الأمر في الشأن السياسي يختلف عنه في غير شأن، القضية هنا ليست أكلة تستسيغها أو تمقتها فتمجُّها، ولا لوحة فنية تُعجب بها فتنجذب إليها، أو تستقبحها فتنفر منها، ولا هي قصيدة تستعذب أبياتها وتنبهر بمعانيها، أو تنقبض من فسادها ويزعجك نشازها، ولا منظراً تهش لجماله أو تكره بشاعته وقبحه، أو أي شيء شخصيٍّ خاص من هذا القبيل، مما يعيشه المرء من معطيات حسِّه الراقي المنيف، أو السوقي المبتذل، وذائقته السوية السليمة، أو الغثة السقيمة… ففي عالم السياسة،كل فعل وقول وحتى صمت، بل كل خلجة نفس ونية وعزم، لخير أو شر، أصابت الواقع أو طاش سهمها عنه، سترفد المشهد الأُخروي لصاحبها وحاملها، وترجِّح كفة الحسنات أو السيئات في ميزانه، تدرجه في الأبرار الناجين، أو تلحقه بالفجَّار الهالكين. “ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد”، “يا بني إنها إن تكُ مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الارض يأت بها الله”! حتى إذا جاءت سكرة الموت، ونُفخ في الصور، ووُضع الميزان، وأوتي الشقي كتابه بشماله، أشفق مما فيه وقال: “مالِ هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها”؟ ولا ينحصر هذا بالمحرمات والنواهي الشرعية المنصوصة، من كبائر وصغائر وسائر المعاصي المعروفة فحسب، بل يطال، في ما يهمله الناس ويغفلون عنه، ويحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم، كل موقف سياسي، وفي هذه المواقف ما يبلغ أعظم الكبائر وأخطر الجرائم!

في الحديث الشريف عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: “إنَّ الرجل ليأتي يوم القيامة ومعه قدْر مِحجمة من دم، فيقول: والله ما قَتلت ولا شركت في دم. قال: بلى، ذكرت عبدي فلاناً فترقَّى ذلك حتى قُتل، فأصابك من دمه”. وعن أبي عبدالله عليه السلام: “يجيئ يوم القيامة رجل إلى رجل حتى يلطخه بالدم والناس في الحساب. فيقول: يا عبد الله مالي ولك؟ فيقول: أعنت على (عليَّ) يوم كذا وكذا بكلمة، فقُتِلت”. وعن النبي صلى الله عليه وآله: “لو اجتمعت ربيعة ومضر على قتل مسلم قيدوا (من القوَد، وهو القصاص) به”… هذا في الأقوال والوشايات، فهل يسري الأمر إلى المواقف السياسية والاصطفافات الحزبية التي تفضي إلى القتل؟ هل يشترك المرء في فعل الجاني ويتحمَّل جريرته بمحض تأييده وتشجيعه والشدِّ على يده ومباركة فعله؟ تُرى كم يشترك عامة المؤمنين في وزر الدماء المسفوكة ظلماً، حين يؤيدون مَن أسالها، ويمضون أسباب إراقتها، ويدعمون بواعث وقوع المجازر التي تجريها؟ هل في الرضا بالأداء السياسي الذي يفضي إليها إثم وعقاب؟ هل في موافقة النظام الحاكم الذي يقف خلفها، أو يتسبب في وقوعها، جهلاً منه وحماقة، أو بدائية وتخلُّفاً سياسياً، تبعة أُخروية؟ فيأتي آلاف الشهداء بمحاجم الدماء، أو يلطخون بها وجوه هؤلاء، قائلين هذا نصيبكم مما نالنا ونزل بنا؟! ولا سيما الذين يبرِّرون للمتسبِّب في قتلهم، ينهضون باحتجاجه ويدافعون عن نظامه؟!

الموقف في عالم السياسة ضرب من الشراكة المتضامنة، المعمول بها في عالم الأعمال والتجارة، يتحمَّل الشريك المتضامن التزامات الشركة، مما يمتد لديونها، فعليه سدادها من ماله الخاص، إن لم تف حصته في الشركة!.. وهنا يلحق الأعوان والأنصار، ناهيك بالمحازبين والمنتسبين العاملين في صميم الجسم السياسي، دولة ونظام حكم كان، أو حزباً ومنظمة وجمعية، أو غير ذلك من الكيانات والتيارات والتكتلات.

