بالأمس القريب، بثت قناة الكوثر الإضلالية تقريراً مصوَّراً يشتمل على مقاطع من خطابات متعدِّدة سابقة للسيد الخامنئي، يدين فيها “الخرافات” التي أُقحمت في السيرة، ويقبِّح بعض الشعائر الحسينية، ولا سيما التطبير، الذي وصفه بـ “بيِّن الغي”، ويبدو أنَّ هذا الفصل المسرحي والعرض الشيطاني بات جزءاً لا ينفصل وأصلًا لا يتخلَّف في كل موسم عزاء، حتى إذا انطوت عشرة عاشوراء بسلاسة وانسيابية جنَّبت الساحة التشنجات والمشاحنات المعهودة في السنين الماضية، عادت الأبالسة لتستدرك وتقضي ما فاتها، لم يحل دون ذلك شيء من البلاءات التي تعيشها إيران، لا الانشغال بهجمات إسرائيل السيبرانية التي تدمر المعامل النووية تباعاً، وتتصيَّد العلماء النوويين واحداً بعد الآخر، ولا الحصار الاقتصادي الخانق، ولا الجبهات العسكرية المحتدمة في اليمن، والأمنية في سوريا، والسياسية في العراق والانهيار العام في لبنان… ما يكشف أن الغلَّ هنا من العمق، والحقد من الكمون في غور دفين، فلا يشفى حتى ينال الأشقياء من سيد الشهداء في عزائه والقائمين به!
ترى كيف تبيَّن للرجل أن الجزع والإدماء من “الغيِّ البيِّن”؟! يرسلها هكذا بتسالُم يستخف مخاطبيه ويستغبيهم وكأنهم نعاج الوائلي! وكل ما نخشاه هنا أن يمضي في رأيه وعمله، ولا منسأة تنخرها دابة الأرض فيخر سليمان المتوكئ عليها لتتبيَّن الجن “أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين”.
ولمَّا كان مُستقى حكمه على التطبير يعود لتشخيصاته، ويتوقف على صحة تطبيقاته، في صدق الآثار السلبية للتطبير في أعين الغربيين، والوهن الذي يلحق المذهب جرَّاء ذلك، وهو موضوع خارجي بحت، إذ لا دليل (بإجماع الفقهاء) على حرمة التطبير في ذاته… بات من الضروري التحري والتحقق من سلامة فهمه لمجريات الأمور، ومدى وعي الرجل وقدرته على إدراك الحوادث. هل هو موفَّق مصيب في تشخيصاته وتطبيقاته لموضوعات الأحكام التي يصدرها؟ ومحقٌّ سديد في استيعاب القضايا الخارجية التي يباشرها؟ أم هو غافل مخطئ، يعاني غشاوة ويعيش خيالاً ووهماً؟! تملى عليه تقارير كاذبة فيصدِّقها، أو تراه يحاكي أهواءً وأفكاراً تلقاها من “القطبية” التي آمن بها واقتنع من قبل، فراح يسقطها على الواقع ويلبسها الوقائع، وهي في وادٍ آخر غير الذي يسلكه؟!
دع عنك القضايا السياسية، وإن كان أداؤه فيها بيِّن الفساد، ومواقفه واضحة الخطأ فاضحة الشطط، ولا سيما بملاحظة النتائج التي أفضت إليها، وواقع الحال المزري الذي تعيشه إيران منذ تولَّاها… فإنَّ له مهرباً فيما يحكمها من “خلفيات معقَّدة”، و”أمور لم نطَّلع عليها”، قد تكون سبيلاً لعدم الجزم بفشله، وتفسح له فرجة للنجاة من الإدانة التامة والحكم المبرم بإخفاقه وخيبته، فيتوقف بعضهم في القول بعجزه وعدم أهليته، وإن أخذ البلاد والعباد إلى هلاك جليٍّ لا ريب فيه، وهوَّة سحيقة أنزلتهم قراراً لا درَك بعده… فكثيراً ما يحكى عن معطيات سرية وظروف قاهرة خفية لا يسعهم كشفها، هي التي حملته على هذا ودفعته لذاك، ويمضي قطار المبرِّرات والذرائع، والاحتياط والتورُّع، على طريق الدكتاتوريات ونهج الأنظمة الشمولية وخطاب الشعوب المستعبَدة، ليذهب في الاتجاه المعاكس ويبلغ محطة الإكبار والتعظيم، فلو كان غيره القائد، لانهارت البلاد وسقطت، ولما رأيت اليوم شيئاً يقال له إيران أو إسلام!
