يحكى أن فارساً وافى كسيحاً يحبو على قارعة الطريق، رقَّ له وتحنَّن عليه، فترجَّل من فرسه وأركبه مكانه، وراح يمشي إلى جواره، ما إن استوى المخادع على ظهر الدابة وتمكَّن منها، حتى لكزها ونفر بها وفرَّ وهو يقول: الفرس لي والطريق لك! ناداه الرجل المخدوع: مهلاً يا هذا، الفرس لك كما أردت، ولكني أرجوك أن لا تروي قصتها لأحد… قال له: بل سيتناقلها الناس لتحكي ذكائي وتضحك غباءك! قال: إنما خشيت ذهاب المعروف وإدبار الندى، وخفت زوال الرفق وموت الرحمة، وأشفقت من هجر الشهامة وترك الكرامة!
تذكرت القصة ـ الحكمة وأنا أحاور صديقاً قديماً، عهدي به من مسجد كنَّا نرتاده معاً أيام الصبا والشباب، التقيته صدفة، لفتني تغيُّر مظهره، واستوقفني اختفاء سيماء الصالحين من سحنته، وآلمني غياب الوقار والبهاء من هيئته، كان حليقاً، جاءت الموسى على شاربه ناهيك بلحيته، وقد جعل رنين هاتفه لحناً لأغنية صاخبة خليعة، ولما رأى مزيج الحيرة والاستنكار يرتسم على وجهي، مدَّ يده إلى جيبه، وانتزع من تحت لباسه الداخلي أيقونة لبوذا اتخذها قلادة! وقال: حتى ترتاح وتعرف القصة من نهايتها، أنا بوذي سيخي يهودي مجوسي ملحد، أنا أي شيء يمكن أن تنعتني به وتنسبني إليه، إلا أن أكون مسلماً، وعلى الخصوص، أن أكون شيعياً! سألته: كيف صرت هكذا ولماذا؟ قال: “نوَّرني العلامة محمد حسين فضل الله! هو الذي بصَّرني وأشعل شرارة اليقظة في عقلي، نبهني أن معتقداتنا كلها خرافات، وتراثنا كله أكاذيب، وشعائرنا الدينية جملة فلكلور يستمد من أساطير، عشت عمراً في الزيف والسخف، حتى تنبَّهت أن التشيُّع صنيعة صراع قبلي، وتنافس عائلي يريد أن يتوارث الملك، وإلا فالإسلام لا مذاهب فيه، ثم توصلت بعدها إلى أن لا فرق بين الأديان ولا خصوصية في الإسلام، وفي النهاية خلصت إلى أن ما يمنحنيه بوذا من سكينة وما ألقاه في الأفيستا من راحة وأمان، لا أجده في رحاب جامع ولا فضاء حسينية ولا آيات قرآن”.
ولو كنت من أهل الكشف لرأيت الشيطان يقهقه فوق رأسه، وما فتئ ينفخ في أذنه، ويربت على مؤخرته، كما يُفعل بالدواب لحملها على المضي في مسيرها، كلما عيي عن الرد، أو هدأ عن الاندفاع… وكان من الهراء الذي استقاه من معلمه الأول واحتج به عليَّ: “لا ضلع لفاطمة كُسر، ولا عصمة منعت علياً من البكاء على ذنبه، أو حالت دون أن يهم يوسف بمعصيته، ولا الرباب كانت في كربلاء، ولا إمام أمر بالبكاء والجزع على مصيبته،،، كلها حقن تسكين وجرعات استغفال”!
ومع أنه يحمل شهادة جامعية، ويدعي العقل والعلم أو العلمنة، إلا أنه بدا ضحلاً وخاوياً، وسقط في يده من سؤال واحد حول رأيه في التخصص العلمي، وكيف لأحد أن يخوض في حقل يفتقد التخصص فيه؟ كيف ينفي ويسقط أحاديث وهو لم يدرس علم الرجال والأسانيد؟ كيف ينكر العقائد وهو لم يقرأ شيئاً في علم الكلام والفلسفة؟
هذا هو حصاد حقول الشرِّ ونتاج سنابل الفتنة، ومحصول نبتة السوء وجني الشجرة الخبيثة… زرع فضل الله الشوك وغرس الإثم، فلن يقطف عنباً وتيناً، ونثر الفساد والشك والريبة، فلن يحصد إلا العار والسخيمة…
لم يرَ الشيعة في العصر الحديث استغفالاً وإضلالاً مثل الذي صنعه فضل الله، ولا إغواءً مثل الذي أحدثه، ولم تعرف الطائفة والمذهب تردياً وتخلفاً مثل ما الذي جرى على يد الحداثوية باسم الوعي والتنوير والنهضة الإسلامية، حتى الحركات السياسية التي استلهمت من هذا الهراء، واغترفت من هذا القعر الآسن، ولا سيما في البحرين، لم تقدِّم للأُمة إلا البلاء، وقوافل التضحيات والخسائر دون مردود وعائد.
لقد صنع فضل الله مدرسة من الخواء والتفاهة، وخلَّف تاريخاً من التدليس والدجل، أسس نهجه ومضى في دربه على قاعدة النفاق الذهبية: “يخادعون الله وهو خادعهم، مذبذبين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء”، بين القول وإنكاره، والرأي والانقلاب عليه… مادة ترضي القوميين المتحسسين من الفرس، بأنهم لا يريدون مرجعية عربية، وأخرى للإيرانيين بأن العرب يغلبهم الجمود على التقاليد، يرفضون كل تطوير وتحديث. وخطاب للثوريين مقابل القاعدين، وآخر للعاملين بالتقية مقابل المندفعين المتهورين… كان يقدِّم لكلِّ فئة ما يرضيها، ويشق دربه بين الأضداد على طريقة لاعبي السيرك، والحبال المشدودة التي يمشون عليها، والشقلبات البهلوانية التي لا تعرف فيها رأساً لأحدهم من قدمين.
وإنَّما تُعرف مكانة الرجل في منظومة الشيطان وحظوته عند ذلك الجناب، من استمراره في طرحه وإصراره على إحيائه… ما زال الناس يتلوثون بالنجاسة ولا يخرجون من جنابة بفتواه، وما برحوا يفسدون صيامهم وفطرهم بحُكمه، والأهم الأخطر، ما فتئوا يقبعون في الأموية والنصب وهم يترصدون فضائل آل محمد بالتفنيد ويقعدون لإبطالها كل مقعد، عملاً برأيه والتزاماً بقوله.
هكذا يتأكد أنَّ هناك حالات وأشخاص، لابد من دوام استهدافهم والاستمرار في تعريتهم، بل المضي في سلخهم… ورحم الله صفي الدين الحلي إذ يقول:
عهدي به والأكفُّ تختلفُ، وهو يُعاصِي طوراً وينحرفُ. وكلَّما مالَ عِطفُهُ سفهاً، تُميلُهُ صفعةٌ فينعطِفُ. وإن توارى بشخصهِ هرباً، من راحةٍ في اعتمادِها خَيَفُ. ظلتْ سهامُ النعالِ ترشقه، كأنَّما رأسُهُ لها هدفُ.
التعليقات