هناك تحليل سياسي وقراءة تذهب إلى أنَّ الأداء الإيراني الموغل في المكابرة والعناد، الجامد على الشعارات، والمتصلِّب في بعض المواقف، دون أُخرى، تراه يتميَّع حتى زوال الهوية في شعائر الدين ومعالم المذهب، ثم يتشدَّد في السياسة إلى درجة التجمُّد والتحجُّر، حتى بات عاجزاً عن التطوُّر، ومواكبة أي تغيُّر يعيشه العصر ويقتضيه الظرف، قاصراً عن تفهُّم أي معطيات جديدة غدت تحكم الواقع وترسم شكلاً جديداً له!،، هذا الأداء المتخلِّف، الغارق في التباهي والاستعراض، هو الذي قلب استراتيجية القوى العظمى التي تتحكَّم في العالم، وعلى رأسها أمريكا، وغير سياستها في المنطقة، من عداء القاعدة وطالبان وعموم التكفيريين (مما كان بعد واقعة الحادي عشر من سبتمبر)، إلى عداء الشيعة وتضييق الخناق عليهم! والشواهد هنا كثيرة لا تخفى، آخرها الانسحاب الأمريكي “المفاجئ” من أفغانستان! بل وتسليمها البلاد والحكومة هناك لطالبان، لتعيد غرس الخنجر في خاصرة إيران، الدولة المارقة بالشغب والعصيان. ولو وسع أمريكا أن تطبق بفكيِّ الكماشة، وتلحق الجبهة الشمالية العليا بالجنوبية السفلى، فتعيد العراق للبعثيين، وترجع الحكم للأقلية السابقة، لفعلت دون ترديد، بل لما أبت أن تسلِّمه حتى لداعش والتكفيريين… لكن حكمة السيد السيستاني وعميق تدبيره، والعقلانية المشهودة في طبعه وأدائه من جهة، والدور الفاعل للشعائر الحسينية، ولا سيما الزيارة الأربعينية، وظهور دور العتبات المقدسة، في صبغ العراق بالهوية الشيعية من جهة أُخرى، فرض واقعاً لم يمكنهم تجاوزه، وحال بالتالي دون المصيبة والبلاء!

إنَّ الإصرار على النهج الثوري الأجوف، والأداء السياسي العقيم، وسلسلة الفرص الضائعة المهدرة، والمواقف والقرارات التي شكَّلت أخطاءً قاتلة، هو الذي انتهى بإيران إلى طريق مسدود، وقاد إلى المواجهة مع أمريكا وتحدِّيها، وهو ما أفضى للحصار الذي يخنق الشيعة، ويفسح لإعادة تعويم الإرهاب التكفيري. والسؤال الكبير الذي يجب أن يقض مضاجع ساسة إيران وشركائهم، من رجال الأحزاب التابعة لولي الفقيه في البلاد العربية، أو عموم المؤمنين المنساقين مع هذه السياسة: هل سيلطخ الأطفال الهزارة، القتلى في مدارسهم غرب كابل، والمؤمنون المصلون في مساجدهم هناك، وجه الحاكم والقائد الذي رسم هذه السياسات، وخطَّ هذا النهج؟ ومعه وجوه أنصاره والمتضامنين معه في مختلف البلاد، وقد أفضت لهذه النتائج القاتلة!؟

الإخوة الذين يدافعون عن الجمهورية الإسلامية ويبررون لها وينهضون باحتجاجها، هم أحرار في مواقفهم الآن، لهم أن ينصروا مَن يشاؤون، بالفعل والقول والبذل والدعاء، وحتى بالنيات، لكنهم سيكونون شركاء في الحساب غداً. وعلى جميع الأشخاص والشخصيات، والجماعات والأحزاب، التي تمجِّد قرارات القائد وتعظِّم شخصه، وتحول ـ بنحو  وآخر ـ دون انتقاده، وتقطع أي سبيل لنُصحه وتقويمه، تصوِّره مُلهماً مقدَّساً، ما يغرقه في الخطأ، ويركسه في الفتنة، ويغرسه في التيه، حتى صدَّق التعس كما روَّجوا وأشاعوا، أن أقواله وحي يوحى، وأفعاله تسديد إلهي لا يخطئ ولا يزل… هؤلاء جميعاً هم شركاء له، محاسَبون معه يوم القيامة.

كل مقالة وموقف، كل استدلال وتبرير، كل مدح وإطراء، يُلحق أوراق إدانة جديدة في إضبارتهم الثقيلة، التي ستوافيهم في المحشر وهم يستلمون كتبهم بشمالهم. وبعد الدماء، سيُسألون عن الفقر والجوع والمرض والفساد، وعن مئات المليارات التي ضاعت بسبب أخطاء إدارية فاضحة، أو سياسات اقتصادية قاصمة لظهر الدولة والشعب، التي يتحملها الحاكم ويضمنها… هناك حزبيون وعمال وموظفون وأُجراء، يحظون بشيء من الغُنم، ينالون من الجمهورية الإسلامية مالاً وجاهاً وشهرة، وغير ذلك من حطام الدنيا، ما يغشيهم عن الالتفات إلى الخطر الذي صاروا فيه، والقعر الذي هووا إليه وباتوا يقبعون فيه، يصمُّهم ويعميهم، ثم يبكمهم ويخرسهم فلا ينطقون بكلمة حق، يمضون بلا هدي، مكبين على وجوههم، لا يلتفتون إلى ناصح حريص، ولا يصغون إلى مرشد شفيق، وهي حالة معروفة في النوع، منتظرة من هذا الجمع… ولكن المؤلم المحزن، والغريب العجيب، هو حال البيئة والحاضنة، التي تحتطب على ظهرها، وتتطوَّع لحمل أثقال غيرها مع أثقالها،،، تدفع الغُرم بلا أي غُنم!

وفي قصص العرب أن فتاة زُوِّجت وهي صغيرة، فحملت، فلما ضربها المخاض، ظنت أنها تريد الخلاء! فبرزت إلى بعض الغيطان، فولدت، فصاح الوليد وبكى، فانصرفت تظن أنها أحدثت، فقالت لضرتها: يا هناة، هل يفغر الجعر (العذرة المتيبسة) فاه؟ فقالت: نعم، ويدعو أباه.

Posted in

التعليقات