ما الأمر إلا ساعة، تمضي فينقضي، مئة عام يحسبها النائم يوماً أو بعض يوم، و”الناس نيام، إذا ماتوا انتبهوا”، وما أمره تعالى “إلا واحدة كلمح بالبصر”! بين طرفة عين وأخرى، تطبق الأجفان فلا تعود لتفتح، أو تفتح فلا ترجع إلى غمض وإطباق… وفي القوم إخوة لنا وأهل، يعزُّ علينا أن يفارقوا الدنيا على باطل سكنهم، وشقاق غمرهم، وإنما يُحشر الناس، حتى في هيئاتهم وما يشكِّل صوَرهم وأبدانهم، على ما كانت قد رسمته عقائدهم ونقشه إيمانهم، ومداده ما تنطوي عليه القلوب من أفكار يحملها المرء وآراء يتبناها، ثم أعمال ومواقف تترتب عليها.
في الخبر أن شيخاً نقل للمنصور الدوانيقي قولاً افتراه على الإمام الصادق، فطلب الإمام أن يحلف الرجل على صدق دعواه، فلما بدأ الشيخ بإلقاء اليمين أوقفه الإمام قائلاً: “إنَّ العبد إذا حلف باليمين التي ينزِّه الله عزَّ وجل فيها وهو كاذب، امتنع الله من عقوبته عليها في عاجلته، لما نزَّه الله عزَّ وجل، ولكني أنا استحلفه”. فقال المنصور: ذلك لك. فقال الصادق عليه السلام للشيخ:” قل أبرأ إلى الله من حوله وقوته، وألجأ إلى حولي وقوتي، إن لم أكن سمعتك تقول هذا القول”. فتلكَّأ الشيخ المفتري. فرفع المنصور عموداً كان في يده وقال: والله لئن لم تحلف لأعلوَنَّك بهذا العمود. فحلف الشيخ. فما أتم اليمين حتى دلع لسانه كما يدلع الكلب، ومات لوقته.
والمسألة ليست مجرَّد عبارة يتلفَّظ بها جاهل أو شقي فيهلك، أو لا يفعل فينجو ويسلم، بل هي، في كثير من الأحيان، فكرة تحكي عن حالة يعيشها، وسلوك ينمُّ عن عقيدة يحملها، وأداء يمضي به الفرد فيتخذ على ضوئه موقفاً ويتخندق في موضع وجبهة… يعتمد المرء على نفسه، ويركن إلى قوَّته وبأسه، وهو يرى أنه يُرغم العلل ويقهر الأسباب ويحقق الأهداف! حالة تأتي من ثقة واعتداد بالنفس، وكِبْر وزهو وخيلاء، لثراء وقوة، أو جاه وسلطة، يتقلَّب فيها الفرد أو الحزب أو المجتمع، فيعيش الاستغناء، فالطغيان، و“إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى”…
ولعلَّ الأمر بدأ بريئاً ساذجاً، ابتدعه غافلون، لم يكن بينهم أو على رأسهم عاقل ينبِّه ولا حكيم يرشد، استقوا من نشأتهم وجذورهم الحزبية السابقة، من ثقافة حزب الدعوة التي ترى المقدَّسات نماذج يمكن تحقيقها، بل التفوُّق عليها! فمضوا فيه كمادة إعلامية، ووسيلة في الحشد والتعبئة، وأداء من مقتضيات الحرب النفسية، اعتمدوه سبيلاً للربط على القلوب، وبث العزيمة وزرع البأس والشجاعة، ذلك حين يحسب المقاتل والمحازب أن قائده متَّصل بالغيب، يستمد من السماء بلا انقطاع، ويتلقى من الناحية المقدسة مباشرة، قد رُفع عنه الحجاب وكشف الغطاء، وصار يتمتع بصفات الأئمة والأنبياء!… ومع طبيعة الأمر الاستدراجية في القضايا الشيطانية، تتقدم خطوة فخطوة، صارت الثقة بالنفس مطلقة، والركون إلى البأس والعزم تاماً، أُخليت اليد عن سواه، وانقطع الحبل من غيره، فما الحاجة إلى التضرُّع والدعاء، وأية ضرورة للعويل والبكاء؟ وهم يقفون على كنوز لا تنضب من الأموال، وترسانة لا تقهر من السلاح والعتاد؟!
هكذا انقلب الخطاب من أداة إعلامية، ليصبح مفردة عقائدية، وراح يتمادى ويستفحل ليرتكز كأصل وضرورة من الضرورات التي “يكفر” بالثورة من يتردَّد فيها، أو يناقش ويبث الشكوك حولها! أصبح الموالي للجمهورية الإسلامية وقيادتها متيقن أنه الأقوى والأشد بأساً، وأن لا شيء يقهره، وأن جمهوريته إن لم تكن متفوِّقة على أعدائها بما فيهم أمريكا، فهي مساوية ومقارنة لها، وأن المنظومة الصاروخية الإيرانية يمكنها أن تبيد إسرائيل بمُدنها ومصانعها ومطاراتها وقواعدها، وتزيلها من الخارطة، فتغدو أثراً بعد عين، خلال ثمان وأربعين ساعة فقط! وفي ضمائر الغالبية العظمى، التي لا تخلو من مثقفين وأكاديميين، أنَّ إيران تمتلك قنابل نووية منذ أمد بعيد، وأنَّ توقُّف العدو عن ضربها يرجع إلى قوة الردع التي لديها. وهذا ـ كما لا يخفى ـ هراءٌ وتنطُّع لم يؤخذ بنظيره “ترومان” فيردعه عن قصف هيروشيما، واليابان كانت في ذلك الحين (عام 1945) في وضع عسكري وعلمي يتفوَّق على إيران الآن (في 2021)!
