من المروءة والوفاء، ثم المقابلة والجزاء، مواساة المصاب وتعزيته بمَن فقد، وهي من العادات العربية والإسلامية الأصيلة، وتكاد تكون نزعة إنسانية جارية في سائر الأمم والمجتمعات. بعد المشاركة في تجهيز الميت وتشييع جنازته والصلاة عليه ودفنه… يبقى أهله يبكونه ويندبونه، و”الندب” كما “الإسعاد” له معنى خاص في الباب، بعد العام، فالندب الذي يعني النداء والطلب، هو الرثاء والبكاء هنا، والإسعاد الذي يتبادر منه إدخال السرور والفرح والعمل لما يورث ذلك، هو الإعانة على البكاء وتجديده، والمعاضدة على المضي فيه واستمراره، بعد السأم أو الفتور، والتعب والنَصَب من مبلغ الجهد ونفاذ الوسع وذهاب الطاقة، يقوم “المسعِد” بمدح الفقيد وذكر مآثره وفضائله، وتعديد محاسنه ومكارمه، وجميل صفاته ومحمود خصاله، نظماً ونثراً، حكاية وإنشاءً، وسرد كل ما يأخذ في التوجُّع والحسرة، والبكاء والنياحة، فيؤازر على تجديد الأحزان برحيله، واستشعار الثلمة بفقده، ويعين الثاكل على جزعه ويسعفه في رثاء فقيده.

ومن أعظم مراتب السلوِّ والعزاء، بعد الرثاء، هو الإسعاد… وفي اللغة أسعَده: أي أعانه. وأسعَدَت النائحةُ الثكلى: أعانتها على البكاء والنوْح. وهو إسعاد النساء في المناحات، تقوم المرأة، فتقوم معها أُخرى من جاراتها إذا أُصيبت إحداهنَّ بمصيبة فيمَن يعزُّ عليها، تبكي حولاً، وتُسعدها على ذلك جاراتها وذواتُ قراباتها، يجتمعن معها في عِداد النياحة وأوقاتها، ويُتابعنها ويُساعدنها ما دامت تنوح عليه وتبكيه، فإذا أُصيبت إحداهن بعد ذلك أسعدتها هذه، وهكذا.

والأدب العربي زاخر في هذا متلاطم، من غنيِّ مفرداته، إلى غزير شعره، فرائق نثره وبديع بيانه، وهي ثقافة سارية وعادة جارية حتى اليوم، اللهم إلا في البيئات التي تسرَّبت إليها الوهابية، الظاهرة أو المبطنة المقنعة، المتوارية بغطاء الحركة الإسلامية، أو الإصلاحية أو التنويرية، سمِّها ما شئت، فهي التي بذرت الشك وبثت الريبة وافتعلت الشبهة، وجعلتنا نتجشَّم الاستدلال على مسلَّمات المذهب وبديهيات العقيدة، ثم نتنكَّر لطبيعي العادات والتقاليد!

هذا رسول الله صلى الله عليه وآله لما عاد من أُحد، دخل أزقة المدينة، فإذا النوح والبكاء في الدور، قال: ما هذا؟ قالوا: هذه نساء الأنصار يبكين قتلاهم. فقال متحسِّراً على عمِّه: “لكن حمزة لا بواكي له”! ولما بلغ قولُه نساء المدينة، تركوا ديارهم ورثاء أهاليهم، وذهبوا إلى دار حمزة يرثونه هناك، إكراماً للنبي صلى الله عليه وآله. حتى غدت سنَّة، فلم تبكِ إمرأة من الأنصار على ميت لها، بعد قول رسول الله هذا، إلا وبدأت بالبكاء على حمزة! تماماً كما يفعل الشيعة اليوم في عزاء موتاهم، يبدأون ويختمون، ويكادون لا يرثون إلا سيد الشهداء عليه السلام.

وما زال هذا جارياً حتى اليوم في كثير من البلاد، كالعراق ومصر وتركيا والهند، هناك نادبات يتلقين الأجرة لينحن ويصحن على الميت، ولمثلهن أوقف الإمام الباقر عليه السلام بعض أمواله، لتندبه النوادب ويقمن عليه المناحة عشر سنين في منى!

