تعني السلام عليك أيها القائد، الآمر… وفي الاصطلاح العسكري، هي تحية و”تتميم”، إعلان حضور وجاهزية، واستعداد لتلقي الأوامر وتنفيذها، قد يقابلها بالعربية: “لبيك”، أو كما في العسكرية الدارجة: “نعم سيدي”. وهو عنوان شاع مؤخراً في إيران، وراج في مختلف شرائح المجتمع وقطاعاته، وبلغ في الخامس والعشرين من شوال، ذكرى وفاة الإمام الصادق عليه السلام، الذروة والقمة، التي تحققت في حشدٍ بلغ مئة ألف نسمة ملؤوا مدرجات ملعب آزادي في طهران، تداعى لإقامته تلاميذ المدارس من مختلف المدن والمحافظات، تقاطروا في حافلات أعدَّتها الحكومة لنقلهم. والعنوان التحية، والنداء التلبية: “سلام فرمانده”، هو عمل فني من إنتاج فريق التعبئة الطلابية التابع لقوات حرس الثورة (الطلائع)، جاء على لسان جيل التسعينات (حسب التقويم الفارسي، وهم الأطفال أو الفتيان والفتيات الذين يبلغون سن المراهقة اليوم)، بعد أن تجاهل النظام أجيال الستينات والسبعينات، فتلقفهم الإعلام الغربي، واحتضنتهم الثقافة المعادية للجمهورية الإسلامية، فكانوا وقود المعارضة وعناصرها الفاعلة، سواء في جبهة التواصل الاجتماعي والنطاق الافتراضي، أو في المظاهرات والاضطرابات الميدانية. ما حمل النظام على إعادة النظر في استراتيجيته الإقصائية، وعمل على تغييرٍ يستدرك انحسار الغطاء الشعبي وتراجعه إلى أدنى حدود منذ انتصار الثورة. فكانت إجراءات وخطوات، ذهبت أُولاها في اتجاه لمِّ الشمل ورأب الصدع وترميم البيت الديني، الذي هتكه النظام من قبل بأفكاره الحداثوية، فشنَّ حرباً شعواء على الشعائر الحسينية، وأخضع الحوزة والمرجعية للدولة، وصيرها مؤسسة حكومية، وغيَّر المناهج فيها بما حوَّلها إلى أكاديمية، يريد أن يقطع الطريق على تربية علماء مستقلِّين، وظهور فقهاء حقيقيين ينافسون الفقيه الولي، أو يشكِّلون، بمحض وجودهم، تحدياً يتهدده!
بدأ القوم باستمالة البيت الإيماني، واحتواء النشاط الولائي، وقُل إن شئت الركوب على صهوات جياده… شرع في حركته بابتداع ما عُرف بـ”عزاء الشور”، وإنشاء هيئات حسينية تنافس التقليدية الموروثة، وتصادر مواقعها لصالح هذه التجديدية المُحدثة التي تموِّلها وتديرها، من قريب أو بعيد، عناصر خفية تابعة للنظام (بدأ بعضها يسفر عن وجهه، ويكشف هويته ويجاهر بدوره)، وراحت تغالب الهيئات التقليدية في دعواها، وتقطع عليها سبيل الاحتجاج، فهي تقيم الشعائر وتمارسها بتركيز أشد وإغراق تقصر عنه المنافسة! فظهروا في الجزع ومظاهره “ملكيين أكثر من الملك”، ومجيدين أكثر من أرباب الصنعة المتمرسين، والخبراء الضليعين، والسابقين الأولين!.. وها هو النظام يُتبِع خطوته الأُولى بثانية تطال العقيدة المهدوية، فكانت “سلام فرمانده”. وهي أُنشودة تستنهض الإمام المهدي عجل الله فرجه، تدعوه وترجوه، أن يُنهي غيبته، تحمل خطاباً دينياً سياسياً، يمرُّ على “الخامنئية” بذكاء، ويأخذ المؤمنين إلى المهدوية عن طريق الجمهورية الإسلامية، يسوقهم بلطف لينتهوا إليها، كعتبة وبوابة ـ كما هو المفترض والظاهر من الأمر ـ تفتح على العهد الموعود والفرج المنتظر. وخلافاً لما عُرف من إعلام القوم، والسائد في أدوات