علمتني التجارب أن لا أُصدِّق المدَّعيات، وبصَّرتني الحياة أن لا أنخدع بالظواهر، وألهمتني أن لا أركن للمزاعم، بل لا أنبهر حتى بالأفعال وإن طابقت الأقوال! فالأهداف تأتي على مراحل، والأغراض تُنال عبر أطوار، وما يبدو اليوم لك، قد يكون خطوة في مسير سينتهي عليك. علينا أن نقرأ ما بين السطور، ونبحث عن المنطلقات والجذور، نستكشف العلل والبواعث هناك، ونتحرَّى الأسباب والمنطلقات في هذا وذاك، فالذئب لا يبتسم وإن بدت أنيابه، والسياسي لا يصدق وإن أعجبك أداؤه، وترحيب الكاسب واحتفاؤه لا يعني سمو روحه ودماثة خلقه، إنما هو سعي لبيع بضاعته ونماء تجارته… لكلٍّ ليلاه وللعاشق هواه، هذا مال وتجارة وذاك جاه وسلطان، وآخر غُلب من البطن والفرج، ورابع صرعته الشهرة والأضواء. والأعم الأغلب في مَشاهد واقعنا الملتبَس من أداء الأحزاب الدينية، هو صوَر مختلَقة وصنائع إعلام، وهامش الحقائق في القليل المتبقي، ينحسر لصالح الأوهام! قد يُفقِد هذا التوجس والحذر المؤمن سمة البساطة والتلقائية المحببة فيه، ويُخسره صفة حُسن الظن بالآخرين وسلامة الطويَّة، لصالح الكياسة والفطنة والألمعية، ولكن ألا يستحق المُثمن هذا الثمن، وهو يخرجه من الإمَّعية؟ فلا يخدع عن دينه ويُستخف بعقله ويُسخَّر دابة ومطية؟ وعدم الأخذ بالظاهر والتسليم بالمدَّعى، هو سيرة ماضية، وحقيقة ماثلة في سلوك العقلاء أبداً…

دع عنك خطر الفتوحات التي تعطَّلت، وانتشار الإسلام الذي توقَّف في عهد أميرالمؤمنين، والفتن والحروب الداخلية التي فتكت بالمسلمين، وغير ذلك مما يسوقه خصومه في تحفظهم على عهده، أو معارضتهم لإمامته وسياسته، وخلِّ عنك دعوى الحرص على الوحدة ودوام اللحمة، والتباكي على وقوع الاختلاف والفرقة في الأُمة… فهناك علل خفية للنصب، وأسباب لا تذكر لبغض علي!… في علل الشرائع للصدوق عليه الرحمة: كانت عداوة أحمد بن حنبل لأميرالمؤمنين عليه السلام، أنَّ جدَّه “ذا الثدية”، قتله أميرالمؤمنين يوم النهروان. وكان الأصمعي، الشاعر واللغوي، يبغض علياً، لأن أميرالمؤمنين عليه السلام قطع يد جدِّه أصمع بن مظهر في سرقة. وقال أبو العيناء لعلي بن الجهم: إنما تبغض علياً عليه السلام لأنه كان يقتل الفاعل والمفعول، وأنت أحدهما. فقال له: يا مخنث! فقال أبو العيناء: “وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه”…

من عاش الواقع الإيماني، وخاض معترك النزاع والصراع بين الأصالة والحداثوية في الساحة الشيعية، يدرك بوضوح أنَّ هناك موتورون، باغتتهم صولة الولاء فأبطلت سحرهم وعطَّلت حوانيتهم حتى بارت سلَعهم وتعطَّل مشروعهم، وقد تصدَّت لبدعهم ومُحدَثاتهم، فقطعت عنهم المدد، وأنقصت منهم العدد، وملأت أفئدتهم الرعب، وأخزمت ألسنتهم عن النطق، وشرَّدت بهم مَن خلفهم، وقطعت بخزيهم أطماع مَن بعدهم. هكذا أفسدت عليهم دنياهم، وأبطلت كيدهم وأفشلت زعامتهم.

