من أهم وأخطر الاطروحات التي كان يحملها المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين، ما يلخِّصه نداء”ذوبوا في مجتمعاتكم وأخلصوا لبلدانكم، دون أن تفقدوا هويتكم وتتخلوا عن عقيدتكم”.. يريد معالجة معضلة “الانتماء” وأزمة “الهوية”، وما يخرج الشيعي من عقدة “الأقلية”. ويحضرني أنه في آخر زيارة له للكويت، كان على موعد مع أمير البلاد، فسألني: ماذا تقترح أن أطلب في لقائي غداً؟ فقلت: محكمة استئناف جعفرية تقطع الطريق على حيلة تغيير المذهب للحصول على الخلع وطلاق الحاكم. فقال: هذه قُضيت اليوم في لقائي رئيس الوزراء. فقلت: مجلساً أعلى للطائفة، أو أية صيغة لمنظومة إدارية، تحفظ حقوق الشيعة وحصَّتهم في مقاعد مجلس الأمة والحقائب الوزارية والمناصب العليا وضباط الجيش والشرطة وما إلى ذلك، وفقاً لنسبتهم السكانية. فقال: هوِّن عليك يا بني، إذا أردت أن تُطاع فاطلب ما يُستطاع، هذه زلة وقعت في لبنان، وما زالت المنظومة العالمية نادمة عليها، فلن تكررها، لا في الكويت ولا غيرها. فأعلنت عجزي وحيرتي، وأرجعت الأمر إليه. التقيته بعد ذلك في لبنان، وسألته عن نتائج المقابلة؟ فقال: دع عنك ما جرى، وخذ عنِّي نصيحة تحتاجها في بلدك، عليكم العمل بحكمة والتحرك بكياسة، والتواصل مع السلطة والتفاهم معها، لإصدار قوانين وإقرار تشريعات ترسِّخ وجودكم في بلدكم، وتنتشل ضعاف النفوس من مستنقع الاستضعاف، تمنع التمييز الطائفي وتجعل المساواة حقيقة فاعلة لا شعاراً يُتغنى به، فإذا تم ذلك، كان تحقيق أهدافكم وتحصيل مطالبكم، أمراً تلقائياً مترتباً على ثبات هويتكم في الدولة ووجودكم في البلاد.

كان حلماً جميلاً يراود الشيعة الواعين، وهاجساً مقلقاً يشغل النخبة البصيرة، ومعاناة مزمنة لشرفاء يستشعرون المسؤولية، ولكن المستوى الضحل والأداء المتردِّي لرجالاتهم ونوابهم وعموم الطبقة السياسية الشيعية، كان يُبقي الطائفة في غور سحيق، ويلزمها حضيضاً لا تطال منه أقرب خيوط هذه الأماني وأدنى مدارج هذه الآمال! هزيمة تعيش في سرائرهم قبل مواقفهم، ودونية تطبع نفوسهم قبل سلوكهم، وهن في العزائم وسقوط في الهمم، ثم سخف وخطل وعجز، وصولية واستئكال، تطلعات شخصية وأهداف حزبية، ودعاوى ثورية جوفاء، ما زالت تُحمِّل الطائفة والمذهب الغُرْم دون أن يحظى بالغُنْم! أنزل الخطاب وهوى به إلى ما يحاكي هراء العوام وزِمار النعام، وأخذه إلى أفعال استعراضية، ومواقف تهريجية، وشعارات خاوية، لا أسمَنت ولا أغنت يوماً من جوع.

ومع إن الأمر ليس خارقاً ولا معجزاً، إلا أن الساحة الإيمانية، لغلبة الأحزاب وسطوة “المثقفين العوام”، كانت في يأس منه وقنوط.. حتى قيَّض الله لهذا البلد والطائفة مناضلاً من طراز فريد يدعى خالد الشطي!

فتى مؤمن صالح، دخل المعترك السياسي مبكراً، ناشطاً في اتحادات الطلبة وفاعلاً في الساحة النقابية، جنباً إلى جنب حضوره في المسجد والحسينية، امتشق سيف الفكر والقانون، وامتطى صهوة الأمانة والنزاهة، وتدرَّع بالجدِّ والإخلاص، وتنزَّه عن الدعاوى الثورية الفارغة والتكُّسب بالشعارات، وانطلق يسابق روحاً سامية يحملها بين جنباته، ونفساً أبيَّة ينطوي عليها في أحنائه، ليتخطَّى الحواجز ويتجاوز الصعاب، وعوائق أتته من أعداء المذهب ومن المتلبسين بزيِّه على السواء، الوَجِلين من عُرْيٍ ينتظرهم من هذا الأداء! وكانت غمائم التوفيق وسُحُب السداد تظلِّل الرجل، وسُقيا الخير والبركة معقودة في نهجه ومزهرة دربه، وما زال يناضل في ساحته ويجاهد في جبهته، حتى غدا، على حداثة سنِّه ومحدود إمكانياته (فلا مال ولا أحزاب ولا أحد غير الله خلفه)، قامة شامخة وعلَماً بارزاً في ميدانه، يجمع الأصالة بالمرونة، والالتزامَ بالحوار، والعزم بالمناورة، والثبات والإصرار بالصبر والرويَّة، ما كرَّسه شخصية مرموقة بين السياسيين الشيعة، وأحد رجالاتها الأفذاذ، وممن يُشار إليه على صعيد الشيعة في العالم أجمع. واستطاع بأدائه الرصين وعمله الجاد الدؤوب، أن يرسم نموذجاً رفيعاً ويشكِّل قدوة فريدة، لأبناء جيله، والقادم من الأجيال.