شخصياً، أؤمن بوجود قوة رادعة وقدرة قاهرة، تحفظ إيران وعموم بلاد الشيعة، ولكنها لا تأتي من صواريخ بدائية ولا مسيَّرات متواضعة، ولا قدرات إلكترونية وسيبرانية (مقارنة بما لدى العدو)… بل من شمس تتوارى خلف حجاب الغيبة، ترسل طيفاً من شعاعها، يخترق عقول الأعداء، فيبدِّل نواياهم ويقلب عزائمهم، وطيفاً آخر يملأ قلوبهم رعباً وهلعاً، فترتعد فرائصهم وترتجف أيديهم عن ضغط أزرار تطلق صواريخ برؤوس نووية تمسح إيران وتمحوها من الوجود حقاً لا وهماً وزعماً. وأؤمن أن إيماناً صادقاً خالصاً كفيل بتحقيق الرحمة الإلهية، وبقاعاً تحمل الأبدان الطاهرة لأئمة الهدى، وعتبات مقدسة لمراقدهم الشريفة، تحمي من يلوذ بها وتدفع عنه البلاء واللأواء والوباء، وكذا تلك التي تشهد إحياء أمرهم، وتقيم شعائر عزائهم، وتقوم على الطاعة والخضوع والتذلل لهم.. هذه وتلك كفيلة باستنزال العناية وانعقاد الرأفة وإرسال الرحمة الإلهية وتحققها.
إنما البلاء والخطر يأتينا من حكومة الجهل، وفكر التقاطي هجين، وثقافة حزبية تلقينية، وفذلكة شيطانية تستقي من عقل وتوحي بمنطق، زرعت في القوم وغرست فيهم أن الأئمة والأولياء رموز لم تأت لـتُـقدَّس في أشخاصها، فنمضي معها بين اعتزاز وفخر بعظمتها، وبكاء على مصائبها وحسرة على فقدها، بل هي نماذج للتأسي وقدوات للاتباع، فإذا سلك المجاهد الدرب وأخلص السعي، وصل لتتمثَّل به الحالة وتتحقَّق الشخصية، وإذا كانت الحالة تمثَّلت مرَّة وتحققت من قبل في شخص “علي بن أبي طالب” و”الحسين” و“أبي الفضل العباس”، فهي اليوم تتكرَّر في علي الخامنئي وحسن نصرالله وقاسم سليماني! لا خصوصية ولا امتياز، لا اجتباء ولا استخلاص، إن هو إلا قانون يعمل به، فإذا أجاد تطبيقه، قادت الأسباب إلى الغايات، وأفضت المقدمات إلى النتائج. وتعود المقولة لتندك في الوهابية المبطنة أو الخفية، حين تكون هذه الشخصيات (في ثقافة القوم) حيَّة فاعلة، وتلك النماذج المقدَّسة ميتة ماضية، فيشكِّكون وينكرون ـ في مواضع التوسل واللجأ إليهم ـ قدرات الأئمة المعصومين، وينقضون علينا بأنهم عجزوا عن دفع الأذى والقتل عن أنفسهم، فكيف يرجى منهم الغوث وطلب العون؟! بينما الأحياء هنا يفعلون وينتجون وينجزون، ويسطرون البطولات! ومن هنا تأتي عبارات الجرأة والوقاحة: “لن تسبى زينب مرتين”، و”لن يقتل الحسين وتتكرر كربلاء”!؟
شخصياً، اعتقد أنني مَن يجلب الخير ويستنزل البركة لبلدي، وأنني السبب في دوام البحبوحة واستمرار السعد والنماء، وأنه بيُمني بلغ بها الحال ما يحكي قوله تعالى “كلوا من رزق ربِّكم واشكروا له بلدةٌ طيبةٌ وربٌّ غفور”!… وأقصد بطبيعة الحال “أنا” النوع، لا شخصي الجاني الآثم الغارق في التقصير. إنها الجموع التي حرصت على إقامة شعائر العزاء الحسيني، لجأت لكلِّ حيلة وتكلَّفت كلَّ وسيلة حتى لا يتعطَّل موسم الحزن على سيد الشهداء، وأن ترفع الرايات وتقام المآتم على الرغم من الوباء، سواء الشق العلمي الحقيقي منه، أو الآخر الوهمي الذرائعي… والحمد لله أن لم يحكم بلدي حزب حداثوي شمولي يفرض فكرته بالقوة ويحكِّم قناعته بالقهر، يقمعنا إن لم نلتزمها، ويرهبنا إن لم نمتثل أوامر مرشده وتعليمات قائده، إنما اشترطت الحكومة علينا شروطاً عملنا بها، فأُقيم العزاء ولم يُصد أحد عن ذكر الله، وإظهار عقيدته وممارسة شعائره. التزمنا التباعد وتقيَّدنا بالشرائط، وعانينا في سبيل ذلك ما عانينا، ولكننا لم نعطِّل المجالس والشعائر، ولم نقطع حبل الاتصال بصاحب العزاء، فبقيت هذي البقاع محلاً لعنايته، وظلَّت تحت رعايته، فعمَّتها بركته وشملها خيره وغمرها لطفه وإحسانه.