الثقافة التي يروِّجون، تتحرَّك الأنشودة ـ هذه المرَّة ـ بمضامينها، بعيداً عن التعسف والإملاء المعهود، نائية عن الزهو والاعتداد المشهود، فلا حدَّة وغلظة تنبذ غير الموالين للجمهورية، وترتاب في غير المنخرطين في أحزابها، ولا كبر وطغيان يتبجَّح بالسلطة ويستعلي بالقوة! وبعد هذا وذاك، وعلى أي حال كان تقدير أداء الأُنشودة وواقع رواجها، فهي جرعة مركَّزة، ولغة لمادة ولائية أصيلة (المهدوية)، طالما كانت مغيَّبة عن أدبيات “الخامنئية”، وغريبة في فضائها، ما زواها عن الدور العقائدي الفاعل، لصالح الانخراط في النهج الثوري، وأقصاها عن الحضور الوجداني، حذر النيل من مكانة القائد الميداني! وفي العموم، فإن الخطاب والفكر الخامنئي، المستمد من علي شريعتي و”الإخوان”، الغارق في الإسلام العام، المتَّخذ سمته من القرآن والأحكام، المتنكِّب رداء الجهاد، العامل على ترسيخه كهوية مقابل الولائيين المهدويين أو “الحجتيين”، لم يكن ليلتفت يوماً إلى “غائب عن الساحة”، ولا ليرسم موقعاً لمقام غيبي “غير حاضر أو فاعل” في الشأن العام!
الأنشودة ناجحة بامتياز، وقد جمعت إلى لحنها السلس السائغ، وكلماتها العميقة البليغة، مسحة بساطة وعفوية، لعلها أتت من لسان حال صغار السن، وهي تحكي حالهم في الشكوى والدعاء، وتحمل خطابهم في الاستعداد للتضحية والفداء… وقد صبَّ النظام طاقاته وجهوده لأقصى استغلال، ووظَّف مؤسساته الإعلامية والتثقيفية والتعليمية، ليصنع منها حالة شعبية، عبأ لها عشرات آلاف الأطفال في مختلف المدن، ينتظمون في صفوف شبه عسكرية، تحوم من فوقهم “درونات” التصوير، تلتقط المشاهد الانفعالية العاطفية، وتسلط الأنظار على طفلة تجهش في البكاء وهي تتضرَّع لربها وتتوسَّل بإمامها، وأُخرى ترمق الأُفق بنظرة حالمة، وطفل يؤدي التحية العسكرية، وتعود الأكف الصغيرة لترتفع بالدعاء والاستجداء، وتعكس كل ما في الطفولة من براءة ونقاء، يُنسي، أو يتجاهل الأزمة الاقتصادية الخانقة، والتردِّي المعيشي الذي يُشعل فتيل انفجار عام، سوف يُسقط النظام.
مع هذا وذاك، يقرأ المراقبون، ولا سيما ـ هذه المرة ـ المتديِّنون الولائيون، وتذهب تقديراتهم أنَّ النظام سيفشل هنا ويخفق كما فشل هناك في مسعاه الأول وأخفق، فهيئات “الشور” أذكت الشعائر ونشرتها في أوساط سعى النظام لتغييبه عنها، لتأتي التقليدية لتتلقفها، ويعود العزاء النمطي ليجني ويحصد، فقد ذهب العبث، وثاب الحسينيون المخلصون إلى رشدهم وطُويت الظاهرة، أو هي في طريقها، وهم في طريقهم إلى ذلك، فالشاب الغيور الذي أخذته الحمية المذهبية يوماً وغلبه العشق الحسيني حيناً، سيعود من جولته الحماسية إلى داره، ويبيت من جديد في فراشه، ولن يُخدع بتخت عريض وسرير فاره!
هكذا سيرجع هذا المسعى المتقمِّص قضية المهدوية في عائده، ويصبُّ في مردوده لصالح الأصالة الولائية، وتكون الفكرة والعقيدة المغيبة قد توغلت في أوساط طالما حُجبت عنها، وقد خاضت بوجدانها الطاهر التجربة، وتلقَّت ما لامس النجابة فيها، وأهاج الفطرة منها، لتُبنى جسور الوصل من جديد، ويعيش المؤمنون غيبة إمامهم معايشة حقيقية، ترفعها إلى مقام القضية الأُولى في حياتهم.