لمَّا أصدر العلمان الميرزا جواد التبريزي قدس سره والوحيد الخراساني دام ظله، ومعهما بقية المراجع العظام وأساتذة الحوزة الكرام، حكمهم بضلالة فضل الله، ونهض المؤمنون الغيارى بدورهم، حتى أسقطوا الصنم ونكسوا رايته، ودفعوا أقرانه وألجأوا نُظراءه ليندسُّوا في جحورهم من جديد… تصرَّفت القيادة الإيرانية بمكر ودهاء، انحنت للعاصفة، والتزمت السكوت وما تراءى للجهلاء حياداً ونأياً بالنفس، وللبسطاء المغلوبين بحسن الظن ترفُّعاً عن الصراع في الجبهة الداخلية، وانشغالاً بالجهاد ومقاومة العدو الخارجي، ربضت ولبدت، حتى إذا حلَّت المنيَّة بالرجل فهلك، قام السيد الخامنئي وحشد أحزابه، وعبأ جنده واستفز أعوانه، وأعلن النفير العام لتشييعه وتأبينه، والاحتفاء بموته بجلال وتفخيم يمضي على سنن الفراعنة، وكأنه “تحنيط” أودع الميت ناووساً سيخلِّده، لا جثة دُفنت في قبر سيضغطه ويعتصره! ولم تكتف المنظومة الماسونية بهذا “الوفاء”، فنهضت بـ “إحيائه” في نهجه، وبعثه في أفكاره! عبر كلاب حرشتها تنبح الأصالة، وضباع أرسلتها تنهش الولاء، تعوي ليلاً ونهاراً، يمتلئ الإعلام بصخبها ويضجُّ التواصل الاجتماعي بهُرائها، حتى ألِفت الأسماع منكر الأصوات، وخرج العواء والضباح عن الإزعاج والنشاز! هكذا يعملون وعلى هذا النهج يمضون، لم يكن كمال الحيدري أولهم، ولا حيدر حب الله آخرهم… اخترقوا بيت التبريزي، في شرِّ انتقام، فقلبوه واحتلُّوه، واندسوا في بيت المرجع الأعلى وتوغلوا حتى تمكَّنوا، وتولوا التبليغ والتوجيه في أعظم موسم وأخطر “جبهة” إعلامية يعيشها الشيعة في كل عام: زيارة الأربعين، أُوكلت إلى سيد أحمد الأشكوَري!

نشأ الأشكوَري، كصنوه الحيدري، شيرازياً، وبالتحديد مُدرِّسياً، تلقَّى جرعات الانحراف الأولى من بؤر الجهل في طهران، والتقط العدوى من قيحٍ تنزُّه مدرستهم الموبوءة هناك، ومن تلك الجرثومة جرى النخر الأول في الفكر، ووقع الخرق المتقدِّم في الروح، تأصَّل هذا بمرور الزمن وترسَّخ ذاك: ثقة بالنفس واعتداداً وزهواً، يقلب ضئيل المعلومات والنزر اليسير منها هالة متوهِّجة، توهِم بشأنٍ وخطب، وتورث هذه بدورها تضخُّماً وتورُّماً، كعقاقير الشعور بالشبع لطلاب التنحيف والحمْية، أو عمليات تكميم المعدة، التي تُشعر بالامتلاء من أدنى زاد وأقل طعام، هكذا تمتلئ النفس ببالونات فارغة، أُطر وعناوين كبيرة، تحلُّ وتستقر دون سبر غور وإحاطة، ناهيك بتنقيح وتمحيص، أو تعمُّق وتدقيق، حالة أشبه بالثقافة العامة، وأداء أقرب إلى الخطابة والتهريج… بهذا انتقل وعاش في قم، ليلحقه، من شبكة العلاقات التي بناها (ولعل الحاجة دعت لكشف تفاصيل علاقاته وارتباطاته وبيان دورها في ضلاله)، مزيد نفخٍ ودفعٍ فتباهٍ وخيلاء، مقترن بتواصل وارتباط بمراكز النفوذ والسلطة، ووعود بدوْر مرموق ومقام غير مسبوق، وشهادة “دكتوراه” من شيطان الطلبة الأكبر: “جامعة المصطفى”! وصاحبنا يتيه ويزهو، ويختال ويغتر، يحسب أنَّ العلم جُمع له من أطرافه، وصُبَّ في صدره وجلبابه. ومما عضد الضلال في الرجل ووافى مرتعاً خصباً فيه، نزعة حبِّ الظهور وطلب الشهرة المستحكمة فيه، فراح يتَّكئ دون مسند، ويستند على غير ساعد وعضد، فيهوي في الحضيض ولا يدري، ويستوي على وضرٍ يحسب أنه يتربع على كرسي رفيع أو عرش منيع!

