كثيرون لا يخطر لهم سقوط الجمهورية الإسلامية ببال، ولا يهجس لهم في صحوة أو خيال! ويعتقدون أنها خالدة أبداً، وإن استعظم بعضهم التعبير وتنكَّروا له، لكنهم يعيشون في وجدانهم ويمارسون في واقعهم، أنها باقية لا تزول، مقيمة لا تفنى ودائمة لا تنتهي، ومن ثبت منهم على مذهبه وما برح يتمسك بإثني عشريته، لم ينقلب إخونجياً ويصير زيدياً، يحسب أنها باقية حتى الظهور الشريف، وهو ما كان يملأ به المجاهدون الأوائل الفراغ أمام السؤال عن فترة تطوُّعهم في “البسيج”، قوات التعبئة الشعبية؟ فيكتب في استمارة انتسابه: حتى ظهور المهدي! وعبَدَة الكواكب والنجوم هؤلاء، إنما يبهرهم سطعها ويفتنهم ارتفاعها، وتخلب قلوبهم زهرة ألقها وبهجة منظرها، ويغويهم قصور أيديهم عن تناولها، وتتابع ظهورها وثباتها في أبراجها… فيذهلون عن حقيقتها ويغفلون عن أفولها، والموحِّد الحق، لا يحب الآفلين، ولا يعبد غير ربِّ العالمين.

ويلحق الارتكاز على بقاء الحال والتسالم على عدم الزوال، سكون نفسٍ واستسلام للسطوة، يأس من الانقلاب والتبديل، واستشعار فشل أي مسعى في سبيل الإصلاح والتغيير. وفي استراتيجية القوم، أو أدائهم الانفعالي وردود أفعالهم المنطلقة من مكامن مسكونة بتلك العقيدة، ونفسياتهم المريضة الراكنة إلى الذين ظلموا، ترى حرصاً على إظهار أصوات المعارضة (الإيمانية الأصيلة، دون العلمانية العميلة) ضعيفة وباهتة وغريبة، قليلة العدة والعدد، ضئيلة الفعل والتأثير، لا يُعبأ بها ولا يُكترث لها، ما يُبقي على “أصل البقاء”، ولا ينال من “دوام الحال”، ناهيك بأن يتهدد النظام وسطوته ويمكن أن يسقط الحكم وهيمنته. وهي حالة نفسية راجت في حزمة الأدوات والجبهات المحتدمة في الصراع بين الأصالة والحداثة، ومعها مقولات أخرى بثتها الحداثوية وزرعتها في النفوس، كالتشكيك في ضرورة التقليد، وحرية التصرف في الحقوق الشرعية، وتهميش بعض معالم المذهب كالشعائر الحسينية، وتهوين الخطب في الجبهة العقائدية لصالح السياسية، مما انتشر في أوساط أتباع الجمهورية الإسلامية، لفرط الجهل، سواء العلمي النظري، أو الموضوعي التطبيقي، فالقراءات السياسية للقوم تضحك الثكلى، وما برحت تأخذهم من زلة وعثرة، إلى كبوة وحفرة، والتخلف الثقافي والتردي الروحي والأخلاقي الذي صيَّرهم قطيعاً، همه علفه وشغله تقممه، اكترش من مقضمه ولهى عما يراد به، فلحق سواداً يلتف براية الأقدر الأقوى، وحزباً يهتف للمتمِّول الأغنى!

ومن معضلات مخاطبة هذا السواد، من الشباب المؤمن بالثورة والجمهورية الإسلامية، سواء المنخرط في صفوف أحزابها، أو المتعايش معها والسابح في فلكها، تراه يتستَّر على تعدياتها ويغضي عن جرائمها، بل ينبري للدفاع عنها وينهض باحتجاجها والتبرير لها، ويأبى حتى توجيه النقد إليها، بل يعدُّه ذنباً ومعصية وإعانة للكافرين على المؤمنين، وتضعيفاً لدولة التشيُّع الوتر، في هذا المحيط المتحفز لإسقاطها والمتلهف للقضاء عليها! والحقيقة أنه مغلوب برؤية شيطانية إبليسية تدلِّس عليه، عبر ما يراه من السطوة والنفوذ، والمكنة والمال، والحكم والسلطان، والبأس والبطش، وما يلمس من قدرات أمنية تحصي على الناس أنفاسهم وتلاحق أعداءها في أجواف بيوتهم، وما يشهد انكفاء الخصوم وعجز المناوئين واستسلامهم، فترتسم أمامه في كل يوم “اليوم يئس الذين كفروا من دينكم” ويحسب أن دوام الحال هو الحق والمآل!… وإلا، فإن قراءة واعية ونظرة حكيمة للموضوع، تستقي من سنن التاريخ، وتحكِّم طبيعة سير الأمم والشعوب وقيام الدول والحضارات، تقضي بغير هذا الفهم والموقف، وتهتف بوجوب إعادة النظر في هذه الغشاوة بل الضلالة، فالبويهية والحمدانية والصفوية والزندية والقاجارية والسربدارية والأودية، كلها جاءت وحكمت وقضت وطراً، وكان لها دورها في رواج التشيُّع وبثه، أو النيل منه والإضرار به، ثم رحلت برجالاتها إلى ربها ليقضي لها أو عليها بالحق، لم يتوقَّف مصير المذهب يوماً على حاكم، ملك أو سلطان أو رئيس جمهورية، ولا حتى فقيه ولي، ولم تُعقد عاقبته ويرتبط مآله على نظام سياسي، ملكي أو جمهوري، مهما نصره وخدمه، وبعضها ارتكز عليه وانطلق منه. فقد بقي المذهب الإمامي على مدى التاريخ منفصلاً عن الحكومات والأنظمة، وبعضها اندكت فيه وانتسبت إليه، وذلك عبر منظومة فريدة لا يتوفر عليها غيره! فمضى التشيُّع على قوته وحافظ على نقائه، وبقي في أتباعه، يحملونه ويتناقلونه جيلاً بعد جيل، ويحفظونه بحرص وعناية، تفوق عنايتهم بأبنائهم وأموالهم، لا ينال منهم اضطهاد وتنكيل، ولا منه بطش ونصب، محروساً ومصاناً برعاية وعناية الحجة بن الحسن صلوات الله عليه، والذين معه من رجال الحوزة وخدام الشريعة وأساطين المذهب ورعاة الشيعة، أشداء على الباطل والانحراف والضلال، رحماء بينهم، يستنبطونه من أصوله، ويدرؤون عنه التحريف والشبهات، وينفرون به حيث كان للشيعة بلاد وأوطان، يربطون به على قلوبهم ويثبتونه في وجودهم.