إن اقتحام النظام الإيراني الميدان الولائي وتسوُّره الساحة العقائدية للشيعة، في أخطر عناوينها، أي المهدوية، بعد محاربة الشعائر الحسينية (المباشر بحظر التقليدي ومنع الأصيل وملاحقة أبنائه بالتضييق والتنكيل، ثم إطلاق البديل عبر بدعة مستحدثة تحاكي الراب الغربي)، والاستيلاء على الحوزة العلمية وبث الفوضى في المرجعية، وكذا تمييع معالم التشيُّع عبر خلق التداخل والخلط في مفاهيم “الإمامة” و”الولاية” وغيرها… لن يعينها على أهدافها السياسية، ولن يسعفها وينقذ إفلاس خطابها الأصلي. فرفع وممارسة عناوين الجهاد ونصرة فلسطين ومقاومة إسرائيل ومواجهة الاستكبار العالمي، لم تبلغ بالفقيه المدَّعي الولاية التي ينشدها ويتطلَّع إليها، وبقي السيد القائد في إطاره السياسي، وبقيت قدرته مستمدَّة من الدولة والجيش والشرطة والمخابرات، وعموم أذرع القوة وشُعب البطش والاستبداد، ولم تبلغ يوماً المرجعية الدينية، والسلطة الروحية.
الخامنئي القادم من غير مدرسة، من الحركة الإسلامية، من رحاب الفكر العملي الجاف، الذي ينبذ الغيب، ويقف على ضفاف الخشونة الحسية والجلافة المادية، لا يمكنه أن يعيش فضاء دعاء الندبة والعهد، ولا أن يستحضر حال المولى في زيارة الناحية! إن المهدي الذي كان في ثقافتهم غير المعلنة، المضمرة المسكوت عنها، أو حتى الصريحة في أوساط النخب السياسية والحركية، التي تسخر من الدعاء سخريتها من البكاء على سيد الشهداء، وتنظر إليه كقاعد متخاذل، يشهد الظلامات التي تقع في فلسطين، ويحضر تفرعن الاستكبار وجبروته فلا يقوم ولا ينهض، ولا يحرِّك ساكناً… هذا “المهدي” لن تغيِّر صورته أُنشودة، ولن يعود ليحتل في أرواحهم مكانته التي زوي عنها، عبر تكتيك سياسي، لسبب بسيط، هو أن القوم ليسوا أبناء الحقل والميدان، لا يحسنون حرثه ولا يجيدون زرعه، حتى إذا جاءهم الغرس من تلقائه، ووافوه من موروث تراثه، فلن يتمكنوا من رعايته… هذه تربة لا يعرفونها، كما لا نعرف نحن السياسة والتواءاتها، فالدخول في الشعائر وفي المهدوية وما إلى ذلك من ولائيات، هو توغل منهم واقتحام، لأنهم غرباء في واقعهم عن هذا الفضاء. من هنا تراهم وقعوا في خطأ فادح جعلهم في بؤرة البلاء، ذلك لما أساؤوا توقيت مهرجانهم، وجعلوه في ليلة وفاة الإمام الصادق، رئيس المذهب وعنوان الجعفرية! وبينما كان الحزن يخيم على الحوزات والمدن الإيرانية، راحت الحشود في ملعب آزادي تتغنى بالنشيد، آخذين في التصفيق والصفير، ومظاهر الفرح، والعالم الشيعي غارق في البكاء واللطم والعزاء.
وأقتبس هنا من صفحة السيد عبدالصاحب الهاشمي، أحد الوعاظ الفضلاء: “إن إجراء أنشودة سلام فرمانده المصحوبة بالمعازف، وأجواء البهجة والسرور في ليلة استشهاد الإمام الصادق عليه السلام، هو هتك للمقدسات… تأكدوا أن عزف الموسيقى، والتصفيق والصفير والنفخ بالبوق، والتمايل في حركات موزونة على إيقاع، لن يحقق شيئاً في أمر تعجيل فرج الإمام، ولن يحظى برضاه. لا يمكن جذب الناس وربطهم بإمام الزمان عبر هذه الطرق الخاطئة”. وهذا السيد لا يُعَدُّ من أعداء النظام، ولا يصنَّف في خصوم الجمهورية الإسلامية.
سيورق عشق المهدي في قلوب جيل التسعينات ويزهر، ثم يثمر، وعندها سينقلبون ويثورون على أدعياء الولاية ومتقمصي المهدوية، وسيعرفون من هو الآمر والقائد (فرمانده) الحقيقي.
التعليقات