لن يسكن ما يجيش في هذي الصدور من غل، ولن يُطفَأ ما يستعر فيها من حقد، ولن تنتهي الحرب على الشعائر الحسينية، ولا سيما الزيارة الأربعينية، إلَّا بزوالٍ وهزيمة، فإما أن تخبو أنوار الشعلة المباركة، ويخمد شعاع الجذوة المقدسة، أو ينتكس مَن يسعى لذلك ويهلك، يُردُّ كيده في نحره، ويعود تدبيره تدميراً لمُلكِه وزوالاً لسلطانه.
من لحظة سقوط صدام في 2003 وعودة الروح للشعب العراقي، وانطلاقه حراً في ممارسة شعائره الدينية وخاصة الحسينية، بعد عقود من التضييق والمنع.. وقيادة الجمهورية الإسلامية تستشيط غيظاً وتمور حنقاً على فشل مشروعها وذهاب كيدها وما دبَّرته للدين والمذهب، وهي ترى صرح الشؤم الذي أقامته، وبنيان الشرِّ الذي شيَّدته على قاعدتي: إنهاء استقلال الحوزة والمرجعية، وإخضاعهما للدولة، ثم القضاء على الشعائر الحسينية وحذف دورها ومكانتها في الدين والعقيدة… تراه يتقوَّض وينهار على مرأى منها ومسمع، ترقب الوضع، وملؤها الحسرة، مكبَّلة بالإحباط والخيبة، لا تطيق تدبيراً ولا تملك حيلة.
كانوا في البداية يقاطعون الزيارة الأربعينية، بدعوى بدعيَّتها، فهي منتفية عندهم لعدم عودة السبايا بالرأس الشريف من الشام في العشرين من صفر، بل يوصون بعدم زيارة جملة العتبات المقدسة في العراق، بذريعة الوجود الأمريكي، وأنَّ الحسين لا يريد من شيعته زيارته والعراق تحت الإحتلال!…
أخذت الزيارة تتألق وتزدهر عاماً بعد عام، وكانت تمضي في طريق يشعر فيها كلُّ مؤمن ويدرك بالوجدان أنَّ يد الغيب تقودها، ترعاها وتحوطها وتدفع عنها، وتأخذها إلى حيث رضاها، كيف وقد اقترنت بالتضحية والفداء، وعُمِّدت عبر التاريخ بالدماء، بدأت من قطع الطرُق والإغارة على القوافل، مروراً ببتر الأكفِّ وضرب الأعناق على المسالح، حتى حقبة الإرهاب التكفيري في عصرنا، والعمليات التي كانت تستهدفها بمئات التفجيرات، تحصد أُلوف الشهداء، والعراقيون يمدُّونها بمزيد زخم واندفاع، في تحدٍّ أذهل العالم، الذي كان يضغط لوقفها، حتى يئس فصار يتوسَّل ويرجو إنهاء ما يفضح أقبح صفحات تآمره، ويتهدَّد بانكشاف توافقه ووقوفه خلف التكفير والإرهاب! والزوار يمضون في عنادهم المقدَّس وإصرارهم الأقدس، لا يبالون بالحتف، ولا يكترثون بالموت، فكان أحدهم إذا لاقاه تفجير وقع قبل وصوله فتخطَّاه، عاد ليصطحب أهله وعياله ليتحدَّاه!
هكذا مضت المسيرة الراجلة نحو كربلاء، حتى غدت مناسبة عظمى وحدثاً أجل يستقطب الشيعة من مختلف البلاد، ويجمعهم في شعيرة سجَّلتها منظمات الرصد العالمي كأكبر تجمع بشري لمناسبة دينية على مرِّ التاريخ! وبعد الصمود البطولي والشجاعة والبأس غير المسبوق، مضت الشعيرة مفعمة بالروحانية، تسطر أروع الصوَر في مختلف الفضائل والقيَم، ولا سيما دقائق الولاية وأسرار العشق الحسيني، ثم البذل والإنفاق بسخاء… ما كان يضاعف حنق الحداثوية الحاكمة في طهران، والأحزاب التابعة لها، والصعاليك في فلكها، ويقطِّعهم غيرة وحسداً! فزخم العطاء الفكري والتربية السلوكية والتهذيب الأخلاقي كان في أوجه سعةً وانتشاراً، ثم عمقاً وغزارة، والمدُّ الثقافي الذي يرفد الأُمة بثقافة المواكب والمجالس والإطعام والخدمة، ويعلِّمها الإيثار والتكافل والمودة والرحمة، كان في غاية الألق والنجاح، وما انفكَّ يتقدَّم نحو المزيد بهمَّة لا سقف له وأُفق لا حدَّ له!… ما أتاح للدرس العراقي في البذل والكرم، بعد العشق والولاء، وأفسح له أن يسري ويشيع في جميع المجتمعات والبيئات الشيعية، حتى تلك التي لم تكن تعهده ولا عرفته يوماً!