تلقفته “الاطلاعات” وتولت تربيته من بعيد وقريب، وما زالت تتعهدُّه وترعاه، حتى حان دور “سيد لواء” وآن أوانه، عند انتقاله إلى النجف الأشرف. وها هو اليوم ينفِّذ الأمر والمهمة، ويباشر التكليف والوظيفة، ويعيد تسويق المهترئ من المتاع والتالف من البضاعة، ويطبع على غلاف التعليب تاريخاً زائفاً يجدِّد الصلاحية، ويتيح العودة للاستعمال والاستهلاك. يدسُّ السموم على طريقة الشيطان، قطرة في جرَّة عسل، وجرعة في خابية خمر، ونفثة قذرة ملوثة في قدر يغلي، يُعدُّ فيه طعام، ينتظره سذَّج لا ينظرون، ونظراء له طامحون.

قد لا يلفُّ الرجل عنقه بكوفية، ولا يبكي القدس ويجعل من فلسطين القضية، لكنه بلا ريب، رجل إيران في حوزة النجف الأشرف، لا يغيب عنَّا ولا نغفل عنه… عجزوا عن النفوذ في المناهج الحوزوية، فعمدوا إلى منظومة المؤسسات والمراكز العلمية، والأشكوري يحمل نهجاً خطابياً في المعقول الذي يفتقده أو يتعطش الطلبة في النجف إلى التوسُّع فيه والاستزادة منه، فيغري ويغوي، ويجذب ويرسخ قدمه، ويغرس الشبهات وينفث السموم ويبذر الضلالات.

يسوِّق بهدوء لرجال الحداثة وأركان الضلال، معتبراً من أخطاء أسلافه، ومتعلِّماً من إثارات أقرانه، وزلَّات نظرائه، فيتجنَّب المسَّ بالمقدسات، ويحذر من الصدام والنزاعات! يتحدَّث ساعة وربع الساعة عن الفلسفة وعلم الكلام، وتطوُّر المعارف الدينية، تتخللها دقائق عن حيدر حب الله ومحمد حسين فضل الله، يسوِّق نظرية هذا ويُرجع إلى كتب ذاك! فيدحرج حجراً كبيراً ويطرح ركاماً على قبر الميرزا التبرزي ليهدم شاهده ويخفي اسمه، ويراكم عليه الردم فيطمره، حذر أن يعود يوماً ويحضر بفكره النقي ونهجه الثوري! أداء شيطاني يقتلع جذور الدين، فلا ثابت في الشريعة ولا راسخ في العقيدة، وخطاب يزري بأُسس المذهب، يضيِّع معالمه ويزيغ عن شعائره!… مراهناً في تقبُّل الأجواء ومرونتها تجاهه، على التغيير الذي طال كلَّ شيء في الحياة، فكيف عسى الحوزة أن تبقي على موروثها وتحافظ على نقائها وأصالتها؟ ومن اللطيف هنا ما يلتزمه عالم حكيم ورع، ما انفك يمتنع عن أي تغيير وتحديث، حتى في نمط حياته ومعاشه، من ملبس ومأكل! يقول إنني أخشى أن يرفد هذا خلق فضاء ويدعم فتح أجواء تسمح بتغيير الدين! فيرتكز الحداثوي إلى تغيُّر الحياة وكلِّ شيء فيها، ويحتج به لتغيير أُسس ومنهج بناء المعارف الدينية والأحكام الشرعية! وعلى الرغم من مغالطة المستدل هنا، إلا أن الورع كان يمتنع، حتى لا يقع في طريق الإسهام في تغيير عام يسوِّغ لتغيير خاص!

ببساطة ووضوح شديدين، الأشكوري ينقل الحداثوية الإيرانية للحوزة العلمية في النجف الأشرف، يهدم فكرياً أسس الاستنباط، ويوهن عملياً ركن المرجعية والسلطة الروحية لهذا الكيان. لا فرق ـ في الجوهر ـ بينه وبين الغزي وياسر الحبيب واليعقوبي وأحمد القاطع، هؤلاء جميعاً يهدفون هدم الحوزة وتقويض المرجعية، إنما يختلفون في أساليب العمل وطرق التنفيذ، وفي الأسياد والأرباب.

إنَّ الحوزة العلمية يعنيها في المقام الأول النهج لا الشخص، وتلاحق العلم والدليل، لا التهريج والتهويل… ومن قبل أنشد المرحوم الشيخ محمد رضا الأصفهاني النجفي:

وبان لنا يُدعى بخضر جهالة

ولكنه في فعله خالف الخضرا

أقام جداراً ثم لم يبغ أجرة

ويهدمه هذا ويبغي له أجرا.

Posted in

التعليقات