من لوازم العِشرة وتبعات الصحبة، أنها تورث، بعد الوئام والألفة، التحنُّن والمحبة، وهكذا يفعل الفضل والامتنان، فالإنسان عبد الإحسان، يأسره المعروف ويكبِّله الوصل ويرتهنه الإنعام، ثم لمَّا يجد المرء النوال خالصاً في قصد الباذل، لا يريد أجراً ولا يطمع في عوض، مترفعاً عن المنِّ متنزِّهاً عن الأذى.. يتوغَّل فاعله وينفذ إلى قلب متلقيه، ويدخل عاملاً قاهراً في رفد فكره وبناء وجدانه.

والشارع المقدَّس حين وضع منهج عمل الإنسان ورسم خارطة تكاليفه في الحياة الدنيا، وأدرج فيها خطَّة علاقاته بالآخرين، حدَّد نطاقها وبيَّن حدودها… كان يعلم من طبيعته هذه الصفات، ويعرف تلك اللوازم والتبعات، فأمره باعتزال أعداء الحق وقطيعة أرباب الباطل، أوصاه بالامتناع عن معاشرتهم ومصاحبتهم، وأمره بترك مجالسهم، وسدَّ أبواب التلقِّي منهم والأخذ عنهم، حتى يقطع الطريق على نفوذهم في عقله وتأثيرهم على فكره، وكسبهم محبته وسكناهم قلبه، ولربما تربعهم على “عرش الله”.

إنَّ الحب ـ في طبيعتنا وهكذا في ديننا ـ هو الأصل والمرتكز، منه ننطلق وبه نتحرك، غرسه الله فينا وجعله فطرة وجبلَّة، وزيَّنه في قلوبنا، حين نصب وأقام لنا ممن خلق وأبدع، بشراً يعيشون بين ظهرانينا بأسمائهم وأجسادهم وأرواحهم وأنفسهم وقبورهم وآثارهم، يمثِّلون أسماءه الحسنى وصفاته العليا ومظاهر جلاله وجماله وقمم كماله وتمامه، هم المعصومون الأربعة عشر، ليكونوا المعشوق المحسوس بعد المجرَّد المنزَّه عن أي تركُّب، والمحبوب الحادث المخلوق بعد الخالق القديم الذي لا تُدرك ذاته حتى بوَهم ولا يحيط بها وصف ونعت. وقد ترك سبحانه في الفطرة هامشاً أخلاه، وأفسح في الطبيعة متسعاً لحبِّ المال والولد والنساء والمأكل وسائر الشهوات الدنيوية المودعة في خلق البشر، وفق قاعدة “ولا تنس نصيبك من الدنيا”…

لكنه لم يُخلِ ولا أفسح بمقدار سمِّ الخياط، لما يلج فيه خصماء آل محمد، وينفذ منه أعداؤهم.. والعداء كما لا يخفى، مفهوم مشكِّك، تتدرج مراتبه وتتفاوت في الضعف والشدة، من النصب والبغض، إلى جحد فضائلهم وإنكار مصائبهم، فموالاة غيرهم واتخاذ وليجة دونهم ومطاع سواهم.

ليس لنا أن نسمح لأحد أن يدخل عقولنا فنستقي منه علماً ونبني عقيدة وفكراً، ولا أن يسكن قلوبنا فنحبه ونهواه، ونواليه وننصره، وفي الأقل الأدنى، نتعاطف معه… هذا عرش الله وحياض آله، حرم وقف لآل محمد صلوات الله عليهم. ثم لا سبيل لقطع هذا التأثير، إلا باعتزال الناس وسكنى الكهوف، أو بمخالطة ظاهرية تنأى بنا عن الضالين والبطَّالين، فلا نصحبهم فنألفهم، وتحجزنا عن مجالسهم فلا نأنس بها ونركن إليهم. لا حوار مع هؤلاء ولا اختلاط بهم ولا انفتاح عليهم، وكل قراءة ومقاربة تميِّع هذي الحدود الصارمة، هو نزغ شيطاني، يأخذنا خطوة فخطوة نحو الهلاك. هكذا ظهر المشهد وارتسم في “لكم دينكم ولي دين”….