ولم ينتح عن تلك التجمعات، التي كانت بمرأى أعداء يتربصون بنا تصاعد أرقام الإصابات ليشمتوا، ومرصد ماديين حسيين يترقبون تفاقم الأزمة ليستهزؤا ويسخروا… فلم توافهم الأقدار إلا بكلِّ انحسار وتقليص من تفشي الوباء! في رشحة تحكي الزيارة المليونية في وفاة الكاظم عليه السلام، والأربعين الحسيني في كربلاء!
عندما توفر الدولة الرعاية الصحية في أعلى مستوياتها، وتؤمِّن للمواطن الوظيفة والمسكن والتعليم والأمان، والعيش الرغد الكريم، فإنني أعزو ذلك إلى الحسينيين، وأعتقد، بمنتهى الثقة والاعتزاز والفخر، أنهم سبب النعمة والرخاء، وسرُّ دفع الشقاء. ذلك لما أرى فاسدين يثرون بالسحت والحرام، وظلَمة يقتاتون بالجور والطغيان، وسياسيين يعيشون بالدجل، ثم لا يحلُّ الغضب والسخط الذي يستجلبه هذا الظلم والفجور… فإنني أتحرَّى سبباً قاهراً، وعلَّة غيبية أرغمت هذه العلل وغلبت تلك الأسباب. تماماً كما أرى البلاء في إيران ولبنان، وفي العراق (بمقدار امتداد وتطاول اليد الإيرانية وتوغل قرارها الظالم لنفسه وللأمة فيه)، من انهيار العملة إلى تفشي الوباء، وانحباس الأرزاق والحصار وتوالي ضربات الأعداء.. وليد التقصير، وأعزوه لحرب ومناصبة الشعائر الحسينية العداء، لا أشك في ذلك ولا أرتاب، فهذا هو مفتاح السماء، وباب رضى الله، أو سخط الرب وغضب المنتقم الجبار.
ليذهب أرباب الاقتصاد حيث شاؤوا، وليشرِّق المحلِّلون السياسيون أو يغرِّبوا، هذا شأنهم، أعرف جيداً ما يقال في عالم السياسة من بناء منظومة جديدة تقتضي انهيار دول وحكومات، وسقوط بلادٍ ومسحها من الخارطة الجغرافية، ولربما الطبيعية، وأعرف ما يقال عن رفد عجلة الاقتصاد ودور النفط والطاقة والكنوز الاستراتيجية التي تتحكم بحركة الاستكبار… ولكن المؤمن الإلهي تختلف حساباته، وتتفاوت معطياته، وهو يرقب قطب دائرة الإمكان، ويتوجه نحو كعبة الرضا وإمام الزمان، الذي به يفتح الله ويختم، وبه ينزل الغيث ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبه ينفِّس الهم ويكشف الضر… لا أُفلسف لحركة التاريخ ولا أُنظِّر لها، كما لا أقرأ رضا الله بالنعيم والرفاه دائماً، وسخطه ونقمته بالفقر والنقص أبداً، فلربما كان العسر خيراً وهو يدفع شراً أعظم، وكان الرفاه بلاءً يمثل إملاءً واستدراجاً.. ولكني على يقين من ضوابط عقائدية وشرعية، ومنها أن نصرة الزهراء وإحياء ذكرى سيد الشهداء، وإظهار التذلل لأئمة الهدى والانكسار لمصابهم، وترك التكبر عليهم والاستخفاف بمقاماتهم وتضييع مراتبهم التي رتبهم الله فيها، هو سبيل النجاة وطريق الفلاح.
نحن في حول الله وقوته، لا حول لنا ولا قوة، نمضي خاضعين مستسلمين، نعترف بقلة حيلتنا وضعفنا وعجزنا، لا نغتر ولا نستكبر، لا نقيس بأميرالمؤمنين وسيد الشهداء، ولا حتى بأبي الفضل العباس، أحداً من قادتنا وزعمائنا المراجع العظام، بل لا نرى لهم قيمة وقدراً إلا أن يكونوا فداء لتراب نعل إمام زماننا.
ومن المؤلم، أن هذا أمر بُحَّت فيه الأصوات دون جدوى، وذهبت فيه الأنفاس بلا طائل، ولكننا مكلفون بالإعادة والتكرار، علَّنا نستنقذ مهتدياً، فإن لم نفعل، أفرغنا الذمة وأتممنا الحجة.
التعليقات