في السبعينات من القرن الماضي، قبل الفضائيات والإنترنت والعالم الافتراضي، التقيت في الحج بشيخ يماني، تبدو عليه هيئة أبناء القرى والبوادي، ظهر من كلامه أنها المرة الأولى التي يفارق فيها قريته، جلس إلى جواري في الحرم المكي، نتعبَّد بالنظر إلى الكعبة المشرفة، بادرني: من أين الأخ؟ قلت: من الكويت. كأنه لم يسمع بها من قبل، أخذ يسأل عنها، حتى قال: هل في الكويت شوارع وبنايات مثل هذه؟! يقصد ما رآه في مكة. قاطعنا شاب يصاحبه، راح يستعرض معلوماته: ما تقول يا عم، الكويت فيها عمران وبيوت وجسور وشوارع وأسواق أضعاف ما تراه هنا. فتعجَّب الرجل، وبرقت عيناه فرجع إليه بسؤال لم أتبين الاستفهام فيه من الاستنكار، وكأنه ينهاه عن الإغراق والمبالغة: يعني أعظم من صنعا؟! قالها دون ذكر الهمزة في آخرها.
أن يُعجب فلَّاح بإمام الجماعة في ضيعته وينبهر بغزير علمه وسعة اطلاعه، فيحسب الدين يتمثل في وجود شيخه، والعلم يتجسَّم في مصون شخصه، وأن ليس وراء عبادان قرية،،، فهذا أمر طبيعي. كما لو رأى طفلٌ يحبو، في كومة رملٍ نسفها قلَّاب أمام دارهم جبلاً شامخاً، وحسب بركة ماء في طرف مزرعتهم بحراً زاخراً، والرفَّ الأعلى في خزانة ملابسه، قمة ناطحة سحاب لا يبلغها إلا والده العملاق أو الطنطل!
ولكن أن ينحو هذا المنحى شيخ يُـشار إليه بالفيلسوف، ضليع في المعقول، ممارس فيه ومتمكن منه، هو الشيخ مصباح اليزدي، فيرى السيد الخامنئي تالي تلو المعصومين، وأنه يتقدَّم على الأولين والآخرين، لا نظير له في أصحاب الأئمة ولا علماء الدين! (وأنا أرى بأن الخامنئي لا يرضى بهذا، كما لم يسمح له بتقبيل قدميه، ولكنني في حيرة من استمرار مظاهر الغلو وتوالي رفدها وتغذيتها في أوساط القوم مع هذا النهي والرفض؟! فهل هناك أوامر وتعليمات خفية وأخرى علنية؟ لست أدري!)… فهذا لا يكون إلا من حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال، ولا ينبئُ إلا عن تيه وسفه وبله، أو عن ضرب سمج مغال في المداهنة والاستئكال، مغرق في التملُّق والتزلُّف، كما هو دأب علماء البلاط ووعاظ السلاطين، ومثال مؤلم في الشقاء وسوء العاقبة.
ومع أن الرجل لم يُعرف عنه تضلع وتمكُّن، أو درجة مرموقة في الفقه وأصوله والحديث ورجاله، ولا رتبة محترمة في باقي علوم الحوزة ما خلا الفلسفة، ولكن هناك معلومات أولية عامة ومرتبة دنيا، من المسلَّم أنه طواها، يفترض أن ترتفع به وتنأى عن هذا الخطل والهراء، وتقتضي أن تعرِّفه، على سبيل المثال، بحديث أميرالمؤمنين: “ضاقت الأرض بسبعة، بهم ترزقون وبهم تنصرون وبهم تمطرون، منهم: سلمان الفارسي والمقداد وأبوذر وعمار وحذيفة”. والإمام حين يفضِّل، والله من قبل حين يختصُّ ويعلِّل، فالملحوظ مجموع حالة “المفضَّل” و”الممدوح”، في العلم والعمل والعقل والتدبير والطهارة والإخلاص وسائر الكمالات، بنسب ودرجات متفاوتة بطبيعة الحال. ترى، كيف تقدَّم الخامنئي عند الشيخ المصباح على هؤلاء؟ بل على أصحاب سيد الشهداء؟! الذين نصَّ عليه السلام على تفوُّقهم بقوله “ لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي”؟ وكيف ضاق أُفقه وكلَّت بصيرته، ففضَّل الخامنئي على أفقَه الأوَّلين: زرارة بن أعين، ومعروف بن خربوذ، وبُريد العجلي، وأبي بصير المرادي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم؟ وقدَّمه على مَن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحُّ منهم وعنهم: جميل بن دراج، وعبدالله بن مسكان، وعبدالله بن بكير، وحماد بن عثمان، وحماد بن عيسى، وأبان بن عثمان؟
هل اطَّلع المصباح على علوم غيب خفيٍّ مستور عن الناس؟ هل يحكُم “الخامنئية” نهج باطني، يحفظ الأسرار ويدَّخر الخفايا لطبقات خاصة من “الواصلين” ومراتب من “المقرَّبين”؟! منها عرفوا صاحبهم فخفَّت عندهم مكانة يونس بن عبدالرحمن، وصفوان بن يحيى، ومحمد بن أبي عمير، وعبدالله بن المغيرة، والحسن بن محبوب، وأحمد بن محمد بن أبي نصر؟ وهان عليهم الكليني والصدوق والطوسي والمجلسي والبرقي والأشعري القمي والصفار والبهائي والحر والفيض؟! وشخصيات لولاها لما عرف مصباح كيف يستنجي من الخبث ويتطهر من الحدث، ولا عرف الخامنئي كيف يصلي ويصوم، ولا عرف مؤمن كيف يدعو ربه ويزور أئمته…