هناك سُنن تحكم حركة التاريخ وقوانين ترسم صيرورته، شرائط تسنح وظروف تُتاح وتسمح، لتتحقق أُمور وتكتمل أسبابٌ فتُنجَز مقدَّرات… النوادر هم من يشخِّص مواقيتها ومواقعها، والأفذاذ هم من يقتنصها، والعظماء هم من يتلقَّفها، فينجحون في اقتناصها والجني منها، ويوفَّقون في استغلالها واحتلابها، ما يرتفع بحظوظ بلادهم وأقوامهم وطوائفهم… هكذا فعل الشطي في هذه الأعوام الأربعة، محاولاً استدراك ما فات، وساعياً لتعويض ما هُدِر من حقوق وأُضيع من فرَص، ولا سيما التي أعقبت التحرير، فحقَّق إنجازات تاريخية عجز عنها غيره في ستين سنة، بل منذ تأسست الدولة وكانت البلاد! ناهيك عن مهارته في تدوير الزوايا، وحكمته في مدِّ الجسور وتوطيد العلاقات، وحكمته في التأرجح بين إرخاء العنان وشدِّ اللجام، وإبداعه في الجمع بين المبدئية والبراغماتية.. كان يقضي عشرات الساعات في دراسة رأي وموقف سيتخذه ويُسأل عنه في عقباه، ويقرأ مئات بل آلاف الصفحات، في مشروع قانون سيقدِّمه ويتحمل مسؤوليته!.. بينما التافهون يلاحقون مصالحهم الشخصية، ويدورون في دوائر مغلقة، هذا يعيش شهرته ونجوميته، ويجدُّ ذاك في تكوين ثروته، وثالث يجمع النهب والاستعراض إلى طلب الشهرة، ورابع يضيف إلى ذلك كلِّه التبرير للظلم والتسويق للإجحاف، ويقطع الطريق على الناشطين للإصلاح، في أي موقع كانوا وعلى أي صعيد نهضوا، يرميهم ويقذفهم ويفتري عليهم! أما “إنجاز” هؤلاء التافهين و”عطاؤهم” فلا يعدو إثارة عجاج يتسلل عبره سيدهم لينجو بفعلته، وخلْق زوابع في فناجين يُلهون بها العوام، وقرع طبول، يحسبها الغافل حرباً، وإذا بها إيقاع يضبط رقص الساحة وتناغمها مع استمرار الفساد، وسَوْق الهمج الرعاع أمامهم وفي إثرهم.

نجح خالد في خلسة من التاريخ، ووفقه الله تعالى أن ينتزع حقوقاً غالية ثمينة، ويحقق إنجازات تكاد تكون خيالية… أرست لمرحلة يتجاوز فيها الشيعة عقدة الأقلية، وهاجس الاندكاك في الأمة، والتماهي والمرونة التي تبلغ الميوعة والتخلي عن الهوية.

وبعد فالرجل، وعلى سُنَّة إمامه أميرالمؤمنين صلوات الله عليه: “ما ترك الحق له من صديق”… حقَّق هذه الإنجازات ومضى في هذا الأداء، مع حرب ضروس كانت وما زالت تُشن عليه، وعداء مستحكم وكيد خفي ومعلن، يلاحقه ويناصبه أينما حلَّ وارتحل! ممن لم يسبروا الغور الذي يغوص فيه هذا السياسي المحنَّك، ولم يدركوا العمق في أداء وشخصية هذا الفذ الألمعي، أو ممن عرفوا ذلك وأدركوا، لكن غلبهم الحسد وأعمتهم الغيرة، وغرَّهم حطام وفتات يتلقونه أجراً!

أمثال خالد الشطي لا يُدرك قدرهم إلا بعد أن يرتحلوا ويتغيبوا، وسيذكرهم أقوامهم إذا جدَّ جدُّهم، وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر. وبعد، فهو ابن مدرسة لا تعرف الملل والسأم، لأنها تعمل لعالم آخر، وتعيش الحياة بكلِّ ما فيها جسراً وقنطرةً، ترى النجاح اختباراً وامتحاناً في الكبر والغرور، والإخفاق باباً لخير أعظم يدَّخره الله لها!

“لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور”.

Posted in

التعليقات