيه، إلى بصيرة ووقار واتزان ينجيه، فيفيق من سكرته ويكف عن غوايته، ولا سيما مَهلكة الإضلال الديني، والافتراء على الله ورسوله بنسبة ما يهوى، وإسقاط حالة أو قضية شخصية مرَّ بها على شرعه وإلحاقها بدينه! فلا يلج بعد الآن في أمور الدين كسبَّاك يقيس تمديدات أنابيب لدورة مياه، بالجهاز الدوري ويقرنها بالأوردة والشرايين، ثم لا يكتفي فيعمد لمباشرة علاج جلطة نزلت بمريض، كما يفعل بانسداد قسطل أو سدَّ بالوعة تصريف، مستبدلاً المنشار بالمشرط أو المبضع، والتسليك بالميل الذي ينفخ في مسدودها!.. والحق، إن الخشية على بسطاء المؤمنين أن ينطلي عليهم زخرف قوله، هو ما يحمل على الرد والتوضيح، وإسعاف الأيتام بنجدة تدركهم، مقدَّم على إنقاذ مَن طلب الهلاك وسعى فيه.
في مناجاة المعتصمين: “وأن تجعل علينا واقيةً تنجينا من الهلكات، وتجنِّبنا من الآفات، وتكِنُّنا من دواهي المصيبات، وأن تنزِل علينا من سكينتك، وأن تُغشي وجوهنا بأنوار محبَّتك، وأن تؤوينا إلى شديد ركنك، وأن تحوينا في أكناف عصمتك”. ومن الدعاء على الشيطان في الصحيفة السجادية: “واجعل بيننا وبينه ستراً لا يهتكه، وردماً مصمتاً لا يفتقه”. وفي دعاء أبي حمزة: “واجعل عليَّ منك واقية باقية”…
حتى لا نقع في السطحية التي تعاطى بها الرجل مع النص الديني، والقشرية التي انتزع بها المفاهيم من الوقائع التاريخية، بل لا نبتلى بتحريف هذه الوقائع والقفز منها إلى تفاصيل من نسج أخيلتنا، أو توالٍ باطلة ولوازم نحسبها لا تنفك… لا بد من فهم بعض الحقائق العلمية والحوادث التكوينية من منظور إيماني، لا حسيٍّ مادي، كما هو المفترض في المؤمن، فنفهم، على سبيل المثال، “النور” و”السكينة” و”الواقية”.
وننطلق في ذلك من وقائع تاريخية قطعية، من قبيل تضاعف عدد المسلمين في نظر الكفار، “يرونهم مثليهم رأي العين“، وأنَّ الأمر ليس من المعالجة بالإيحاء، والتأثير بالتلقين، أو الإرعاب بالتهويل، بل هو “رأي عين”، حقيقة متجسِّدة في الخارج، انعكست خيوط الضوء منها في الأعين، ونقلتها الأعصاب إلى المخاخ، فأدركوا، لا من خيال أو رؤيا ومنام، وجوداً لعدد هو ضعف “الواقع”. هكذا نقرب من تحقيق ذيل الآية الشريفة “إن في ذلك لآية لأولي الألباب” ونتعرَّف على “السكينة” التي كانت في “التابوت” في قوله تعالى “وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة”، وكيف لتفاعل نفسي ينتهي إلى السكون والطمأنينة، كما يذهب الحسيُّون في تفسير “السكينة”، أن يكون جسماً مادياً يوضع في حيِّز ووعاء، هو التابوت، إلى جانب الألواح وبقية ودائع النبوة؟! وأن نفهم “الواقية” التي جاءت في المأثور المقدس من أدعية أهل البيت…
وهذه إشارة سريعة ونبذة عابرة، يفتح منها باب للبحث والتحقيق، وإضاءة على مواقع تبدو بعيدة وغريبة على أفق مغامر مندفع، وثقيلة على مؤونته العلمية وحصيلته الفكرية، وحتى على مخزونه الثقافي الضحل.