أما شكل المناحة وتحقُّق “الإسعاد” في العزاء، فلا يكون إلا بكيفية خاصة ونحو متميِّز معهود، تتقابل فيه النادبات الباكيات الجازعات في دوائر وحلقات، كما هي حلقات اللطم في أيامنا، تقرأ إحداهن و”تعدِّد” فتبكي الباقيات، فتعود أخرى لتجيبها وتكون الأولى من الباكيات، وهكذا حتى تدلي كلٌّ بدلوها وتشارك بدورها وتُسعد ربَّة الدار وصاحبة المصاب، النمط الذي تطوَّر شيئاً في ما يعرف اليوم بـ”المستهلات”، مع انفراد الراثي (الرادود) بالقراءة واكتفاء الحضور باللطم، ثم يفسح لهم بكسب أجر الإنشاد من خلال ترديد مقاطع من القصيدة. ويبلغ الأمر في الإسعاد بعض صوَر التفجُّع والجزع، من نشر الشعور وشق الجيوب وخمش الوجوه، مما يجري اليوم في المجالس الحسينية النسائية، تطفر إحداهن من جزع، وتنثر شعرها من ثكل، وتعود لتقفز من ذهول… والطقس مفعم بالرمزية والإشارات الصريحة والخفية، التي قد تغيب مداليلها، والمشار إليه فيها، لمرور الزمن على هذه الصوَر وتباعد الأجيال عنها، وانفصال اللاحقة عن المتقدِّمة السابقة. فشبك اليدين على الرأس، والتلويح بالمنديل أو الطرحة، يكتنُّ هول الخطب وفظاعة المصاب وعظم النكبة، ولا يخلو من إعلام وإعلان، والتمايل على إيقاع اللطم ولحن الندب (وما تراه في “النزلة”)، يحكي وجداً وطوراً بلَغه الجازع من الشجو والأسى، وصار فيه من الهيعة والوجل!..

وفي الحديث الشريف عن أبي بصير، قال: كنت عند أبي عبدالله عليه السلام أُحدِّثه، فدخل عليه ابنه فقال له: مرحباً، وضمَّه وقبَّله، وقال: طال بُكاء النِّساء وبُكاء الأنبياء والصِّدِّيقين والشهداء وملائكة السَّماء، ثمَّ بكى وقال: يا أبا بصير، إذا نظرتُ إلى وُلْد الحسين أتاني ما لا أملكه بما أُتي إلى أبيهم وإليهم، يا أبا بصير إنَّ فاطمة عليها السلام لتبكيه وتشهق، فتَزْفِر جهنَّم زفرة لولا أنَّ الخزَنة يسمعون بُكاءها وقد استعدُّوا لذلك مخافة أن يخرج منها عُنُق أو يَشْرَر دُخانها فيحرق أهل الأرض، فيكبحونها، ما دامت (الزهراء) باكية، ويزجُرونها (أي النار) ويستوثقون من أبوابها مخافةً على أهل الأرض، فلا تسْكُن حتى يسكن صوتُ فاطمة عليها السلام… قلت: جُعِلتُ فداك إنَّ هذا الأمر عظيم! قال: غيره أعظمُ منه ما لم تسمعه. ثم قال لي: يا أبا بصير أما تحبُّ أن تكون فيمن يُسعد فاطمة عليها السلام؟ فبكيت حين قالها، فما قدرت على النُّطق، وما قدرت على كلامي من البكاء، ثمَّ قام إلى المصلَّى يدعو، فخرجت من عنده على تلك الحال، فما انتفعت بطعام وما جاءني النَّوم…

