القصة بقضِّها وقضيضها، من بدايتها إلى نهايتها، يمكن تلخيصها في: بُراز تغوَّطه معربدٌ ثمِل، غضبوا لما طالت النجاسة ولطَّخت صنمهم، فأجبروا الصعلوك على أكله!.. والأمر، في نفسه، لمن اطلع على الحقائق ووقف على الوقائع، من القذارة والانحطاط، ما لا يطيق أي احتشام أو يحتمل أي إكرام، ولا فرجة فيه للياقة ولا فسحة لتهذيب ولباقة، فلا يمتعضنَّ أحدٌ أو يتقزز، فهذا هو الواقع المرير من حال العبث بالدين والإخلال بالموازين وسطوة الأراذل والشياطين.

أدخله كبيرهم الدار، وهو مُلحق لصيق يزعم أنه أخ لصاحبها شقيق، أقحمه فيها عنوة وفرضه عليها بالقسر والقوة، وأوكل إليه مهمة خاصة، أراده أن يُجهِز على أخيه، الأثير لدى أبيه! لم يكن الصعلوك يحمل شهادة إلا على الامتثال والطاعة، ولا يتمتع بكفاءة غير الخِسة والوضاعة، والاستعداد للذهاب في الشرِّ والغواية ما يبلغ الغاية. كان يمتثل الأوامر والتعليمات، ويلتزم ما رُسِم له من حدود ونطاقات.. لكنه لما اطَّلع على أسرارهم، وكشف عوراتهم، ووقف على ما أورثهم التنازع والفرقة من ذهاب الريح والفشل والخيبة… طمع وتطاول، وراح يعبث ما شاء وينتهز ما استطاع، سرق من الدار الأثاث وانتهب المتاع، أتلف التحف والنفائس وغالي المقتنيات، وما زال يخرِّب ويهشِّم، يدك ويحطِّم، فلا يعترض أو ينكر عليه أحد، ناهيك أن يوقفه غيور عند حد!.. حتى استولى عليه زهوٌ واختيال، وغلبه عتوٌّ وصلَف ألقاه في اختبال، وبين استدراج وإملاء إلهي أعماه، وزلل واستحواذ شيطاني أفقده حذَره وأغواه.. دخل الشقي جناح سيِّده، وامتدت يده إلى لوحة تحكي أعظم قيمه! وهنا دعاه داعي الطبيعة وألحَّت الرغبة، وغلبته عجلةٌ وفَرَق، من فرط ما التهم وبلع، فتوسَّط قاعة الاستقبال، وكشف عن عجيزته وحسر عن عورته، فتغوَّط حيث كان وبال! وقام يمسح دبره بطرف جبَّته، وينقي إسته بسبابته، ويخطُّ بها على الجدار (وسل عن “المغوَط”، ليُنبيك بالخفايا والأسرار)!

هذه باختصار قصة الحيدري، دون استهزاء واستخفاف أو هزل وإسفاف، ولا تهوين لخطير وتسهيل لعصيب، كما لا إغراق ولا تهويل.. هذا هو حجم الأمر وأبعاد القضية. لا فكر هنا ولا فقه، لا فلسفة ولا كلام، لا معقول ولا منقول، لا قرآن ولا تفسير، لا حديث ولا دراية ولا أسانيد ولا رجال… إنها عملية سياسية بامتياز، وظفت هراءً أُلبس شكل العلم، ومغالطات نُسبت إلى العقل، إثارات وتشكيكات من أتم مصاديق الجهالات، انطلت على بعضهم، أخذوا يلاحقونها بشغف الخاوين ولهفة الفارغين، يقابلهم آخرون راحوا يجارونها بردود علمية، ويبطلونها بحُجج شرعية… بينما أربابها ومثيروها في خلواتهم يضحكون، ومن هؤلاء وأولئك يسخرون!.. هي فتنة أنهتها سكرة، بدأت بتدبير وإعداد، وانتهت بغتة على غير ميعاد!