دع عنك كل هذا وذاك، وتعال لنحاكم أداء السيد الخامنئي في أزمة كورونا… فهنا معطيات مبذولة وحيثيات مشهودة، ذلك أنها أزمة متكررة ومحنة مستنسخة في العالم كله، ما يمكِّن الباحث المتحري من أدلة تثبت أو تنفي كفاية السيد القائد وأهليته، فيقيَّم ويحكم على حُسن إدارته وحكمته وحنكته، أو يثبت غباءه وجهالته وسفهه… وكيف أن الرجل في تشخيص الموضوعات وقراءة الواقع الخارجي، ثم في تدبير الأُمور وإدارة الحوادث يقود شعبه ويأخذ بلاده إلى الويلات والكوارث. فالكيفية التي أدار بها الرجل أزمة الوباء، كفيلة أن تكون علامة وشاخصاً لواقع علمه ومعياراً لتقييم تدبيره، والوقوف على الطيش والتهور الذي يكتنف أداءه، والاستخفاف بالخطير وتعظيم الحقير الذي ما انفك يحكم رؤيته ويأخذ مواقفه!
البداية كانت في 21 فبراير 2020 موعد إجراء الانتخابات التكميلية لمجلس الشورى والخبراء، الذي سبقه بيومين بلاغ وزارة الصحة الرسمي عن توغل فايروس كورونا إلى إيران وثبوت حالات الإصابة بأعداد متصاعدة في عدَّة مدن أبرزها قم، والتوصية المؤكدة بإجراءات وقائية واجبة الرعاية، أقلها وأدناها، منع التجمعات والمحافل العامة.
لكن لمَّا كانت هذه الانتخابات حاسمة، سبق أن خطَّط لها التيار الحاكم طويلاً وأعدَّ لها حثيثاً وعوَّل عليها كثيراً في سبيل إقصاء التيار الإصلاحي، وقد تدخل السيد القائد والأجهزة الموالية له بشكل علني في رسم نتائجها وترجيح كفة الأصوليين للنجاح فيها وسيطرتهم على السلطة التشريعية (وبقيت في حينها رئاسة الجمهورية، فراح يعمل لها وعليها حتى أسقطها أخيراً)… جاء الأمر “الولائي” بوجوب إجراء الانتخابات في موعدها، ورفض السيد الخامنئي توصيات وزارة الصحة بتأجيلها، ولم يحمل فكرة خطر التجمعات التي ستكتظ بها مراكز الاقتراع وكونها بيئة خصبة لتفشي الوباء، على محمل الجد، فلم يعبأ بها وأمر بالتزام الموعد المقرر، وحرص على الدعوة للاقتراع المكثف، وأفتى بوجوب ذلك واعتبار المتخلف عاصياً آثماً، بل منع الإعلان عن تفشي الوباء في إيران، وأوعز بكتمان الأرقام الحقيقية للإصابات حذر الهلع الذي قد يصيب الناس ويثنيهم عن المشاركة (الأمر الذي تكفله الإعلام الخارجي، فكانت أقل نسبة مشاركة في تاريخ إيران)! ببساطة شديدة، قدَّر الرجل أنَّ المعركة السياسية الداخلية وتنظيم جبهة صراعه مع التيارات المنافسة، أكثر أهمية وضرورة من التصدي للجائحة، وأنها خطر بسيط عابر سيزول سريعاً، وبكلفة قليلة!…