إن قوله عليه السلام “أما تحبُّ أن تكون فيمن يُسعد فاطمة” لا يعني أنك إذا قمت بهذا العمل أدخلت السرور عليها وجعلتها سعيدة بطاعتك، بل يعني الإسعاد بالمعنى الخاص، كما في قولهم “لبيك وسعديك” أي إقامة على طاعتك بعد إقامة، وإعانة لك ومساعدة بعد مساعدة، وهو هنا الإعانة والمؤازرة والمشاركة في الثكل والرثاء، والنوح والبكاء، وهو المتبادر مما ورد في غير حديث نسب إلى الرسول في مصادر القوم، ومنه ما جاء في سنن النسائي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أخذ على النساء حين بايعهن أن لا ينُحن. فقلن: يا رسول الله إن نساءً أسعدننا في الجاهلية أفنسعدهن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: لا إسعاد في الاسلام. والحديث مثل نظيره المروي عن عمر، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: “الميت يعذب في قبره بالنياحة عليه”. فتأمل.

وإذا ورد في الشرع الأغر نهي عن خصوص الجزع (في بعض صوَره) على المصيبة، فهذا في سائر الأموات، دون المصاب في أهل البيت عليهم السلام، ولا سيما سيد الشهداء، فقد أمر الشارع المقدَّس وحثَّ على تجديد عزائه وعدم انقطاعه حتى قيام الساعة، وذلك بشتى الصوَر والأشكال، ومنها ما يبلغ الجزع، فالفجعة فيه دائمة لا تنقطع، والأسى لا يخبو، والمصاب لا يهدأ، والدمعة عليه لا تجفُّ ولا ترقأ.

وهذا كله فرع الحضور والمشاركة في المجلس، ودونه لا يتحقق “الإسعاد” ولا يكون العزاء، وهو كنه الشعائر الحسينية وجوهر عاشوراء…

قد يتحقَّق الأجر في أي نحو من رثاء سيد الشهداء، ويوفَّى الباكي أجره وإن كان وحيداً استحضر مصابه فاستعبر، أو سمعه عبر آلة كتسجيل صوتي وهو يجول بسيارته في الطريق، أو عبر قناة فضائية يحضر ما تبثُّه وهو مستلق على أريكته… لكنه لن يبلغ ـ ولا شك ـ تلك الأجواء التي ندب لها أهل البيت، والتي يتعاون الشيعة ويتناصرون ويتكافلون برجاء أن يبلغوها مجتمعين، فيلحقون بالمرحومين، ويخرجون من المحرومين.

إن حضور مجلس حسيني عبر شاشة التلفزيون أو الحاسوب أو الهاتف لن يحقق “الإسعاد”! والدعوة للمجالس البيتية التلفزيونية هو إفراغ للعزاء من كنهه وجوهره، ونزول به إلى أدنى مراتبه وأقل درجاته، وأثره المرفوض ـ بالقطع والتأكيد ـ هو تخلفه وقصوره عن تحقيق الشعيرة، والعمل الجماعي، وانتقاله إلى العبادة الفردية والفعل الشخصي. وهذا ما سعى فيه ـ على مدى التاريخ ـ وعمل له سلاطين الجور وسائر الجبابرة، ووافقهم الحداثويون الخونة.

إن كان من خير في هذا البلاء، فهو انعزال التيار الحداثوي المريض، وانفصاله بنهجه الموبوء، وفكره المبتدع الشاذ، عن مجرى الشعائر الحسينية، فهذا الموسم ستخلو ولله الحمد منهم الحسينيات، وتفرغ المجالس، وقد انعزلوا في دورهم وبيوتهم، يستمعون إلى محاضرات ودروس “علمية”، يجدون ما يفوقها على الناشيونال جيوغرفيك، ويُلقَّنون تحليلات سياسية تستخف عقولهم، وثقافة ما زالت تعظِّم وثناً وترفع صنماً.

من نافلة القول أن إرشادات مراجعنا العظام تنظر استثنائية الظرف وتطرح الأمر كخيار أخير يسبقه إمكانية إقامة العزاء الحقيقي والسعي المضني لعدم تعطيله… لكنها على أية حال، مياه عكرة، كل الخوف أن يصطاد فيها الحداثويون الحزبيون حيتاناً، ولا سيما أنها لا تأتيهم شرعاً إلا في سبت الوباء وبحر الغفلة. فأردت التنبيه.

Posted in

التعليقات