“الواقية” تدخُّل تكويني، قد يكون عبر إكسير غيبي أو معادلة جفرية خارقة، يصرف إعمالها الأنظار أو الأضرار، عن شخص أو حدث، وعما يحويه أو يحتوي عليه، بمعنى سدول أو غشي أو بث ما يجلله وينفعل في الفضاء المحيط به والمصاحب له، و”يقيه”، بحيث تذهل عنه الأنظار والأفكار، وتنصرف إلى شأن يغنيه ويبعد عنه الأخطار… فلا تؤثر نار النمرود في الخليل عليه السلام، وتفعل “وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون” فعلها، مع ذرات رمل نثرها النبي صلى الله عليه وآله، فخرج ليلة الهجرة أمام الذين كمنوا لقتله، دون أن يروه! لا بمعنى أنه انقلب شبحاً، وصار خفياً غير مرئي، بل كان صلى الله عليه وآله على صورته البشرية الطبيعة، لكن “الواقية” التي كانت تجلِّله فعلت فعلها، إما بعمىً عارض أو نعاس جمعي ضرب العيون الرقيبة، أو أنهم كانوا يرون ويشهدون ويعيشون “الحالة” التي جلَّلته، فهم كانوا ينظرونه، ولكن لا يرونه!
ولعلَّ تطبيقاً حسياً مشهوداً، مما ينال عامة الناس، يعين على فهم هذه الحقيقة وإدراك معناها، وهو كثير ومتكرر في الحياة، أن تعرض للمرء وتمر به حوادث ووقائع تغيب عنه حيثياتها، على الرغم من أنها تجلَّت له بوضوح حين الحدث وحال وقوعه، ذلك لفوْرته واستنفار مُدركاته، وشحذ وإرهاف أعصابه، وشدة تأثره وانفعاله… تراه يذهل عنها، ولا يشعر بها، فلا يسمع صرخة مدوية، ولا يرى ضوءاً ساطعاً ووميضاً باهراً، بل قد يصاب بجرح غائر، فلا يلتفت إليه ولا يشعر به، الا بعد حين، عند بروده وقراره. تُرى أين كانت أحاسيسه ومُدركاته؟ ما الذي طمسها أو خدَّرها، فعطَّلها ـ بنحو وآخر ـ عن عملها؟!
السيدة خديجة عليها السلام إن كانت قد مارست التجارة بمقتضياتها (وهذا ما لم يكن) من مواجهة الرجال وما شابه ذلك من مدعيات الكاتب واختراعات أضرابه، فقد كان محكوماً بهذه القاعدة، وهي سارية في جميع أُمهات المعصومين عليهم السلام، ففيهنَّ الإماء اللاتي تناقلها النخاسون في أسواق الرقيق، وتعرَّضن لما يقتضيه ذلك من معاينة ونظر، ولكن يداً غيبية وأغراضاً تكوينية وسابق علم الله تعالى بأنهن سيلين أمراً عظيماً ويكنَّ أوعية لحمل الإمام، كانت على الدوام تسدل دونهن حجاباً وتضفي عليهن واقية، تجعل الرجال وغير الرجال يذهلون وينصرفون عن النظر، أو حتى الالتفات إليهن بأي نحو.
وكذا الحال في مَن كانت تلتقيهم سيدة نساء العالمين من الصحابة، الذين رووا عنها بعض الأحاديث كسلمان الفارسي وجابر الأنصاري، وإن بلغوا رتبة “منَّا أهل البيت”، إلا أنهم كانوا يرون أنواراً تذهل أبصارهم عن النظر إلى شخص والتمعن في هيئة ورسم، وكذا كان الحال عند خروجها للخطبة في المسجد ولاستنهاض الأنصار.
ولك أن تنطلق من هذه الإشارة، وتستشرف المزيد من هذه الآفاق السامية، حين تنظر في ما قاله العلماء، من الدربندي والتستري وغيرهم ممن اشتغل في السيرة الحسينية، عن كيفية بروز بنات الرسالة في ساحة كربلاء، وكيف جللهن الله تعالى بجلاله، وأرخى عليهن دون أنظار الأرجاس، بل سائر الخلق، وأسدل من نور حجابه.
إن آل محمد لا يقاس بهم سواهم، ولا يسقط تراث عريض من روايات المعصومين وأحكامهم القطعية في التأكيد على الخدر، وهو التزام جدار الدار وأسوار البيت حجاباً، فيُتَّخذ سلوكهم المحفوف بهذه الحيثيات الملكوتية، دليلاً حاكماً على ما أمروا به، وكأنهم ينقضون ما يبنون، ويهدمون ما يشيدون، ولا يفعلون ما يقولون ويأمرون… قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “ألا إن فاطمة بابها بابي، وبيتها بيتي، فمن هتكه فقد هتك حجاب الله”، ألا وقد أحرقوا الباب ودخلوا البيت وهتكوا حجاب الله… ترى، هل هتك حجاب الله يعني رؤية الله ومشاهدته؟ هذا تعليق بمحال، وكذلك ذاك.
التعليقات