وراح في الخطوات التالية في تخبطٍ عجيب، وقفزٍ على التخصص وهتك العلم غريب! وما زال بين التبشير بلقاح إيراني سيرى النور قريباً (أسابيع، امتدت إلى نحو عام ونصف العام)، سيقضي على الوباء وسيمتنُّ العالم بسببه لإيران. ولم يكتف السيد القائد بهذا، بل بادر إلى منع استيراد واستعمال اللقاح الأمريكي والبريطاني الذي سبق اللقاح الإيراني العتيد!… فحصدت البلاد عشرات آلاف الوفيات، وامتلأت المستشفيات وانهارت الفرق الطبية من ضغط الحالات، واحتلت إيران المرتبة الثالثة عالمياً في التأثر بالوباء! وفي حين أخذت دول العالم وسائر البلاد بالتعافي التدريجي من الوباء، ما زالت الكورونا تفتك بإيران، وقد صرَّح مؤخراً عضو هيئة التدريس في جامعة مشهد للعلوم الطبية الإيرانية، الدكتور أمير هاشميان بأنَّ أقسام وغرف الطوارئ والعناية، مكدَّسة ومكتظة بمرضى حالاتهم حرجة وميؤوس منها، وسط نقص حاد في الأوكسجين والأسرَّة والنقَّالات، وغير ذلك من مستلزمات ضرورية، وقد تخطَّى الوضع الصحي الحرج مرحلة الموجات الوبائية التقليدية، وبات أشبه بتسونامي كورونا. وعلى وقع الانفلات الوبائي الخطير العاصف، مع الارتفاع القياسي في أعداد الإصابات والوفيات جراء فيروس كوفيد 19، وبعد قرابة 9 أشهر على قرار المرشد الإيراني، منع استيراد واستخدام اللقاحات الأميركية والغربية في البلاد، أعلنت منظمة الغذاء والدواء الإيرانية، أخيراً، عن السماح باستيراد لقاحي فايزر وموديرنا!
ترى هل تغيرت نوايا أمريكا وبريطانيا تجاه إيران وشعبها فما عادت تتآمر لتدسَّ خلايا أو وحدات النانو في أجسام الإيرانيين؟! هل يمكن الآن الوثوق بالأمريكان والركون إلى أدويتهم ومعالجاتهم؟ هل كفَّ الشيطان الأكبر عن الكيد بنا وترفَّع عن خسَّته ودناءته؟!
بالله هل يمكن الركون إلى إرشادات هذا “المرشد”؟! هل يعوَّل على تقييماته وتشخيصاته؟! هل يمكن الوثوق بدينه وإيمانه، وهو الذي أطلق للانتخابات وأفسح لها، وأباح للتجمعات السياسية، وأقام تشييعاً مليونياً للشهيد سليماني، تكرَّر بعد طهران في بلده كرمان، راح ضحيته من كثافة الجموع وتدافعها لاستلام النعش، نحو ستين نفس مؤمنة (ولم يذكر أحد ـ بطبيعة الحال ـ شيئاً عن أرقام تفشي الوباء بعد التشييع المليوني)!.. ثم لم يسعه في تطبيق الإجراءات الصحية واجبة الرعاية، والعمل بأسباب الوقاية المعتمدة في العالم كله، إلا إغلاق العتبات المقدسة والمساجد ومنع الزيارة والصلاة، وحظر المواكب ومجالس عزاء سيد الشهداء!!
أداء غلبه التخبُّط والاضطراب، وافتقاد الحكمة وانعدام الفطنة، وترك الحبل على الغارب، وإطلاق البعير أو إرساله يخبط خبط عشواء، ما حقق قول زهير: “رأيت المنايا خبط عشواء، من تُصِب تُمته ومَن تخطئ يعمر فيهرم”! قيادة لا تميز بين هدم وبناء، ولا تفرِّق بين تشييد وتقويض، تتطفَّل على غير تخصصها، وتزرع في غير حقلها… هل يمكن لراعيها وربانها أن ينقِّي التراث ويميِّز المدسوس فيه من الأصيل الدخيل، وهو يطلق على كل ما لا يفهم أساطير؟! هل يمكنه التقاط الإشارات أو استيعاب الإيماءات المصطنعة التي يُراد تلقينه بها، ووضعه في جبهة محاربة الشعائر الحسينية؟!
التعليقات