ما هذا الهراء والنقر والقرع على طبل أجوف؟ ما هذا التغابي واستغفال الناس؟ ما هذه الجرأة على الله ورسوله ودينه، وعلى المعايير العلمية والأسس الأخلاقية؟ هل طالع مصباح في “الجواهر” ورأى ماذا فعل الشيخ محمد حسن هناك؟ هل قرأ في “المبسوط” وما أبدع شيخ الطائفة؟ هل تدبَّر في أعمال المفيد؟ هل سرح النظر في الحدائق وما زرع فيها الشيخ يوسف؟ هل عرف “المراسم” و”المهذب” و“الشرائع” و”المسالك” و”الرياض”؟ هل اطَّلع على تراث ابن البراج وسلار والعلامة والمحقق والشهيدين؟ هل نظر في سيرة المقدس الأردبيلي، يشافه أميرالمؤمنين ويسمع جوابه يخرج من ضريحه، يحيله إلى ابنه المهدي، فيلقاه في محراب مسجد الكوفة؟ هل سمع أنه كان يدلي دلوه في البئر فتخرج ممتلئة بالجواهر فيناجي ربه أن يا إلهي ماذا يفعل أحمد بالمجوهرات؟ إنما أراد ماءً لوضوئه! هل مرَّ به أن تميمة خطها السيد المرتضى علم الهدى مكَّنت حاملها من السير على طَلَل الماء، كما يُمشى على جُدَد الأرض؟! هل سمع بقصة هزيمة جيش الاستعمار الإنكليزي بصلاة استسقاء السيد محمد تقي الخونساري ودخول آلاف الهندوس بسببها في الإسلام؟
هل عرف الأحوال التي واكبت عطاءات الأصحاب العظماء، وظروف تأليف الأسفار التي خطها أولئك العلماء؟ هل عاش مخاض الجمع بين قراءة الأحداث السياسية وتحديد الموقف الشرعي منها، والتوفيق بين الصراعات التي كانت تتناهب الساحة من تيارات المعارضة ودعاوى القيام والثورة، وبين ويلات الاضطهاد الطائفي الذي كان يلاحقهم، وما كانوا يلقون من مجرد الاتصال بالإمام، ونقل الأموال والحقوق الشرعية إليه، والعودة بالعلوم والأحكام منه؟ هل عاش المصباح معاناة العلماء من إرصاد الحسَّاد ومطاردة السلطات، تنفيهم وتسجنهم وتنكِّل بهم وتقتلهم؟! هل لسعته نيران الحرب المضطرمة التي أحرقت دار الشيخ الطوسي في بغداد ومكتبته في الكرخ، وحملته على التخفي واللجوء إلى النجف الأشرف؟! هل لاحقه النواصب في الشام كما فعلوا بالشهيد الأول وحاصروه حتى اعتُقل وسُجن في القلعة، ثم أُعدم صلباً وأحرقت جثته تشفياً؟ هل يعلم أنه كتب “اللمعة الدمشقية” في فترة اعتقاله، وهو رهين حبسه؟!.. من المؤكد أن الشيخ مصباح لم يذق ويعاني عُشر معشار ذلك، من زمن الشاه وقد التزم التقية وعمل بما يفوقها، حتى العهد الخامنئي الذي أغدق عليه العطايا وغمره بالهبات، فحقَّ أن يُعجب به ويعمى عن غيره!
ولعمري، فإن دعوى مصباح يزدي الخرقاء هذه لا ترفع الخامنئي فوق جميع أصحاب الأئمة والعلماء فحسب، بل تجعله متفوِّقاً حتى على أمثال أبي الفضل العباس وعبدالعظيم الحسني والسيد محمد بن الإمام الهادي سبع الدجيل!
لذا لا يستغرب أن يتبع منه الشقاء وتتوالى الشيطنة أو تسبق من قبل، فما إن أصدر العلمان التبريزي قدِّس سره والوحيد دام ظله حكمهما التاريخي في ضلال فضل الله، حتى شدَّ الرحال مع واعظ طبسي إلى بيروت، يشدُّ من أزر الضال، ويسعى في إخماد جذوة أرادت الإضاءة في الدفاع عن المذهب، ومشعل تقدَّم موكب نصرة الزهراء!
ولا عجب من بعد أن تمضي مسيرة الجهالة التي أسس لها، تشقُّ دربها محمولة على أكتاف الأحزاب، فيروي إمام جمعة يقتدي بصلاته عشرات الآلاف، للناس في التلفزيون الرسمي، خرافات تحكي بأن الذي تولَّى غسل جثمان مصباح، سأله أن يشفع له يوم القيامة، ففتح المرحوم عينيه ونظر إليه!
الإغواء والإضلال، ركن أساس في الحداثوية، تسقط دونه وتنهار، ولولاه لما كُتب لها النجاح يوماً في البيئة الإيمانية ولا صمدت ساعة في هذه الحاضنة، وما يدَّعونه من تعقُّل ويستعرضونه من عصرنة ومواكبة للعلم، هو خطاب خاوٍ لا يستقيم أمام أبسط الحجج ولا يصمد في أدنى مواجهة، فيفرون إلى الغيب بأتعس صوره، أي الخرافات والأساطير،، ويلجؤون لعبادة الأشخاص وصناعة الأوثان، يحافظون على أنفسهم وأتباعهم، أن تدركهم النجابة وطهارة المولد، ويغلبهم حب آل محمد، فينجيهم من هذا السقوط وينتشلهم من الشقاء، يقيل عثراتهم وينير دربهم، دون مصباح الظلمات، أو ظلمات المصباح.
التعليقات