مهَّدوا بشعبية صنعوها له عبر برامج لردِّ المخالفين والدفاع عن الدين، حتى إذا اشتهر وكسب مكانة وكوَّن أرضية، مال على الحوزة والمرجعية بأقذع سباب، واستخف بكل مقدَّس وأسقط كل ثابت في مذهب الحق، وعاث فساداً هدم كل أصل فيه وفرع، واجترح كفراً بَواحاً بلغ به الدرك الأسفل من الجحيم، حين هزأ من زهد أميرالمؤمنين وأنوار بهاء سيدة نساء العالمين، ولم يوفر أبا الفضل العباس وأم البنين، ولا الشعائر الحسينية وزيارة الأربعين، انغمس في العار وغمره الشنار فلم يُبقِ على لبِنة في جدار، ولا متاع في الدار!.. وبينا هو في غمرة سكرته وذروة نشوته، من فرط ما تمادى ولم يجد مانعاً، وأسرف فلم يلقَ رادعاً، زلَّت قدمه ووقع في المحذور الذي قصم ظهره: المساس بمرتكز مشروع سيِّده، ومحور سياسته وحركته، أي الوحدة الإسلامية وما يمهِّد للامذهبية! فكان كمن نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً.. هوى الشقي على أم رأسه، وارتكس في حضيض رمسه. هكذا، ببساطة تناهز ما في ظهوره من ريبة، انتهى العرض، وطوي الملف، وأغلقت القضية!

أُزيلت اللافتات عن مكتبه وبيته، ويبدو أن الغطاء الأمني والسياسي قد رفع، والقدر المتيقن أنه انحسر عنه وما عاد محصَّناً أثيراً مدللاً، وسيبقى، إن بقي، شاذاً منبوذاً، تلاحق الإدانة كل مروِّج، وينزل العار بكلِّ مبرِّر له ومدافع عنه.

وبعد، فالعجيب المؤلم أن الزنديق ارتكب ما يفوق قبح الزنا بمحرم في جوف الكعبة، وأربا في جناياته على مسرف بن عُقبة… ولم ينبس أحدٌ من الناعقين اليوم ببنت شفة، ولا همس بكلمة، ولم يطرف لهم جفن ولا تكدَّر لهم خاطر! كخُشب مسنَّدة، حتى إذا ارتفعت صيحة، حسبوها عليهم، هاجت الثيران، وتنادت العربان، ورمَح الأتان! سقط البعير فكثرت عليه المُدى والسكاكين!

ومع أن هذا التيار الضال لا حمائم فيه وصقور، فكلهم ذئاب ضارية وكلاب معاوية، لا مكان للحملان في معاركهم داخل البيت الشيعي، ولا محل للوسطية والاعتدال في حربهم للاستيلاء على الزعامة، وعلى جميع الأجراء أن يكونوا طوع البنان ورهن الإشارة، يرقبون ما يريد “الولي” ويشتهي، فيلحقونه كالعميان،، إنما تتفاوت المواقف وتختلف في حدتها وشدتها، حسب نجاح هذا وذاك في استمزاج رأي “الولي”، والقدرة على فهم مذاقه، بعد أن كانوا جميعاً على مبناه ومشربه. من هنا أصدر محسن الأراكي بياناً مكتوباً، وسجَّل قصير، عبر عقدته في الظهور التلفزيوني، تصريحاً مصوَّراً.. وبين نقيق ذاك ونهيق هذا، وضجيج مَن يتبعهما من ذيول، ينكشف قرب كل منهما ومدى التصاقه بالقيادة ودنوِّه من مركز القرار، فبينما كان الأول شديداً قاسياً، يريدها قاصمة قاضية لا عودة بعدها، بدا الثاني متحفظاً، وظهر خائفاً مرعوباً، ترتجف الكلمات في صدره، وتخرج منه كمَن يلفظ أنفاسه ويحتضر، إلا أنه لم يذكر في إدانته اسم الحبتري! وكأنه يُبقي على الباب موارباً، لعلَّه يعود يوماً ليستعمل خرقة الحيض هذه في مسح وجهه، فلا تلقى في المهملات ولا تلحق بالقمامة والوضر.

ومع أن الهزة أو الصاعقة، أذابت الثلج وأظهرت المرج، لكن سيبقى البقر يجتر العلف، وسيمضي القطيع رهن عصا راعيه، وسوف يستمر أتباع إيران يرونها عنزة وإن طارت.

بين ليلة وضحاها، انقلب السحر على الساحر، الأفعى التى طالما تلاعب بها الحاوي، عزف لها بمزماره، فخرجت تتراقص على أنغامه، تجمع له العوام والسوَقة، وتحشد المعقَّدين من النظَّارة، تبثهم السموم… مالت لتلدغ صاحبها، وتؤلم حاويها، فأرجعها إلى زحفها بعد الرقص، وأعادها إلى جحرها بعد القصر.

قبل خمسة أعوام، أساء مومس الأحساء وتمادى، فعزل السيد السيستاني وتبرأ من وكيله، واليوم طغى الحبتري وكفر، فهل يعزل الخامنئي ويتنكَّر لعميله؟

Posted in

التعليقات