المعضلة في الفرقة أو الجماعة الخامنئية، أنهم لم يعيشوا قيام الجمهورية الإسلامية، ولم يواكبوا سقوط الشاه، فلا يسع المحتج خطابهم من أفق يقصرون دونه، ولا بذل مادة والاستدلال بما لا يعرفونه، والارتكاز على ما ينكرونه! لم يشهدوا الوضع السائد آنذاك، وكيف أن نظام الشاه كان أشد سطوة وقدرة، وأكثر إحكاماً ومُكنة، وكان الحديث عن سقوطه يدور بين الخيال والهراء، وهذا في أوساط العلماء، ناهيك بالسياسيين، وحتى بين قادة الحركة من الإسلاميين أنفسهم، ومنهم السيد الخامنئي، الذي كان يرى ذلك من المحال! كان هذا هو السائد في أروقة رسم التكليف ووضع الأهداف وصنع القرار، فغاية آمالهم كانت تقف عند الضغط على الشاه وإلزامه بالإصلاح، وبلوغ ما يفرض عدم المس بالدين وحفظ أحكام الشرع المبين. وحتى الكهول الذين واكبوا سقوط الشاه وأدركوا تلك الأيام، لكنهم لم يعايشوها، لعدم تواجدهم في دائرة الالتزام الديني آنذاك، وكون الأحداث خارج نطاق اهتمامهم، وكانوا منصرفين لغير شأن، فيلحقهم نفس الحكم ويطالهم نفس الإشكال في خروجهم عن هيمنة فكرة البقاء والخلود، ترتسم مقولة الواهم “ما أظنُّ أن تبيد هذه أبداً” في وجدانهم، واللطيف في ما تقرره الآية الكريمة، أنها ليست لغة كافر، ولا هو منطق جاحد، إذ يعود الواهم فيقول: “ولئن رددت إلى ربي لأجدنَّ خيراً منها منقلباً”…

لست أدري، والمفترض في أنصار الجمهورية الإسلامية الثورية والإقدام… هل هو الجبن والخرَع، يرى السلطة والسطوة، فيُهزم في روحيته، سواء باللجوء إلى الأقوى والركون إليه، وإن كان ظالماً، لا يبالي أن تمسه النار، أو أنه يطلب السلامة والأمان، ويتجنَّب ما قد يخسره من مكاسب مبذولة ويحمِّله دفع أثمان، فيما لا طائل منه ولا أمل فيه ولا رجاء! أم هي نزعة الاستصحاب، وما يميل بالإنسان إلى الدعة، أمام عسر التغيير ومشقة الانتقال، ومؤونة لا يتحملها غير الصفوة من الرجال، وإلا حكم قول معاوية: شجاعٌ إذا ما أمكنتني فرصةٌ، وإلا تكن لي فرصةٌ فجبانُ.

في ميزان الحق، يكفي في نذر السقوط وأمارات الزوال، نصرتهم لفضلة الشيطان، واستخفافهم بجحد مصاب الزهراء، واستهانتهم بهذا الخطب الفظيع، بل تطويعهم قضية يهتز لها العرش، لألاعيب حزبية وشيطنات سياسية، فإذا ألحقتها بعداء الشعائر الحسينية، وابتداع ما أزرى بالمقدسات وهتك الحرمات من خلع الأسماء والألقاب، على طريقة العباسيين، لتأتي التالية في طامة إخضاع الحوزة والمرجعية للدولة. وبين كل واحدة من هذه والأخرى، وحولها وفي أطرافها، آلاف الجنايات التي ارتكبت جهاراً نهاراً، أو سراً وخفاء… كلها تقتضي موقفاً وتوجب رفعاً للصوت أمام هذا المنكر، والكف عن المجاملة والمداهنة. والأمر إن خفي على العوام، فلن نفرض ذلك في المنسوبين إلى العلم والفضل، وما زال الزمان يجود بين الفينة والأخرى بصوت يتمُّ الحجة ويقطع البرهان، ويبكِّت المهادنين المضارعين، وقد صدح مؤخراً آية الله السيد العلوي البروجردي حفظه الله بالحق، وجهر بالدعوة للصواب والصدق، وضع النقاط على الحروف، ورسم الخطوط تحت الكلمات، وقد أفرغ ما في قلوب جميع المراجع العظام وكافة أساتذة الحوزة والفضلاء دون استثناء، اللهم إلا الأجراء، والعمائم الداخلة في أعوان الظلمة والعاملين في البلاط.

Posted in

التعليقات