أعرف مؤمناً شريفاً التحق لفترة بالحركة الإسلامية وعاش الحزبية الدينية، وآخر جال على ميادين الفكر الغربي وأعجب بالعلمانية وآمن بشعارات الثورة الفرنسية، عاد هذا وآب ذاك، لكن بقيت في النفس أشياء تظهر حيناً على صفحات الوجه وفلتات اللسان، وأعرف مؤمناً طاهراً نزيهاً نبيلاً، شغف بمقولات أحد أعداء الحوزة والمرجعية طوراً، أسره التقاط العثرات وأعجبه حشد الشواهد واستغفلته المغالطات، ولع بها وانشغل بمتابعتها وانكبَّ عليها.. وقد محضتُه النصح وأصفيته العِظة بأنَّ في معسول هذا الخبيث سُمُّ الأفاعي وحُمَة العقارب، وهو يغزوك من حيث لا تدري ويدهمك من حيث لا تعي، وأنه ينفِّذ خطة أسياده وشياطينه، وأنك واقعٌ في كمين وعاثر في شرَك، غافل عما هو أبعد من أنفك، شارد عما يُراد بك ويُحاك من حولك!… لكنه لم يسمع فيه عذلاً ولا استساغ طعناً، ولا أجاب لإشفاق وإرشاد، حتى وقف بنفسه، بعد أمد، على لوث الموئل وفساد المشرب وقذارة المحل وسوء المنزل! خرج من المخمصة ونجا من البلاء، لكن بمرض خفي مزمن وداء عضال، أنبت فيه سوساً سكن أعماق لثته وكمن في لهاته، وعاث في مغارز أسنانه، أفسد مضغه فهضمه، وكدَّر شربه ومنع ارتواءه، فما عاد يحسن “النظر إلى طعامه”، وبات يسمع ويشاهد ويلتهم كل ما يعرض أمامه، يحدوه الفضول فيلاحق البدع والرأي المخترع، يحسب أنه يعيش بهذا حريته وينمي شخصيته ويبني استقلاليته، ويظن أنه يمارس الوعي ويباشر الإحاطة!

حتى استقر، هناك في أعماقه، وصار في نفسه شيء من قدس الحوزة وحرمة هذا الحمى، خفَّ أمر الفقه وخطب الفقاهة عنده، وهانت مكانة الفقهاء والأعاظم، فصار يتساءل: أحقاً أن ما يقدِّمه هؤلاء هو الدين؟! وإن حجبه ورعه والتزامه عن التهتك والطغيان، فهو يفذلك جرأته ويبررها مستدركاً، بأنه يذعن بحجية ما يحملون، ولكنه يتساءل: أتراه مُنزل من السماء، وهو ما يريده الله حقاً؟!..

إن الأزمة تقبع هناك، في أعماق الفكر، والبلاء في مخفي العقيدة وما تنطوي عليه النفس، يعيش المرء الإيمان في دعواه ولسانه، وقلبه مشغول بغير من نصبه الله، لقد أصاب الغزو منه مقتلاً! وهو غافل عن قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة”…

إن المخالطة والمراودة، سعي في أسباب المودة، وهو يورثها قهراً، وهي إذا حصلت تبعتها النصرة والموالاة، وإن بشكل خفي غير معلن، وكذا الانفتاح على الآراء والأقوال، والنظر في الأدلة والحجج، يترك أثره في النفس ويخلِّف صفته في الروح… وهذا وذاك يخرج العبد من الإيمان ويُلحقه بأهل الجحود والكفران. ويكفي في إدانته انعدام مروءة فاعله، فكيف يجالس ويصاحب أعداء يحاربون آل محمد في حقهم ومنزلتهم ويشككون في ظلاماتهم، وكيف يستقي ويقرأ في كتبهم ويرتاد مواقعهم ويألف نواديهم، وهي منصات إرصاد لله ورسوله وأهل بيته؟

Posted in

⁦2⁩ استجابات لـ “⁦العِشرة وعرش الله…⁩”

  1. ليس لنا أن نسمح لأحد أن يدخل عقولنا فنستقي منه علماً ونبني عقيدة وفكراً، ولا أن يسكن قلوبنا فنحبه ونهواه، ونواليه وننصره، وفي الأقل الأدنى، نتعاطف معه… هذا عرش الله وحياض آله، حرم وقف لآل محمد صلوات الله عليهم. ثم لا سبيل لقطع هذا التأثير، إلا باعتزال الناس وسكنى الكهوف، أو بمخالطة ظاهرية تنأى بنا عن الضالين والبطَّالين، فلا نصحبهم فنألفهم، وتحجزنا عن مجالسهم فلا نأنس بها ونركن إليهم. لا حوار مع هؤلاء ولا اختلاط بهم ولا انفتاح عليهم، وكل قراءة ومقاربة تميِّع هذي الحدود الصارمة، هو نزغ شيطاني، يأخذنا خطوة فخطوة نحو الهلاك. هكذا ظهر المشهد وارتسم في “لكم دينكم ولي دين”….

    (جزاكم الله خير الدنيا والاخرة )

    إعجاب

    1. تسلمي يا ابنتي المكرمة

      إعجاب

اترك رداً على عباس بــن نخي إلغاء الرد