ولما أُعلن انتهاء الاحتلال في 2011 وتسلَّم العراقيون السلطة في بلادهم، التحقت إيران بركب الزائرين، ولكن على طريقتها… عمدت لأداء مخابراتي يجمع الخبث والابتذال، يهدف ركوب الموجة واحتواء الحدث واستثماره لصالحها، وإعادة رسم المسار، وقيادة المسيرة الراجلة نحو الوجهة الصحيحة في فهمها: القدس لا كربلاء! وشرع الإيرانيون بمهرجان اللافتات والشعارات والصوَر، فلم يوفروا جداراً ولوحة إعلانات ولا حتى حقيبة محمولة على الظهر، ثم تطوَّر الأداء إلى شراء مقرَّات المواكب والسيطرة عليها، وتحويلها إلى مراكز إعلامية ومواقع أمنية… ولكن ما قُصد لم يقع، وما وقع لم يُقصد، فقد خاب السعي وبطُل الكيد، وذهبت المناسبة لتشكِّل حاضنة لتحرُّر الإيرانيين من هيمنة حكومتهم، وراحت تلقِّنهم دروس الولاء الحق والعشق الصحيح وأنه لعليٍّ وبنيه لا سواهم ولا غيرهم، ومضوا يتذوقون طعم الحرية الحقيقية في الممارسة الدينية، بعيداً عن قهر النظام وتضييقاته التي كبَّلت الهيئات في إيران وحجَّمتها منذ تولى السيد الخامنئي الحكم هناك، وأخذت جذوة العشق الحسيني تحيا من جديد في نفوس جيل أُريد له أن ينسى، وما لبثت الثقافة أن سرت، والزخم أن يمتد، فازدهرت الهيئات والحسينيات في إيران، وعادت لألقها السابق، وخمد البديل الحكومي المدعوم في المراكز الثقافية التي تلقن الناشئة الخطاب الثوري وتزرع فيه الولاء للقائد وتقرنه بالأئمة، وتشغله بالمحاضرات الفكرية وحفظ القرآن بدل العزاء والبكاء واللطم والاستغراق في الشعائر الحسينية.
فشل سعي الاحتواء، وبدأ بعده خيار التخريب والانقلاب… في 2015 أرسلت المخابرات الإيرانية نحو مليوني عنصر تابع لها أو متعاون معها، راحوا يتعمَّدون الفوضى ويتقصَّدون إثارة الشغب وخلق الاضطراب، وكل ما يعكِّر صفو هذه الطاعة والعبادة ويزري بالمنسك والشعيرة، فتتشوَّه وتسقط عن موقع النموذج والقدوة، مستغلين التفوُّق العددي، وتكوين غالبية جعلت باقي الزوَّار أقليات! فراحوا يكيلون الشتائم لكلِّ من يحتك بهم، ويعمدون للتدافع في الاختناقات ومواقع الزحام التي تكتظ فيها الجموع، وما إلى ذلك مما يندى له الجبين، كرفض الدفع لسيارات الأُجرة داخل البلدات حقها، والسخرية بمن يطالبهم بثمن ما يأكلون في مطاعم المدن… حتى كان كلُّ راجع من الزيارة في ذلك الموسم، ينقل مشاهد مسيئة وصوراً مشينة، حملت بعضهم على عزم عدم العود من قابل!
ولكن هذا الأداء أورث نفوراً عاماً من إيران، وإدانة مطبِقة من توجيهاتها السياسية للزوار، ورفضاً صارخاً لقيادتها الميدانية لحراكهم، واستهجاناً لتدخلاتها الفجَّة في الموسم المقدَّس، ما انعكس عليها سلباً، وتلقِّنها درساً، فلم تعد إليه.
ومضى الأمر بعد ذلك على وتيرته المعهودة، حتى جاء الوباء وعطَّل كلَّ شيء في الحياة، إلَّا زيارة العتبات! التزمها العراقيون على نسقها السابق ونهجها القائم قبل كورونا، دون شيء يذكر من إجراءات الوقاية كالتباعد الاجتماعي والتنقب بالأقنعة الواقية، وقد تلاحقت الإحصائيات بأرقام صاعقة سجَّلت صفراً من الإصابات في غير مناسبة وموسم، تركت أهل الاختصاص، سواء من المؤمنين القلقين أو غيرهم من المتربصين، في حيرة وذهول! بينما القوم في إيران عطَّلوا المزارات والمساجد والحسينيات، والإصابات عندهم في ازدياد بلغ أرقاماً فلكية!
قد يحتار بعضهم في سرِّ هذا الأداء، ويستغرب أن يبلغ القوم هذا الحدَّ من الفجور في الخصومة والعداء، ولكن لو تدبَّر المرء وتأمَّل، لوجد أنَّ الإمام عليه السلام سبق أن شخَّص الداء، كما في تفسير قوله تعالى “أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله”، قال: “نحن المحسودون”. القوم يرون أنَّ هذه الأنظار ينبغي أن تتوجَّه نحو قائدهم، والقلوب أن تهوي إليه، والهموم أن تنصرف تجاه القضايا التي يتبنى ويثير، فهذه المسيرة المليونية كان الأولى بها أن تزحف نحو القدس، قضية المسلمين الأولى والعنوان الجامع للمذاهب والفرق… فإذا الأمة معرضة عنه، منصرفة إلى غير قِبلة، منجذبة إلى فطرة غُرست في فاضل الطينة، والوفاء بعهد أُبرم في عالم الذر، والسعي في دربٍ خطَّه رسول الله، وما زال الله يرعاه، وملاحقة أمل يحمله كل مؤمن متطلع للمهدي الموعود، ارتبط بكربلاء وعاشوراء…
فلا يملك مَن يعيش هذي الآفاق إلَّا أن يواجه القوم بخطاب الحوراء عليها السلام ليزيد: “لقد خاب السعي، وتبَّت الأيدي، وخسرت الصفقة”. فقد أبى الله إلَّا أن يُتمَّ نوره، ولو كرِه الحداثويون وانزعج الحكوميون وغضب الحزبيون وتضايق الفلسطينيون.
التعليقات